باحثة أوكرانية: لا نحتاج الغرب للدفاع عن أنفسنا بل المساعدة في الاستعداد للحرب (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          إيران: الوجود العسكري الأميركي والاعتداءات الإسرائيلية يعرقلان حلّ الأزمة السورية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الذكرى الـ«58» لسقوط سلطنة زنجبار «شهود على الأحداث» (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 3 - عددالزوار : 31 )           »          البرنامج النووي لكوريا الشمالية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 10 )           »          السنجاب السري.. قصة أعنف هجوم جوي أميركي يستهدف العراق خلال حرب الخليج (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          للمرة الثانية هذا الشهر.. قصف صاروخي يستهدف قاعدة أميركية في دير الزور السورية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          تكساس.. إطلاق سراح جميع الرهائن بكنيس يهودي ومقتل محتجزهم (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          اليمن.. عشرات القتلى في غارات للتحالف ومعارك بمأرب (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          تعرف على قائمة أغنياء "يوتيوب" في عام 2021 (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          معتقل منذ 1968.. من هو الفلسطيني الذي اغتال روبرت كينيدي وأوصِي بإفراج مشروط عنه؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 11 )           »          الخيزُران.. قصة المرأة التي حكمت دولة العباسيين من وراء ستار (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          عزلت الوزراء والقضاة وتحكمت في الجيش.. حين حكمت الجارية "شغَب" دولة العباسيين (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          تحدثت عن عشرات القتلى في تيغراي بقصف جوي.. الأمم المتحدة: إثيوبيا على حافة كارثة إنسانية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          ملف خاص بكل تفاصيل الأحداث والمعلومات والتطورات لفيروس كورونا (كوفيد 19 ) (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 297 - عددالزوار : 86490 )           »          جرحى في هجوم على السفارة الأميركية ببغداد وواشنطن تتهم "مجاميع إرهابية" (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         



 
العودة   ..[ البســـالة ].. > جناح المواضــــيع العســـــــــكرية العامة > قــســــــم الـمـواضيـع العســـــــكــريــة العامة
التعليمـــات قائمة الأعضاء وسام التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
 


الحروب الأهلية المعاصرة وخصائصها

قــســــــم الـمـواضيـع العســـــــكــريــة العامة


إضافة رد
 
أدوات الموضوع

قديم 20-08-10, 12:41 PM

  رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الباسل
المديــر العـــام

الصورة الرمزية الباسل

إحصائية العضو





الباسل غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي الحروب الأهلية المعاصرة وخصائصها



 

الحروب الأهلية المعاصرة وخصائصها
بسام العسلي
قد يكون أول نموذج للحرب عرفه عالم (القبيلة المسلحة) هو نموذج (الحرب الأهلية)، وعندما تطوّر المجتمع الإنساني من النظام الرعوي إلى النظام الزراعي، بدأ عصر حروب المدن والدول، أو حروب الجيوش، ولكن هذا التطوّر لم يتمكن من إلغاء النموذج القديم من الحروب الأهلية. وقد عرفت الأزمنة المعاصرة نماذج كثيرة من الحروب الأهلية في كل قارات العالم، وأكّدت هذه النماذج احتفاظ الحروب الأهلية المعاصرة بكل خصائص ومكونات الحروب الأهلية القديمة، وبقي الوطن العربي هو الوطن الأول للحروب بكل أنواعها ونماذجها: النظامية وغير النظامية، التقليدية والثورية، وغريب ما في الأمر أن (فن الحرب المعاصر) قد نجح في وضع تصنيف مميز لأنواع الحرب ومتطلباتها ومواصفاتها وضروراتها، وعلى الرغم من ذلك، فهناك جدل عقيم في التعامل مع المبادئ الثابتة للحروب، وأصبح لزاماً بالتالي التعرُّض لبعض نماذج الحروب الأهلية المعاصرة والتي ستبقى محتفظة بقيمتها الكبرى في مجال التعامل مع قضية (الحرب والسلام).


1 الحرب الأهلية الأمريكية

تشكَّلت الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتصار الشعب الأمريكي في حرب الاستقلال (1775 1781م)، واقترنت ولادة الدولة الأمريكية بتفجّر (الثورة الصناعية) التي ضربت بقوة جبّارة المجتمعات الزراعية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أول بلد تعرَّض لهذه الضربة؛ إذ كان الشمال الأمريكي أكثر استعداداً للتكيّف مع ظروف ومستجدات الحياة الصناعية، فيما كان الجنوب الأمريكي زراعياً، ويحتاج لليد العاملة التي يتم الحصول عليها بما عُرف آنذاك ب: (تجارة العبيد، أو الأقنان) ممن كان يتم اختطافهم واقتلاعهم بوحشية من أوطانهم ونقلهم إلى العالم الجديد؛ ولهذا فقد تم إلغاء الرق في الولايات الشمالية فيما بين عام 1777 والعام 1804م، وكان الدستور الأمريكي الذي تم وضعه في العام 1787م، فيما أصرَّت الولايات الجنوبية على التمسك بنظام الرق.

ويظهر أن العالم الصناعي (أوروبا وأمريكا) الذي كان يمارس تجارة العبيد قد استيقظ فجأة على وحشية هذه التجارة التي لم يعد يحتاجها بعد اعتماده على المحرّك البخاري (الحصان البخاري الذي كان يتم حسابه بأنه يعادل قوة خمسة عشر رجلاً قوياً). فبدأ في محاربة وتحريم تجارة الرق، ومن ذلك على سبيل المثال عقد معاهدة أمريكية بريطانية عام 1814م عُرفت باتفاقية (غنت) نصَّت على أن تبذل كل من الدولتين ما تستطيعان من جهود لوضع حدٍ لتجارة الرقيق، واتفقتا فيما بينهما بموجب اتفاقية (اسبورن) في العام 1842م على تعزيز هذه التدابير بإبقاء أساطيلهما الصغيرة على الساحل الغربي لأفريقيا. إذن، فقد كانت الجبهة الأمريكية الداخلية منقسمة على نفسها تجاه قضية (الرق) بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي، وكان هذا الانقسام هو التربة التي نبتت فيهالحرب الأهلية الأمريكية 1861 1865م.

يبدو أن فترة زمنية طويلة امتدت لعدة سنوات سبقت انفجار الحرب، وكانت الدعاية للحرب والإعداد لها قد استبعتد كل مواقف الاعتدال وكل مشاعر التعايش السلمي، وأيقظت لدى كل الأطراف روح التعصّب القبلي بصورتها البدائية الشاملة، وهذا ما أكّده المؤرخ (ستيفنسون) في كتابه: (لنكولن) بقوله: "لقد تكوّنت حالة فكرية جديدة في كل البلاد، وكانت مزيجاً من كل العناصر التي تبعث مشاعر العنف والتي تطلعتها الحرب بصورة حتمية، فكانت بعثاً وإحياءً للتعطش الدموي البدائي الذي يكمن في كل أمة مسالمة مثل الوحش النائم"، وهذا ما أشار إليه المؤرخ الغربي ( فاتيل) بقوله: "إنك إذا أفسحت المجال لاتهامات مستمرة ومتطرفة بين طرفين في نزاع ما، فإن السلاح لن يعود لغمده إلاّ إذا دمر أحدهما".

كان هذا هو الوضع الأمريكي يوم تم انتخاب (ابراهام لنكولن 1809 1865م)، رئيساً للولايات المتحدة يوم 6 تشرين الثاني-نوفمبر 1860م، وكان ذلك إيذاناً باندلاع الحرب؛ إذ كان من المعروف أن (لنكولن) من أنصار إلغاء الرق، وعبَّر عن ذلك أثناء حملته الانتخابية بقوله: "كل عائلة تنقسم على نفسها، تؤدي بنفسها إلى الزوال، وإنني أعتقد أن الحكومة الحالية لا تستطيع أن تتحمل استمرار دعم نصف أعضائها لبقاء الرق، ودعم النصف الآخر للحرية، وإنني لا أتوقع حمل الاتحاد، ولا أرغب بانهيار هذا المنزل العائلي، ولكنني آمل أن ينتهي هذا الانقسام، وأن تتفق العائلة الواحدة كلها على الحل الأول أو الحل الآخر".

وأخذت مسيرة الأحداث بالتسارع؛ ففي اليوم الأول من شباط فبراير 1861م كانت ولايات (كارولينا الجنوبية) و (جورجيا) و (ألباما) و (المسيسبي) و (فلوريدا) و (لويزيانا) و (تكساس) قد أعلنت انفصالها عن الشمال (الاتحاديين)، واستدعت كلتاهما قوات الميليشيا لخدمة العلم، واحتلت حصون (الاتحاد الفيدرالي)، ومخازن أسلحته الواقعة في ولايات الجنوب، وأقيمت حكومة مؤقتة حملت اسم (ولايات التحالف الكونفيدرالي الأمريكي) برئاسة (جيفرسون ديفيس) 1808 1889م في مدينة (مونتجومري) الواقعة في ولاية (الباما)، وفي يوم 12 نيسان -أبريل 1861م، قام الجنوبيون في (شارلستون) بقصف حصون (سومتر)، وأعلن هدير مدافعهم أن الجدل الذي استمر بين جيل كامل ستحسمه الحرب، والتي لن تكون حرباً بين حزبين سياسيين متعارضين، بل ستحسمه حرب حياة أو موت بين مجتمعين يدافع كل منهما عن حضارة مختلفة، إنها بإيجاز (تمرّد رعاة الأرض ضد الآلات وضد عصر البخار).

عندما بدأت الحرب، كانت ولايات الجنوب (الانفصالية) تتفوّق من حيث اتساع مساحات الأراضي الزراعية (البكر)، وكان عدد السكان يتراوح بين خمسة إلى ستة ملايين من البيض، وثلاثة ملايين ونصف من العبيد الأرقاء، أي أن مجموع عدد السكان كان يعادل أقل من نصف عدد سكان الشمال الاتحادي، ونتيجة لطبيعة الأقاليم الجغرافية في الجنوب، وصعوبة التحرُّك على الطرق، لم يكن باستطاعة قادة الجنوب التفكير بغزو ولايات الشمال، فكانت استراتيجية الجنوبيين دفاعية هدفها إرغام الشماليين على استبعاد الأعمال الهجومية، واستنزاف قدرات قوات الشمال الاتحادية، ومقابل ذلك، وضع الاتحاديون استراتيجيتهم على أساس غزو الجنوب على مراحل، والقضاء على مقاومات الجنوب بصورة منهجية، والقضاء على موارد الجنوب، وكان القائد العام للاتحاديين (وينفيلد سكوت) 1786 1866م يدرك جيداً أهمية الخنق العسكري والاقتصادي للجنوب، فعمل على فرض حصار شديد على كل موانئ الجنوب، والعمل على تشكيل جيشين في وقت واحد يتحرّك الأول إلى (المسيسبي) لاقتطاع الجزء الغربي من الاتحاد الكونفدرالي عن جزئه الشرقي، فيما يتحرّك الجيش الثاني إلى (ريتشموند) لتثبيت الجزء الأكبر من قوات الجنوب في (فرجينيا).

كان جيش الولايات المتحدة الأمريكية في بداية الحرب يضم حوالي (17) ألف ضابط وجندي، وعندما بدأت الأعمال القتالية بين الاتحاديين الشماليين، والانفصاليين الجنوبيين، وتم استبدال نظام (جيش المتطوعين العاملين) بجيش التجنيد الإجباري، أصبح الجيش الاتحادي يضم حوالي (290) ألف مقاتل، غير أن جيش الشمال كان يفتقر للقادة، فتم استدعاء الجنرالات المتقاعدين (مارك كليلان)، والجنرال (ايلسيس س. غرانت) 1822 1885م، والجنرال (ويليام شيرمان) 1820 1891، أما قائد جيش الجنوب فكان الجنرال (روبرت لي) 1807 1870م، وقد عمل هؤلاء القادة وهم الأكثر شهرة في المجموعة التي قادت قوات حرب الانفصال أو حرب تحرير العبيد على تنفيذ أعمال قتالية محدودة طوال أشهر سنة 1862م، ووقعت فيها خسائر كبيرة في الأرواح من كلا الجانبين، واستخلص قادة الحرب من هذه التجارب حقيقتين لهما علاقة وثيقة بتطوير التسلح: أولاهما: عقم الهجمات الجبهية وفشلها في بلوغ أهدافها، وثانيتهما: ضرورة حفر خنادق الميدان للوقاية من الرصاص والنيران، وهكذا أصبح (الرفش) السلاح المكمّل للبندقية.

تم تجهيز الجيوش المتحاربة بأحدث الأسلحة آنذاك فتم في العام 1861م استبدال البندقية الحجرية التي كانت تُرمي حتى مئة متر على الأكثر بالبندقية المحلزنة (مينييه) والتي تُرمي حتى (500) متر، ودخل (المدفع المحلزن) الخدمة، واستخدمت في الحرب الخنادق والمحطومات وشبكات الأسلاك الشائكة، كما استخدمت مدافع الهاون المطوق بالأسلاك المعدنية والقنابل اليدوية والمجنحة والصواريخ، وآلاف المصائد والأفخاخ متعددة الأشكال والأنواع، كما استخدمت رشاشات (ديغاو غاتلينغ) وبندقية التكرار التي تلقم من المغلاق، وتطورت وسائل الاتصال باستخدام (برق الميدان)، والإشارات الضوئية والإشارات بالأعلام (سيمافور)، واستخدم المتحاربون القطارات المدرعة والمناطيد، وقاذفات اللهب، كما وضع الاتحاديون ولأول مرة الفرقاطات المدرعة والغواصات بصورتها البدائية.

وبإيجاز شديد كانت حرباً لتجربة كل إنجازات (الثورة الصناعية) في مجال العمل العسكري، وكذلك كانت حرباً أطلقت العنان لكل عوامل التطور المادي للثورة الصناعية التي مارست دورها في إعادة الحرب إلى طبيعتها البدائية، وكان الجنرال (غرانت) أول قائد اتحادي تحرّك بجيشه نحو الجنوب في 30 كانون الثاني-يناير 1863م، وفي 4 تموز-يوليو استسلمت له قلعة (فيكسبورغ)، وكان ذلك بداية الانتصارات الحاسمة على الجنوبيين، والتي جاء بعدها انتصار (الجنرال شيرمان) باستيلائه على الباب الجنوبي لدولة الانفصال في (أطلنطا) في الأول من أيلول-سبتمبر 1864م، وكان (شيرمان) هو المحرِّض الأول للعودة بالحرب إلى طبيعتها الوحشية البربرية، وكتب بذلك إلى رئيس هيئة الأركان العامة في واشنطن (الجنرال هالليك)، جاء فيها: "كنت مصمماً على ألاّ أترك خلفي أي أثر للأعداء، فتم إجلاء كل السكان، وإذا ما زمجر السكان واحتجوا ضد بربريتي وشراستي فسأرد عليهم بأن الحرب هي الحرب، فإذا كانوا يريدون السلم، فعليهم أن يوقفوا هم وعائلاتهم الحرب، لقد كنت أعرف بالطبع أن مثل هذا التدبير سينفذ بعنف، وأنا واثق كل الثقة بأنه كان إجراءً صحيحاً، وأن الزمن كفيل بتبرئته والحكم عليه". وصدرت عن (شيرمان) بعد ذلك تصريحات متماثلة ومتشابهة، منها قوله: "وإلى أن نستطيع إعادة إسكان (جورجيا) بسكان آخرين، فإنه لا فائدة من احتلالها، ذلك لأن التدمير التام للطرق والمنازل والسكان سيقضي على كل مواردها العسكرية، وأصبح بإمكاني التقدم تاركاً جورجيا وهي تعوي وتصرخ ... إنني لو اضطررت للهجوم، فإنني أشعر بأن من حقي اللجوء إلى أقصى التدابير، وسأحاول جهدي عدم كبح جماح جيشي، إننا لا نحارب جيوشاً معادية فحسب، بل إننا نحارب أيضاً شعباً معادياً، وعلينا أن نجعل الشيوخ والشبان، والأغنياء والفقراء يشعرون بقبضة الحرب الحديدية. والحقيقة أن كل الجيش يغلي برغبة لا تخمد جذوتها للانتقام؛ من (كارولينا الجنوبية)، وإن فرائصي ترتعد من مصيرها المرتقب". وغريب ما في الأمر أن (شيرمان) كان يؤمن: بأن جيشه هو "أداة للعدالة الإلهية".

وبمثل هذه الحالة النفسية المميزة للحروب الأهلية انتصر جيش الشمال الاتحادي على جيش الجنوب الانفصالي، وكان الثمن فادحاً جداً، ووصلت الحرب نهايتها يوم 9 نيسان-أبريل 1865م. وبعد خمسة أيام تعرَّض الرئيس الأمريكي (ابراهام لنكولن) للاغتيال، وتبع ذلك قيام جهاز الأمن الأمريكي (الشرطة) بحملة إرهاب ضد المتهمين، وكان على سكان الجنوب جميعاً مواجهة الاتهام بارتكاب هذه الجريمة، غير أن إعادة توحيد الولايات المتحدة الأمريكية أطلقت كل قدرات الشعب الأمريكي لبناء المستقبل المشترك، وبعد جيلين فقط من انتهاء الحرب، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر دولة صناعية ورأسمالية في العالم.

 

 


 

الباسل

يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية

   

رد مع اقتباس

قديم 20-08-10, 12:42 PM

  رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
الباسل
المديــر العـــام

الصورة الرمزية الباسل

إحصائية العضو





الباسل غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي



 



2. الحرب الأهلية الأسبانية

لم تكن الحرب الأهلية الأسبانية التي بدأت بعصيان الحاميات العسكرية في (120) مدينة أسبانية، و (5) حاميات في المواقع الأسبانية على الأرض المغربية يوم 18 تموز-يوليو 1936م ضد (الجبهة الشعبية الاشتراكية)، والتي انتهت بدخول قوات الجيش الأسباني بقيادة الجنرال (فرانكو) يوم 28 آذار-مارس 1939م العاصمة (مدريد)، إلاّ لوحة حزينة وبائسة من لوحات الصراعات الأيديولوجية العقائدية، والتي تعبث بها أصابع الدول الكبرى في كل أرجاء العالم. وتعود قصة هذه الحرب إلى يوم 14 نيسان-أبريل 1931م عندما غادر ملك أسبانيا (ألفونسو الثالث عشر) عاصمة بلاده بسبب فوز القوى الثورية المتحالفة في الانتخابات العامة، وهي القوى التي ضمت (الحزب الشيوعي الأسباني)، والأحزاب الاشتراكية والاتحاد العام للعمال، وعمل (الكالا زامورا) وهو الملكي القديم الذي أصبح رئيساً للجنة الثورية على تشكيل الحكومة الأسبانية الجديدة التي أعلنت قيام الجمهورية الأسبانية.

ولكن هذه الجمهورية لم تعرف الهدوء أو الاستقرار أو الأمن، فقد تمزقت الجبهة الداخلية تمزقاً رهيباً بين الجيش وأنصار النظام الملكي، وبين التنظيمات الفلاحية المطالبة بتطبيق (الماركسية واشتراكية الأرض)، فوقعت انقلابات عسكرية في (أشبيليا) .. وغيرها، كما تشكلت حركات انفصالية. وفي العام 1936م، عرفت أسبانيا أحداث (113) إضراباً كبيراً، و (278) إضراباً محلياً، و (178) عملية نهب شملت ممتلكات عامة وخاصة، و (178) حريقاً متعمداً، و (712) اعتداء على أشخاص قتل فيها (74) رجلاً، وكانت تلك الأحداث ذات تأثير كبيرعلى الجيش الذي كان قادته (المؤيدين للملكية) يتابعون تطورات الأحداث. وكان الجيش آنذاك يضم (145) ألف رجل، و (60) دبابة، و (200) طائرة، و (35) قطعة بحرية حربية منها دارعتان، و (7) طرادات، و (10) زوارق طوربيد. وكانت قوات الجيش موزعة في مواقع متباعدة منها (115) ألفاً على أرض أسبانيا، و (35) ألفاً في المغرب، و (10) آلاف في جزر (الكاناري)، وكانت القوات الأسبانية في المغرب وجزر الكاناري تخضع لقيادة الجنرال (فرانكو)، ومقابل ذلك، كانت حكومة (مدريد) الثورية تسيطر على غالبية سلاح الطيران وقوات الشرطة (17) ألفاً، وحرس الحدود (33) ألفاً، بالإضافة إلى (الميليشيات الشعبية) التي سلّحتها الحكومة ودربتها للحرب.

وكما حدث في الحرب الأهلية الأمريكية، فعندما تشكّل مشروع نظامين متناقضين ومتباعدين تحكمهما أيديولوجيتين مختلفتين؛ فلابد من أن يدمر أحد النظامين النظام الآخر، إذا ما تحوّل النزاع السياسي إلى صراع مسلح؛ وفلن تكون هناك حاجة للبحث عن السبب المباشر للتحول من الصراع السلمي إلى الصراع المسلح، وجاء هذا السبب المباشر يوم 12 تموز-يوليو 1936م عندما تم اغتيال الزعيم اليميني (كالفو سوتبلو)، فارتفعت حدة التوتر حتى درجتها العليا، وأعلن الجنرال (فرانكو) العصيان في (المغرب وجزر الكاناري)، وبدأ بحشد قواته في (تطوان) تمهيداً لنقلها إلى أسبانيا،س وهكذا انطلقت شرارة الحرب التي استمرت (32) شهراً، والتي زجّ فيها كل الطرفين بحوالي (800) ألف مقاتل، وكان من الواضح مع البدايات الأولى لهذه الحرب بأن التدخل الدولي سيمارس دوراً كبيراً وفعّالاً للتأثير على مسارات الحرب وتحولاتها، فقد عملت دول الاتحاد السوفيتي، وفرنسا، وبريطانيا على دعم النظام الثوري (حكومة مدريد الجمهورية)، فيما قدّمت (ألمانيا وإيطاليا) بخاصة دعماً عسكرياً وإداريا (لوجستياً) قوياً للجنرال (فرانكو) وجيشه، وتمثل الدعم السوفيتي بإرسال قادة ومدربين ووسائط قتالية وطائرات وذخائر متنوعة، بالإضافة إلى قوات المتطوعين من ألوية العمال الأممية، والتي شملت (10) آلاف متطوع فرنسي، و (3) آلاف متطوع سوفيتي، ومتطوعين من شعوب كثيرة، كما تعهدت إنجلترا وفرنسا بإرسال قوات بحرية لمراقبة السواحل الأسبانية، وإيقاف كل الإمدادات أو الدعم لقوات جيش (فرانكو)، ومقابل ذلك قدمت إيطاليا (5) فرق من قوات النخبة (القمصان السوداء)، والتي ضمت (40) ألف مقاتل، و (500) مليون مارك، وكميات من الدبابات وقاذفات القنابل من فيلق الكوندور، وعمل الألمان على إرسال أسطول من طائرات النقل العسكرية (يونكرز 52) لنقل قوات (فرانكو) من المغرب إلى أسبانيا، نظراً لصعوبة التحرك البحري عبر مضيق جبل طارق بسبب السيطرة البحرية لجيش مدريد الجمهوري على هذا المضيق.

وكما كان متوقعاً، فقد تميزت الأعمال القتالية منذ بداياتها الأولى بالعنف والشدة والتطرف، إذ اعتبر كل من الطرفين أن هذه الحرب هي حرب مصيرية بالنسبة له، وكان انتصار أسطول (فرانكو) على الأسطول الجمهوري في الجنوب نقطة تحول حاسمة، إذ أصبح باستطاعة قوات (فرانكو) الانتقال إلى أسبانيا عبر مضيق جبل طارق، وتحركت قوات (فرانكو) بسرعة نحو الشمال للالتقاء بالجيش الموالي لجيش (فرانكو) في شمال أسبانيا، والذي كان يتولى قيادته الجنرال (مولا)، واستطاع أثناء تحركه الاستيلاء على مدن الجنوب: (قرطبة، وغرناطة، واشبيليا)، واستمر في تحركه حتى استطاع الاتصال بجيش (مولا) عند مدينة (باداغور) يوم 14 آب-أغسطس 1936م، ولكن (مدريد) لم تسقط بسبب المقاومة الضارية لقوات الجمهوريين ومن معهم من المتطوعين والذين ركزوا دفاعهم عن العاصمة الأسبانية، وكان أهم تطور أمكن تحقيقه لتتويج انتصارات الجيش هو الاتفاق على أن يتولى الجنرال (فرانكو) تشكيل حكومة أسبانية يوم 1 تشرين الأول-أكتوبر 1936م، وبذلك تم توحيد القيادة العسكرية لجيش الشمال والجنوب، مما ساعد على تشديد الحصار على مدريد ومناطق الجمهوريين في وسط البلاد.

أظهرت نتائج الحرب في العام الأول أن الجيش بقيادة الجنرال (فرانكو) قد أصبح مسيطراً على الموقف، ولم يعد هناك سبب لخوض أعمال قتالية حاسمة، لاسيما بعد أن فشلت كل محاولات الاستيلاء على (مدريد) بالقوة، وتحولت الأعمال القتالية إلى حرب استنزاف، فتركزت أعمال الجيش على تطهير مناطق الشمال من الجمهوريين في منطقة (الباسك)، والذين كانوا قد نظّموا دفاعاً قوياً حول مدن (بيلباو)، والمدن الأخرى في السفوح الجنوبية لجبال (البيرونه). وفي يوم 21 تشرين الأول- أكتوبر 1937م كان الجيش الأسباني ومعه القوات الإيطالية قد أنهى عملياته، وتمت تصفية قوات الجمهوريين على امتداد الشريط الساحلي الشمالي.
وأقبل العام الثالث من الحرب (1937م) فنظّم الجنرال (فرانكو) عمليات واسعة النطاق على امتداد جبهة عرضها (85) كيلومتراً، وأمكن له بذلك السيطرة على شواطئ أسبانيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وبذلك أمكن له ضمان خطوط الإمداد البحرية مع إيطاليا، وفرض حصار محكم على قوات الجمهوريين في وسط البلاد والعاصمة، وتقررت بذلك نتيجة الحرب، حيث أطلق الجنرال (فرانكو) هجومه الحاسم مع نهاية العام 1938م في 24 كانون الأول-ديسمبر، فتم تدمير الجيش الجمهوري في منطقة (كاتالانيا). وفي 25 كانون الثاني-يناير 1939م، احتلت قوات (فرانكو) مدينة (برشلونة) ولم تتأخر بقايا الجيش الجمهوري عن الذهاب بعيداً عن ميدان القتال، فانسحبت إلى فرنسا يوم 5 شباط-فبراير 1939م عبر مضائق جبال البيرونه.

ولم يعد باستطاعة قوات الجمهوريين في (مدريد) الاستمرار في المقاومة بعد أن اجتاحتها أرتال طوابير المواطنين المؤيدين للجنرال (فرانكو)، فتم يوم 28 آذار-مارس 1939م الاستيلاء على (مدريد). وانتهت الحرب التي دمرت أسبانيا، حيث سقط أثناء الحرب أكثر من مليون قتيل من الطرفين، علاوة على الخسائر المادية الكبيرة في الأموال والممتلكات، بالإضافة إلى الخسائر في القدرة البشرية، حيث تسببت الحرب بهجرة أعداد كبيرة من الأسبان إلى فرنسا والولايات المتحدة ودول أمريكا الجنوبية.

وكانت هذه العوامل بمجموعها عاملاً كبيراً في إعاقة أسبانيا عن مواكبة التحرّك الاقتصادي والسياسي الأوروبي، وكانت نتائج الحرب الأهلية الأسبانية أثقل وطأة وأشد قسوة وأكبر تدميراًس من نتائج الحرب العالمية الثانية على أراضي القارة الأوروبية، وكان ذلك برهاناً إضافياً على أن الحروب العقائدية الأيديولوجية أشد خطراً على الشعوب من الحروب الخارجية ذات الأهداف السياسية أو الاقتصادية، كما برهنت الحرب الأهلية الأسبانية أن القيادة الموحّدة للأعمال القتالية والتفوق في التنظيم القتالي وإدارة الحرب مما هو متوافر في الجيوش النظامية، هو عامل حاسم في القضاء على القوات غير النظامية، وغير المؤهلة للتعايش مع الحروب الحقيقية.


 

 


الباسل

يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية

   

رد مع اقتباس

قديم 20-08-10, 12:45 PM

  رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
الباسل
المديــر العـــام

الصورة الرمزية الباسل

إحصائية العضو





الباسل غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي



 

3. حروب الوطن العربي

عرف الوطن العربي ومنذ أقدم العصور كل أنواع الحروب، وفي طليعتها الحروب الأهلية، ومن نماذجها الشهيرة في العصر الجاهلي: قصة (داحس والغبراء)، وقتال (عبس وذبيان)، وغزوات الصعاليك التي حفظت بعض فصولها (قصائد كبار فرسان الصعاليك)، وأقوام كثيرة غاب ذكرها، لم يبق لهم بعد حروبهم من باقية، وقد أكّدت تلك الأوابد التاريخية أن حروب القبائل المسلحة التي شكّلت النماذج المبكّرة للحروب الأهلية لم تكن بسبب العامل الاقتصادي وحده (الحصول على المراعي، وغزوات السلب والسطو ... وغير ذلك)، بل إن كثيراً من الحروب كانت ذات أهداف مرتبطة بفضائل المجتمع القبلي ومفاهيمه وقيمه، وقصة (عمرو بن كلثوم) نموذجاً لذلك، فقد كانت قيم الشجاعة والانتصار للحق والعدالة، والفخر بشرف القبيلة ... إلخ عاملاً حاسماً في توحيد القبائل وزجها في تيار الحروب التي كانت المشروع الأولي لحروب التدمير الوحشية والتي لا هوادة فيها حتى الوصول إلى فناء أحد الطرفين، وذلك بسبب التناقض الحاد والعداء المستحكم بين مشاريع القبائل المتحاربة.

وأشرق نور الإسلام ليسدل الستار على قيم ومفاهيم الجاهلية الأولى، وليبعث الأمة العربية بعثاً جديداً تحمل قيماً واحدة، وتحارب من أجل قضية واحدة، ترتفع بفضائلها وقيمها وأهدافها عن كل الصغائر الدنيوية، غير أن الإسلام لم يستبعد وقوع انحرافات وحدوث فتن تقوم بها فئات باغية تخرج عن الطاعة والجماعة؛ فحدد الإسلام سبل التعامل مع مثل هذه الفئات التي تبغي إثارة الفتن التي هي أشد من القتل، وفرض على المسلمين الانتصار للطاعة والجماعة، ومحاربة أصحاب الفتن الباغية والظالمة، والخارجة علي حدود الشرع الإسلامي، فكانت حروب الردة، وكانت الفتنة الكبرى، وكانت مؤامرة (17 رمضان) لاغتيال قادة المسلمين وأمراء الأقاليم في العراق والشام ومصر من النماذج الأولى للحروب الأهلية التي استمرت وتطورت عبر مجموعة كبيرة من الحروب في العصرين الأموي والعباسي، والتي لم تكن جميعها ثمرة طموحات فردية أو مغانم مادية، وإنما كانت لها أهداف اجتماعية، ونموذجها ثورة الزنج في العراق، وكانت لها أهداف سياسية للحصول على حقوق وامتيازات للشعوب التي اعتنقت الإسلام ديناً.

وكان للعامل الاقتصادي أيضاً دوره في تلك الحروب الأهلية لتحقيق التوازنات داخل المجتمع الإسلامي بحسب ما يتوافر لكل شعب من الشعوب الإسلامية من القوة والقدرة؛ إذ أصبحت بوتقة الإسلام تصهر كل المجتمعات لتعيد صيغتها في نسيج متكامل يضم في سداه ولحمته العرب، والبربر، والعجم (الفرس)، والترك، والأكراد، والصقالبة، والأسبان وغيرهم من شعوب الأرض. وكثيراً ما كان من تلك الحروب الأهلية ما هو ذو هدف إسلامي واحد يتمثل في إعطاء الأقاليم الإسلامية عربية وغير عربية قوة دفع جديدة لمجابهة الأعمال العدوانية الخارجية، ونموذجها الحروب الصليبية القديمة.

يظهر من خلال ذلك أن ما يسمى ب (الفيفساء الدمشقي أو العربي) هو موروث فكري وتراكمي عبر الزمن، وقد مارس هذا الموروث دوره في صناعة التمايز والتنوّع في تكوين وبناء المجتمع العربي المعاصر. وفي الواقع فإن الشعب العربي مثله كمثل كل الشعوب ذات الجذور العميقة في جوف التاريخ ، إذ إن نظرية (النقاء العرقي) أو (الانتماء العنصري) هي نظرية بعيدة عن الواقع، وحتي العرق الجرماني أو العرق الانجلوساكسوني، أو حتي العرق السلافي لم يعد عرقاً نقياً ولا صافياً، بل ربما كانت نسبة الأوشاب والخلائط المكوِّنة للشعب العربي المؤمن بقوله تعالى، وبكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "ياأيها الناس إنَّا خَلقْناكُم شُعوباً وقَبائل لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِندَ اللَّهِ أتْقاكُم لا فَضْلَ لعربيّ على أعجميّ إلاّ بالتقوى".

وإذن، فإن التنوّع والتباين في مكونات المجتمع العربي المعاصر ليس هو السبب في تفجّر الحروب الأهلية الحديثة، ولو كان الأمر كذلك لما كان هناك مجتمع أمريكي، أو مجتمعات مماثلة تكوّنت من حصاد كل الشعوب، ولكانت مثل هذه المجتمعات هي المسرح العالمي الأول للحروب الأهلية بسبب وفرة التناقضات، واختلاف الانتماءات، ولكن القضية في جوهرها هي: (قوة المجتمع وقدرته وتماسك مكوناته وحصانته ضد المؤثرات الخارجية)؛ فعندما تضعف السيطرة المركزية للدولة، وعندما تصبح الجبهة الداخلية لأي مجتمع قابلة للاختراق من أي اتجاه، وعندما تتكاثر السهام القاتلة والمصوَّبة لقلب أي مجتمع من المجتمعات يصبح هذا المجتمع فريسة لكل أنواع الحروب الأهلية، والتي قد تحمل أي نوع من أنواع الرايات الغربية، وعلى سبيل المثال: فالعامل القومي الذي ضمن وحدة الشعب الجرماني والشعب الإيطالي وحتى الشعب السلافي (الروسي) هو العامل ذاته الذي تسبب في تمزّق الامبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، وهو العامل ذاته أيضاً الذي أفادت منه روسيا القيصرية، لإضعاف وتمزيق الدولة العثمانية تحت أعلام حماية الأخوة السلاف في أوروبا، وحماية الأرثوذكسية، قد مارس دوره العرقي والمذهبي لتمزيق وانهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1989م. وإذن فقوة الدولة أو ضعفها في القدرة على مجابهة التحديات الخارجية هي التي تتحكم بإمكانات وقوع الحروب الأهلية في الوطن العربي، وكذلك فهي التي تشكّل سداً في مواجهة احتمال تفجّر هذه الحروب، ويمكن على ضوء هذه الحقيقة والمستخلصة من تجارب الحروب الأهلية المعاصرة القول: إن الحروب الأهلية هي تعبير عن ضعف المجتمع الذي يحتضن هذه الحروب، وليس من المهم بعد ذلك أن تكون الأعلام التي ترفعها قوات المتحاربين أو أمراء الحروب هي أعلام حمراء أو زرقاء أو سوداء أو ذات شعارات سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو فكرية عقائدية، إذ كثيراً ما تغيب مثل هذه الشعارات عندما تفرّق البلاد بشعارات الدم الذي تستبيحه ميليشيات المرتزقة.

يمكن على كل حال تجاوز قصة الحروب الأهلية في الوطن العربي، سواء في مكوناتها أو في تطوراتها عبر التجارب التاريخية، أو حتى في ذرائعها، والانطلاق من واقع الوطن العربي الحديث الذي تشكّل ليضم الدول العربية حديثة العهد بالاستقلال إذ خضعت كل أقاليم الوطن العربي في ليل الاستعمار لسيطرة الدول الغربية (انجلترا، وفرنسا وإيطاليا)، وتحت أسماء مختلفة (الوصاية، والحماية، والانتداب).

وشكَّلت المملكة العربية السعودية حالة استثنائية، إذ استطاعت المحافظة على استقلالها، وكان تنظيم الجامعة العربية منذ انطلاقتها وحتى اليوم تعبيراً عن طموح الشعب العربي وقياداته لبناء وطن عربي حر ومستقل ويلبي طموح الإنسان العربي، ولهذا، فقد تضمّن ميثاق الجامعة العربية بنوداً تحمي أقاليم الوطن العربي والشعب العربي من احتمالات الوقوع في مهاوي الحروب الأهلية، وتم وضع الضوابط التي يمكن لها إبقاء العلاقات العربية العربية البينية تحت السيطرة العربية، والتي تمارس دورها في مجال التعاون المتبادل للتعامل مع الحروب الأهلية.

وجاء أول اختراق للجبهة العربية الداخلية عندما أرسل الرئيس المصري الأسبق (جمال عبدالناصر) جيش مصر للحرب في اليمن، وكانت حرباً أهلية طاحنة، أدت إلى استنزاف الجيش المصري، وتمزيق الجبهة العربية، مما ساعد إسرائيل على تحقيق انتصارها على العرب في حرب 5 يونيو 1967م.

وعندما توقفت حرب اليمن الأهلية (1962 1967م)، وكان الثمن فادحاً، جاءت بعد ذلك عملية غزو الجيش العراقي للكويت في العام 1990م لتجدد ثياب الحرب الأهلية، ووقع الرئيس العراقي آنذاك (صدام حسين) في ضباب السراب الخادع باحتلال موقع قيادة المجتمع العربي بحجة الانتصار للشعب الفلسطيني. وإذا كان (جمال عبدالناصر) قد فشل في تحرير فلسطين عن طريق صنعاء، فإن حظ (صدام حسين) قد يكون أفضل إذا ما تمكّن من تحرير فلسطين عن طريق الكويت. وتتابعت بعد ذلك فصول الحروب الأهلية العربية، ولم تكن أي من هذه الحروب بعيدة أو منفصلة عن التحريض الخارجي وعن سياسات الاستقطاب الدولية. وإذا انتقلنا إلى الحرب الأهلية اللبنانية (1975م 1989م)، والتي وصلت نهايتها بفضل جهود المملكة العربية السعودية في مؤتمر الطائف وقراراته، فإن هذه الحرب قد شكَّلت وحدها النموذج المتكامل للحروب الأهلية، والتي اختلطت فيها رايات الحرب الطائفية أو الدينية برايات المذاهب الاقتصادية (الرأسمالية والاشتراكية وحتي الفوضوية)، وكذلك الرايات القبلية التي تعتمد على عامل الثأر والانتقام ومشاعر الحقد والكراهية.

وكانت فلسطين أيضاً عاملاً حاسماً في جملة مكونات هذه الحرب، وجاءت بعدها الحرب على أرض العراق، والصراعات على أرض فلسطين، والحرب في (دارفور)، لتقدّم البراهين الحديثة على طبيعة الحروب الأهلية المدمرة للشعوب وقيمها وفضائلها ومكوناتها وحتى لمستقبل شعوبها، وكل ذلك تحت ذرائع البحث عن مستقبل أفضل.

 

 


الباسل

يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية

   

رد مع اقتباس

قديم 20-08-10, 12:47 PM

  رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
الباسل
المديــر العـــام

الصورة الرمزية الباسل

إحصائية العضو





الباسل غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي



 

4. ولكن لماذا الحروب الأهلية؟

صرَّح الرئيس السوداني ( عمر حسن أحمد البشير) يوم 14 آيار-مايو 2009م بما يلي: "لقد تسبب القتال بين القبائل في (دارفور) طوال ست سنوات من الحرب، بسقوط حوالي (300) ألف مواطن، وليس لحكومة السودان وجيشها علاقة بما وقع من مجازر وأعمال قتل وإبادة، وقد اقتصرت الأوامر التي نفّذها الجيش على إيقاف الاقتتال بين القبائل"، وقد يتجاوز عدد القتلى وبخاصة من لا علاقة لهم بالحرب من شيوخ ونساء وأطفال ما تذكره المصادر السودانية أو حتى المصادر الدولية؛ ولكن، كم وصل عدد المواطنين الذين شرّدتهم حرب السودان في الجنوب منذ أيام الرئيس السابق (جعفر النميري) في العام 1970م وحتى اليوم؟ وهل يمكن وصف قسوة المعاناة التي عرفها أبناء (دارفور) عبر التشرد والجوع وضياع الأمن والتعرُّض لكل أنواع أهوال الحرب الأهلية؟ وكم هو عدد الشهداء في الحرب الأهلية في الجزائر؟ وفي العراق هل كانت أهوال الحرب الأهلية وخسائرها في الأرواح أقل من تلك التي تعرّض لها أبناء العراق خلال أشهر الحرب الأولى لغزو بلادهم في العام 2003م؟

لقد خسر الوطن العربي عبر الحروب الأهلية الحديثة يقيناً ملايين الشهداء، وليس مليوناً واحداً، وخسر الشعب العربي في غمرة الاقتتال كل مكونات بناء مستقبله سواء المادية منها أو المعنوية وحتى الشعب الفلسطيني صاحب القضية والذي رفع راية طهر البندقية الفلسطينية، والتي يجب عدم توجيهها إلاّ لصدر العدو، قد أصبحت مصدر خوف لكل إنسان عربي، إذ أصبح كل سلاح تحمله منظمات التحرير رمزاً للحرب الأهلية القائمة والمستمرة.

ويبقى السؤال المطروح: ولكن لماذا الحروب الأهلية؟ وهل من هدف لهذه الحروب الأهلية غير هدف تقويض أركان النظام العربي الذي بشّر بسقوطه الرئيس الإيراني (محمود أحمدي نجاد) في عدد من المناسبات، وما هو النظام البديل للنظام العربي القائم؟ هل هو الاستعمار الجديد الذي قد يضع على رأسه عصمة الفقيه؟ وهل سيكون الشعب الإيراني أسعد حالاً إذا ما أمكن له استعمار الوطن العربي على طريقة (سابور ذو الأكتاف)؟ وكذلك هل يصنع اختراق إيران للجبهة العربية وضعاً يكون فيه الشعب العربي أمام مستقبل يتناسب مع طموحاته ومع ما يستحقه؟
لقد شكَّلت القضية الفلسطينية في تطوراتها وتعقيداتها وأحداثها قصة مأساة كبرى لم يعرف العالم لها مثيلاً في الأزمنة الحديثة، وربما في الأزمنة القديمة أيضاً، ومعروف ما بذلته إسرائيل والصهيونية والدول صاحبة المشروع الصهيوني والمستثمرة له من جهود كبيرة لتمزيق الجبهة الفلسطينية، وبالتالي تمزيق الجبهة العربية التي يجب لها أن تبقى واحدة وموحدة لتحفاظ على قوّتها ومنعتها وصلابتها، ومن أجل ذلك حاولت قيادات عربية كثيرة في طليعتها المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، واليمن، والأردن بذل كل جهد مستطاع للتعامل مع تقسيم القضية الفلسطينية إلى مشروعين متصارعين على أرض فلسطين منذ مطلع العالم 2007م، وكانت الجهود المبذولة في كل مرة تصل إلى حالة الاتفاق والتفاهم للسير على الطريق المضاد للانقسام والتجزئة والتفتيت بين القيادة الفلسطينية والسلطة الشرعية في (رام الله) وبين (حماس) في قطاع غزة، ولكن وفي كل مرة أيضاً كان يتم نقض الاتفاق قبل أن يجف المداد الذي كتب حروف الاتفاق.

وجاءت حرب إسرائيل على غزة مع مطلع العام 2009م، لتضع فصلاً جديداً في قصة المأساة الفلسطينية، واستمرالصراع على السلطة، لإقامة مشروعين للتعامل مع قضية واحدة تماماً كما حدث في فصول وتطورات الحرب الأهلية الأمريكية، ومن بعدها الحرب الأهلية الأسبانية، فهل يمكن الافتراض أن مشروع غزة رغم البيانات الحماسية هو الذي سيعيد قصة الحروب الأهلية المدمرة والتي لا يمكن حسمها إلاّ بحد السيف؟ وهل يعتبر فشل كل المحاولات العربية لتجاوز مأساة الانقسام هو البرهان على قوة الاختراق للجبهة العربية، والتي سيكون ضعفها سبباً مباشراً لوقوع حرب أهلية عربية على أكثر من جبهة؟

على كل حال، فقد يكون من المناسب أيضاً وضع مأساة القضية الفلسطينية إلى جانب المأساة اللبنانية وإلى جانب المأساة العراقية أيضاً؛ ففي لبنان بات هناك مشروعان واضحان لقيام دولتين متصارعتين لهما نهجان متباعدان، بل متضادان، وبالتالي فإن تجربة حسم الحرب الأهلية بحد السيف سيبقى خياراً مفتوحاً على لبنان كما هو في العراق، وذلك على الرغم من التظاهر بالحرص على وحدة العراق أرضاً وشعباً، وتجاوز احتمالات تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات مذهبية وعرقية. فهل جاء تشكيل هذه المشاريع ومعها مشروع (دارفور) من فراغ، أو بصورة مباغتة وفي غفلة من الزمن؟ أم جاء في إطار اتفاقات دولية في غفلة من قادة المجتمع العربي والوطن العربي، أو بعضهم على الأقل؟.

ويصل البحث نهايته، وللخروج من المأزق الصعب الذي يجابهه المشروع العربي يبقى هناك مجال واسع للعمل من أجل إعادة بناء الجبهة الداخلية العربية بلا استثناء، إذ ما من أمة دمّرت قدراتها وانتكست في حروبها إلاّ بسبب اختراق جبهتها الداخلية من قِبل من يتم تعريفهم بأعداء الداخل، وأول ما يجب عمله الاتفاق على ميثاق ملزم بالخضوع لإرادة الجماعة، والانطلاق في ذلك من إعادة تنظيم الجبهات الداخلية لكل إقليم حتى تعود لأقاليم الوطن فضائلها الوطنية والتي يجب لها أن تبقى خاضعة للمرجعية القومية، والمحافظة على قيم المجتمع العربي وفضائله، وموروثه الفكري (الديني العقائدي).

وتبقى قضية الحروب الأهلية السيف الذي يتهدد رقاب كل العرب، كما أكّدته تجارب الحروب الحديثة في أقاليم الوطن العربي، فهل يستطيع الشعب العربي مواجهة تجارب جديدة لجمع المزيد من الدروس المستخلصة من تاريخ الحروب الأهلية؟

مراجع البحث

1. The 2006 Lebanon Campaign and the future of warefare, Stephen Biddle and jeffrey A. Friedman, s.s.i, U.S Army War College., 122 Forbes .Ave. Carlisle, PA-17013, September 2008, U.S.A.
2. Hamas and Israel, Sherifa Zuhur, December, 2008, s.s.i.
3. Regional Spillover Effect of the Iraq War, W.Andrew Terrill, s.s.i.

 

 


الباسل

يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية

   

رد مع اقتباس

إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:10 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
 

شبكـة الوان الويب لخدمات المـواقع