من توصيف تحليلي إلى أداة تصنيف
في بدايات استخدامه، ارتبط مفهوم الدولة الفاشلة بمحاولات فهم أنماط جديدة من عدم الاستقرار بعد
الحرب الباردة، حين تراجعت الحروب بين الدول، وبرزت الصراعات داخلها. لكن هذا المفهوم سرعان ما خرج من نطاق التحليل إلى مجال التصنيف، فأصبح يُستخدم لترتيب الدول، وتحديد أولويات الدعم أو التدخل، وأحيانًا لتبرير العزلة أو الوصاية.
المشكلة أن هذا التحول لم يصاحبه اتفاق نظري صلب حول معنى الفشل نفسه. فهل الدولة تفشل لأنها لا تسيطر أمنيًا؟ أم لأنها لا تنمّي اقتصادها؟ أم لأنها تفقد شرعيتها السياسية؟ أم لأن تاريخها البنيوي مختل منذ التأسيس؟ هذا السؤال ظل مفتوحًا، وأنتج تفسيرات متعددة، لكل منها منطقها الخاص، لكنها جميعًا تُستخدم تحت العنوان نفسه: «الدولة الفاشلة».
التفسير الأمني: الفشل بوصفه فقدان السيطرة
أكثر التفسيرات شيوعًا هو التفسير الأمني، الذي ينطلق من فكرة أن جوهر الدولة الحديثة هو احتكار العنف المشروع. وفق هذا المنظور، تصبح الدولة فاشلة عندما تعجز عن السيطرة على إقليمها، أو حين تنازعها جماعات مسلحة هذه السيطرة، أو عندما يتحول العنف الداخلي إلى حالة مزمنة.
هذا التفسير يبدو للوهلة الأولى بديهيًا، لكنه يعاني من اختزال واضح. فهو يساوي بين الصراع والفشل، ويتجاهل أن دولًا كثيرة شهدت حروبًا أهلية ثم أعادت بناء نفسها، كما أنه لا يميز بدقة بين الانهيار الكامل والأزمات الأمنية المؤقتة. ومع ذلك، ظل هذا المنظور الأكثر حضورًا في الخطاب الدولي، لأنه الأسهل في القياس، والأقرب إلى الاهتمامات الأمنية للقوى الكبرى.
التفسير المؤسسي: الدولة التي لا تؤدي وظائفها
في مقابل المقاربة الأمنية، برز تفسير يركز على الأداء الوظيفي للدولة. هنا لا يُقاس الفشل بعدد البنادق، بل بقدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، وإدارة مؤسساتها، وتطبيق القانون، ومكافحة الفساد.
وفق هذا المنظور، قد تكون الدولة مستقرة أمنيًا، لكنها فاشلة لأنها لا تُعلّم، ولا تُعالج، ولا تُدير مواردها بكفاءة. وتكمن قوة هذا التفسير في شموليته، لكنه يواجه بدوره إشكالًا مفاهيميًا: متى يصبح الضعف فشلًا؟ وهل كل إخفاق مؤسسي يُعد دليلًا على فشل الدولة، أم أن الأمر يتعلق بدرجات ومسارات؟
التفسير الاقتصادي: الفشل بوصفه إخفاقًا تنمويًا
يربط تفسير ثالث فشل الدولة بعجزها عن تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. في هذا السياق، تُعرّف الدولة الفاشلة بأنها الدولة العالقة في دوائر الفقر، والعاجزة عن خلق فرص العمل، أو إدارة مواردها، أو مواجهة الصدمات الاقتصادية.
غير أن الدراسة تلفت الانتباه إلى خطورة هذا الربط، لأنه قد يؤدي إلى مساواة ضمنية بين الفقر والفشل. فليس كل بلد فقير دولة فاشلة، كما أن التاريخ الاقتصادي يُظهر أن مسارات التنمية ليست واحدة، وأن إخضاع دول الجنوب لمعايير جاهزة قد يكون جزءًا من المشكلة لا من الحل.
التفسير السياسي: أزمة الشرعية قبل أزمة الأداء
ينقلنا تفسير آخر إلى قلب العلاقة بين الدولة والمجتمع. هنا يصبح الفشل سياسيًا بالأساس، مرتبطًا بانعدام الشرعية، وانسداد قنوات المشاركة، وغياب الثقة بين الحاكم والمحكوم. الدولة، وفق هذا المنظور، تفشل عندما تحكم بالقوة وحدها، أو حين تفقد قدرتها على تمثيل مجتمعها.
ميزة هذا التفسير أنه يعيد الاعتبار للبُعد النوعي، لكنه يصطدم بصعوبة القياس، وباختلاف المعايير الثقافية والسياسية بين المجتمعات، ما يجعله عرضة للتسييس والانتقائية.
التفسير البنيوي- التاريخي: الفشل كمسار طويل
ترى الدراسة أن كثيرًا من حالات ما يُسمى بالفشل لا يمكن فهمها دون العودة إلى التاريخ. فحدود مصطنعة، وإرث استعماري، وبناء دولة سابق على بناء الأمة، كلها عوامل ساهمت في إنتاج دول هشة منذ نشأتها.
وفق هذا المنظور، لا يكون الفشل حادثة طارئة، بل نتيجة مسار طويل من التشوه البنيوي. غير أن الاعتماد الحصري على هذا التفسير قد يؤدي إلى نوع من الحتمية، وكأن بعض الدول محكوم عليها بالفشل إلى الأبد، وهو ما تحذر الدراسة من الوقوع فيه.
من التفسير إلى التضخيم: التفسيرات المركبة
في محاولة لتجاوز قصور التفسيرات الأحادية، ظهرت مقاربات مركبة تجمع بين الأمن والاقتصاد والسياسة والتاريخ. لكن هذه المقاربات، رغم شموليتها، أنتجت إشكالًا جديدًا: تضخم المؤشرات، وخلط الأسباب بالنتائج، وتحويل الفشل إلى وصف شامل لكل اختلال.
وهنا تبرز المفارقة: كلما زادت المؤشرات، قلت القدرة على التفسير الدقيق، وتحولت الدولة الفاشلة إلى مفهوم فضفاض يتسع لكل شيء.
التصنيفات المجاورة: هشاشة وضعف وانهيار
تلفت الدراسة إلى ضرورة التمييز بين «الدولة الفاشلة» ومفاهيم أخرى تُستخدم أحيانًا بوصفها مرادفات، مثل الدولة الهشة، أو الدولة الضعيفة، أو الدولة المنهارة. فالهشاشة تشير إلى قابلية التأثر بالأزمات، لا إلى الفشل بالضرورة. والضعف يدل على محدودية القدرات، لا على غياب الدولة. أما الانهيار فهو حالة قصوى تختلف نوعيًا عن الفشل.
الخلط بين هذه المفاهيم لا يؤدي فقط إلى أخطاء تحليلية، بل يساهم في ترسيخ صورة نمطية عن دول بأكملها، خصوصًا في أفريقيا.
أفريقيا بين الواقع والتصنيف
اختيار القارة الأفريقية في الدراسة لم يكن اعتباطيًا. فهي أكثر القارات حضورًا في قوائم الفشل، لكنها في الوقت نفسه الأكثر تنوعًا في التجارب والمسارات. وتُظهر النتائج أن كثيرًا من الدول الأفريقية تبقى في مواقع متقاربة داخل المؤشرات لسنوات طويلة، ما يثير سؤالًا جوهريًا: هل يعكس هذا ثباتًا في الواقع، أم ثباتًا في أدوات القياس؟
الدراسة تميل إلى الإجابة المركبة: هناك اختلالات حقيقية، لكن المؤشرات نفسها تعيد إنتاج التصنيف، وتحوّل الفشل إلى هوية ثابتة، لا إلى حالة قابلة للتغير.
الخلاصة: مفهوم يحتاج إلى تفكيك لا إلى تعميم
ما تكشفه الدراسة، في جوهرها، هو أن «الدولة الفاشلة» ليست حقيقة واحدة، بل مرآة لزاوية النظر. كل تفسير يلتقط جانبًا من الواقع، لكنه يعجز عن الإحاطة به كاملًا. والخطر لا يكمن في استخدام المفهوم، بل في التعامل معه بوصفه حكمًا نهائيًا، أو أداة سياسية جاهزة.
الدولة لا تفشل بطريقة واحدة، ولا لأسباب واحدة، ولا بالضرورة إلى الأبد. وما لم يُعاد التفكير في المفهوم، وفي المؤشرات التي تُبنى عليه، سيظل خطاب الدولة الفاشلة جزءًا من المشكلة أكثر منه جزءًا من الحل.
الرسالة كاملة
https://2cm.es/1hnIg