وعلاوة على أن التغيرين، وإن كانا منفصلين، إلا أنهما عمليا قد يتخادمان؛ فكلما اشتد الخناق على باماكو، ساءت الأحوال المعيشية للسكان، فيزداد تذمرهم من القادة العسكريين، ويصبّ هذا التذمر في زيادة شعبية الهيئة المعارضة التي يقودها الإمام ديكو.
خنق اقتصادي عن بُعد
شرعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بقيادة إياد أغ غالي، في مهاجمة قوافل الوقود وقطع الطرق المؤدية إلى باماكو منذ الربع الثاني من عام 2024، وخصوصا خلال الفترة من يونيو/حزيران إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، من خلال فروعها في وسط وغرب مالي (مناطق: موبتي، سيغو، خاي). وكان الهدف خنق العاصمة باماكو عبر تكتيكات إحراق شاحنات نقل الوقود وفرض كلفة مرور مرتفعة.
وقد ركزت هذه الجماعة على قطع مواد الطاقة والغذاء والكهرباء، ففقد القادة العسكريون، بقيادة أسيمي غويتا في باماكو، التحكم في توفير أساسيات الحياة للسكان الواقعين تحت سيطرتهم. وفي المقابل، صارت جماعة نصرة الإسلام تتحكم عن بُعد في أنشطة حيوية لسكان العاصمة، من دون الدخول في مواجهة عسكرية مكلفة مع القادة العسكريين.
بدت مؤشرات نجاح هذا الخنق في اتساع نطاقه إلى عدد متزايد من المدن الواقعة على المحاور المؤدية إلى العاصمة باماكو غربا وجنوبا غربيا، وكذلك في اضطراب النشاطات داخل العاصمة نفسها. فقد وردت تقارير عن طوابير طويلة، وإغلاق محطات، وحدوث شلل اقتصادي متقطع، وتعطل خدمات ناتج عن انقطاعات الكهرباء، وتوقف النقل، وارتفاع كبير في الأسعار.
ويؤكد ذلك قرار السلطة العسكرية تعليق الدراسة لمدة أسبوعين، في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، بسبب نقص الوقود. وإلى جانب هذه الخسائر، تستفيد جماعة نصرة الإسلام من مداخيل ناتجة عن تحكمها في طرق المرور والسوق السوداء، وتوفير الحماية للقوافل، فتستثمر هذه المداخيل في توسيع عملياتها وتكثيفها لزيادة التضييق على الحكومة العسكرية في باماكو.
نزاع على شرعية التمثيل
أعلن الإمام محمود ديكو، من منفاه في الجزائر، عن "هيئة القوى من أجل الجمهورية" في النصف الثاني من عام 2025، وهي تعمل على استعادة المسار الدستوري بعد انتقال سياسي قصير يدوم 18 شهرا، من خلال المقاومة السلمية. ويعتمد ديكو في نشر خطابه على سمعته، وشبكات المساجد والجمعيات، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فيقدّم بديلا سياسيا عن الحكم العسكري الحالي يحظى بمساندة شعبية، قياسا على شعبيته في احتجاجات 5 يونيو/حزيران التي أسقطت نظام إبراهيم أبو بكر كيتا، ويحول دون وقوع فراغ في السلطة إذا انهار الحكم العسكري.
تتيح هيئة الإمام ديكو عددا من الخيارات؛ فقد تحظى بدعم الجزائر، الدولة الكبرى المحاذية لمالي، والتي كانت وسيطا رئيسيا يحظى بدعم دولي في تسوية الخلافات بين الحكومات المركزية في باماكو والجماعات المناوئة في شمال مالي. وقد تدعم الجزائر تسويق الهيئة في
الاتحاد الأفريقي بوصفها بديلا عن الحكومة العسكرية التي يرفض الاتحاد الاعتراف بها.
كذلك قد تحظى الهيئة بدعم القوى الغربية، خاصة فرنسا والولايات المتحدة، لاستيائهما من الحكومة العسكرية في باماكو التي اختارت التعاون مع روسيا. وقد تحظى أيضا بدعم منظمة الإيكواس التي تقودها
نيجيريا، وهي منظمة لا تعترف بانقلاب مالي والحكومة العسكرية الناتجة عنه، ومتعاونة مع فرنسا.
ومن جهة أخرى، قد توافق جماعة نصرة الإسلام على التحاور مع الإمام ديكو، لأنه سبق أن دعا إلى الحوار مع الجماعات المسلحة المناوئة للسلطة في باماكو، وقد تعدّه هذه الجماعات شريكا في التفاوض على حلول توافقية.
ضغط متزامن
يتزامن ضغط جماعة نصرة الإسلام مع ضغط هيئة الإمام ديكو على الحكومة العسكرية في باماكو من دون تنسيق مسبق، لكنهما قد يعززان بعضهما عمليا. فكلما قطعت جماعة نصرة الإسلام الإمدادات المتجهة إلى باماكو، ساءت الأوضاع المعيشية، فيزداد تذمر السكان، فتختار الحكومة العسكرية إما تشديد القبضة الأمنية للقضاء على التململ، فتستعدي السكان أكثر، أو مواجهة تصاعد شعبية الهيئة المعارضة.
وفي المقابل، إذا زاد ضغط هيئة الإمام ديكو من خلال تنظيم الإضرابات والاحتجاجات ونجحت في تطويق الحكومة عسكريا وسياسيا من الخارج، ستضطر الحكومة إلى التركيز على وقف هذه الاحتجاجات، فتنشغل عن مواجهة جماعة نصرة الإسلام، التي قد تنتهز الفرصة لتوسيع عملياتها في قطع طرق الإمداد، وقد تحاصر العاصمة باماكو نفسها، ما قد يؤدي إلى تصدع الجيش المالي.
بيد أن هذا التفاعل ليس حتميا؛ فقد تتضرر هيئة ديكو من ضغط جماعة نصرة الإسلام إذا بدا أن هذا الضغط سيؤدي إلى تفكك الجيش المالي، بما يتيح للجماعة المسلحة السيطرة على العاصمة، أو إذا نجحت الحكومة العسكرية في ترويج سردية تربط الهيئة والجماعة المسلحة بمشروع واحد. كما قد تخشى دول الجوار الرئيسية، مثل نيجيريا، أو القوى الغربية كفرنسا والولايات المتحدة، من أن يؤدي الضغط السياسي إلى انهيار الجيش المالي.
التملص من الخناقين
سعت الحكومة العسكرية في باماكو إلى فك الخناقين: العسكري الذي تفرضه جماعة نصرة الإسلام، والسياسي الذي تفرضه هيئة الإمام ديكو. فاستعانت، لفك الخناق الأول، بحليفها الروسي الذي تشير التقارير إلى أنه أبرم اتفاقا لتزويد الحكومة العسكرية بنحو 160-200 ألف طن متري من المنتجات البترولية والزراعية، قد تُستخدم موانئ
السنغال أو ساحل العاج لتوصيلها، وهما البلدان اللذان يوردان نحو 90% من وقود مالي.
غير أن نقل هذه المواد من الموانئ إلى باماكو يقتضي المرور بممرات تتعرض لهجمات الجماعة المسلحة، ما يبقي مشكلة التزود قائمة. لذلك قد تلجأ الحكومة العسكرية إلى حلفائها في اتحاد تحالف دول الساحل، الذي يضم
النيجر وبوركينا فاسو، لتحويل جزء من الواردات عبر هذه الدول، ثم نقلها إلى باماكو.
تستند الحكومة العسكرية في تمويل هذه الجهود إلى تصدير الذهب، مستفيدة من ارتفاع الطلب الروسي عليه في ظل العزلة المالية الغربية، وحاجة
موسكو إلى الذهب لتسهيل المدفوعات الخارجية. كما تسعى دول أخرى إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب لتقليل الاعتماد على الدولار، الذي بات أداة مركزية في منظومة العقوبات الأميركية.
وتوظف الحكومة العسكرية خطاب السيادة ورفض التدخل الأجنبي، خاصة الفرنسي والغربي، لكسب ولاء السكان، وتقديم الانقلاب بوصفه حركة تحرر جديدة من
الاستعمار الفرنسي، وقد عززت هذا الخطاب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، والمطالبة بمغادرة قواتها التي كانت تقود عملية "برخان".
بين تشديد القبضة وصفقة توافقية
تُرتّب هذه التحولات السيناريوهات المحتملة تنازليا من حيث الاحتمال.
السيناريو الأول: يتمثل في تشديد القبضة الأمنية مع ازدياد الضغط، وهو السلوك الغالب على الأنظمة العسكرية المماثلة، مع محاولة معالجة أزمة الإمدادات عبر الحلفاء الإقليميين. غير أن هذا السيناريو قد لا يستمر إذا طال أمد الخنق الاقتصادي.
السيناريو الثاني: يتمثل في تصاعد الاحتجاجات والإضرابات، وفقدان الحكومة السيطرة على العاصمة باماكو، ما قد يؤدي إلى تصدع داخلي في المؤسسة العسكرية أو انقلاب مضاد، أو بروز جناح يدفع نحو تسوية سياسية لتجنب انهيار الدولة.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على لجوء الحكومة العسكرية إلى صفقة توافقية إذا رأت أن كلفة القمع أصبحت أعلى من كلفة التنازل، بما يضمن بقاء المؤسسة العسكرية لاعبا أساسيا في الترتيبات الجديدة.