تطوُّر اللغم البحري
تعود جذور الألغام البحرية إلى القرن الرابع عشر، حيث استخدم الصينيون عبوات ناسفة بدائية، مصنوعة من مثانة حيوانية محكمة العزل، تحتوي على شحنة متفجرة تشعل عبر فتيل بسيط. وفي عام 1777، طور الأمريكي "ديفيد بوشنل" أول لغم بحري بمعناه الحديث، حين وضع في نهر "ديلاوير" برميلا من البارود، وزوده بصاعق يفعل عند اصطدامه بجسم صلب، لاستهداف السفن البريطانية خلال حرب الاستقلال. ورغم أن الهجوم لم ينجح في إغراق أي سفينة كبيرة، لكنه أثبت أن عبوة صغيرة مخفية تحت الماء يمكن أن تربك أسطولا بأكمله.
منذ ذلك الحين، لم تتوقف الألغام البحرية عن التطور؛ إذ رافقت كل حرب كبرى تقريبا. ففي الحرب العالمية الأولى زرع الحلفاء والألمان مئات الآلاف من الألغام، وكان أبرز تجلياتها ما عرف بـ "حاجز بحر الشمال"، وهو حقل ألغام ضخم امتد لمئات الأميال بين بريطانيا والنرويج بهدف تقييد حركة السفن والغواصات الألمانية. وفي الحرب العالمية الثانية تحولت الألغام إلى أحد أكثر الأسلحة البحرية فتكا، حيث تسببت في إغراق أعداد كبيرة من السفن لدى مختلف الأطراف. ويكشف هذا المسار التاريخي حقيقة ثابتة مفادها أن اللغم البحري سلاح منخفض التكلفة لكنه مرتفع التأثير.
أما في شكلها المعاصر، فتنقسم الألغام البحرية إلى 4 فئات رئيسية، يتحدد الفارق بينها بموقع اللغم في الماء وآلية تفجيره. أولها اللغم المربوط، وهو الأقدم والأكثر شيوعا تاريخيا، إذ يتكون من رأس حربي كروي يطفو تحت سطح الماء مباشرة، مثبت بكابل متصل بمرساة في القاع. ويحتوي الجزء السفلي من الرأس الحربي على المتفجرات، بينما يوفر جيب هوائي في الأعلى الطفو اللازم. وعلى السطح الخارجي تبرز "قرون" معدنية، تحتوي على أمبولات زجاجية مملوءة بمحلول إلكتروليتي موصل للكهرباء. وعندما يصطدم هيكل السفينة بأحد هذه القرون، تنكسر الأمبولات ويسيل المحلول داخل خلية جافة مما يغلق الدائرة الكهربائية ويؤدي إلى تفجير اللغم. هذا التصميم البسيط، الذي ابتكره الألمان في مطلع القرن العشرين، لا يزال فعالا حتى اليوم.
"تنقسم الألغام البحرية إلى 4 فئات رئيسية، يتحدد الفارق بينها بموقع اللغم في الماء وآلية تفجيره".
الفئة الثانية هي اللغم الطافي، وهو أبسط الأنواع، إذ يتحرك بحرية مع التيارات دون ارتباط بالقاع. وتكمن خطورته في صعوبة التنبؤ بمساره، ما قد يدفعه إلى الانجراف بعيدا عن منطقة زرعه. وقد سعت اتفاقية لاهاي عام 1907 إلى تقييد استخدامه بسبب طبيعته غير القابلة للسيطرة، غير أن هذا القيد لم يمنع ظهوره في الممارسة الفعلية. كما أن قطع كابل اللغم المربوط، سواء بفعل عمليات الكسح أو التآكل، يمكن أن يحوله إلى لغم طافٍ بما يضاعف أيضا من مستوى تهديده.
أما الفئة الثالثة فهي اللغم القاعي، ويعد الأخطر والأكثر تطورا، فهو يستقر في قاع البحر بما يتيح تعبئته بأوزان كبيرة من الشحنات المتفجرة، كما أنه لا يعتمد على التلامس المباشر، بل يعمل عبر ما يعرف بأنظمة التأثير، إذ يرصد بصمة السفينة المارة فوقه باستخدام مجموعة من المستشعرات، التي تشمل كواشف مغناطيسية ترصد تغير المجال المغناطيسي للأرض بفعل الهيكل المعدني للسفينة، وهيدروفونات صوتية (أي ميكروفونات مصممة لرصد الأصوات تحت الماء) تلتقط ضوضاء المحركات والمراوح، إضافة إلى مستشعرات ضغطية تقيس التغير في ضغط الماء الناتج عن إزاحة السفينة. هذا المزيج يتيح للغم التمييز بين الأهداف، بحيث يمكنه تجاهل السفن الصغيرة أو غير ذات الأهمية، وانتظار الهدف المحدد قبل التفجير.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يمكن برمجة الألغام القاعية الحديثة بواسطة مؤقتات تأخير تجعلها خاملة لفترة بعد زرعها، وعبر عدادات تسمح لها بتجاهل عدد من الإشارات قبل تفعيلها. وتجعلها هذه الخصائص أكثر خداعا، إذ قد تمر وحدات كسح الألغام فوقها دون أن تنفجر، ما يخلق انطباعا زائفا بأن المنطقة آمنة، بينما تظل الألغام كامنة في انتظار لحظة التفعيل المناسبة.
وأخيرا تأتي الفئة الرابعة، المعروفة باسم اللغم اللاصق أو "ليمبت"، نسبة إلى حلزون بحري يلتصق بالصخور. وهو لغم صغير الحجم يثبت يدويا على هيكل السفينة بواسطة غواص أو سباح باستخدام مغناطيسات، ويفجر عادة بمؤقت زمني بما يمنح من زرعه فرصة للانسحاب. وقد طوره البريطانيون خلال الحرب العالمية الثانية لعمليات التخريب الخاصة، وهدفه في الغالب ليس إغراق السفينة بل شلها عبر استهداف المروحة أو دفة التوجيه.
جاهزية إيرانية.. وسوء استعداد أمريكي
وتقدر تقارير الكونغرس الأمريكي أن مخزون إيران من الألغام البحرية يشمل مزيجا من ألغام التلامس المربوطة وألغام القاع، وهو مخزون تراكم على مدار أربعة عقود، عبر الاستيراد والإنتاج المحلي. فعلى مستوى الألغام التقليدية، تقدر ترسانة إيران بنحو ألفي لغمِ، أبرزها ألغام "صدف" و"إم-8″، والأخير تحديدا هو الذي كاد أن يتسبب في إغراق الفرقاطة "صامويل بي. روبرتس" عام 1988.
أما الألغام الأكثر تطورا لدى إيران فتشمل ألغاما قاعية من فئة "إم دي إم-6" (MDM-6) الروسي، الذي يحمل رأسا حربيا ثقيلا بوزن يصل إلى نحو 1100 كيلوغرامِ، إلى جانب لغم "إم سي-52" (MC-52) المصنوع من غلاف غير مغناطيسي بما يقلل احتمالات اكتشافه ويربك أنظمة الكسح، فضلا عن لغم "ماهام-2" المحلي الإنتاج.
"التهديد الأكثر تعقيدا يتمثل في لغم "إي إم-52″ (EM-52) الصيني المنشأ، وهو من فئة الألغام الصاعدة".
غير أن التهديد الأكثر تعقيدا يتمثل في لغم "إي إم-52" (EM-52) الصيني المنشأ، وهو من فئة الألغام الصاعدة؛ إذ يستقر في القاع على أعماق قد تصل إلى 200 مترِ، وعند رصده الهدف، يطلق مقذوفا عموديا بإمكانه إصابة أسفل هيكل السفينة. ويجمع هذا النوع بين ميزة التخفي التي تميز الألغام القاعية التقليدية وقدرة الاشتباك مع أهداف في أعماق أكبر، ما يوسع نطاق التهديد بشكل ملحوظ. وتشير التقديرات إلى أن نشر هذا النوع من الألغام قد يتطلب استخدام غواصات، مثل غواصات "كيلو" الروسية التي تمتلك إيران عددا منها، ما يعكس مستوى أعلى من التعقيد العملياتي في توظيف هذه القدرات.
في المقابل، ترصد التقارير فجوة لافتة في الجاهزية الأمريكية للتعامل مع هذا النوع من التهديدات، سواء على مستوى التقدير المسبق أو الاستعداد العملياتي. فبينما كانت إيران تطور أدواتها وتراكم قدراتها في مجال حرب الألغام، كانت واشنطن تتحرك في اتجاه معاكس، قائم على إعادة هيكلة قدراتها التقليدية دون اكتمال بدائلها الجديدة.
ففي سبتمبر/أيلول 2025، أي قبل أشهر قليلة من بدء العملية العسكرية الحالية ضد إيران، أخرجت البحرية الأمريكية آخر 4 كاسحات ألغام من فئة "أفنجر" (Avenger) من الخليج العربي، منهية بذلك وجودا استمر أكثر من 3 عقود. وجاء هذا القرار في إطار التحول نحو مفهوم جديد لمكافحة الألغام يعتمد على الأنظمة غير المأهولة.
"وصلت كاسحات الألغام الأمريكية إلى ميناء فيلادلفيا للتخريد في التوقيت نفسه الذي بدأت فيه التقارير تشير إلى زرع إيران ألغاما في مضيق هرمز".
وتبرز المفارقة في أن هذه السفن وصلت إلى ميناء فيلادلفيا للتخريد في التوقيت نفسه الذي بدأت فيه التقارير تشير إلى زرع إيران ألغاما في المضيق، ما يعكس فجوة زمنية بين تفكيك القدرات القديمة وتفعيل البدائل الجديدة. ولم يقتصر هذا النهج على الولايات المتحدة فقط، إذ سارت البحرية البريطانية في الاتجاه ذاته، حيث سحبت آخر سفنها المتخصصة في إزالة الألغام من الخليج في وقت سابق من العام الحالي 2026 دون إرسال بديل مباشر.
يذكر أن سفن "أفنجر" مصممة من هياكل خشبية مغلفة بألياف زجاجية، بما يقلل من بصمتها المغناطيسية ويحد من احتمالات تفعيل الألغام أثناء عملها، وهو ما يتيح لها العمل داخل حقول الألغام نفسها. وبفضل هذا التصميم، ساهمت هذه السفن في تدمير أكثر من ألف لغمِ قبالة سواحل الكويت، زرعها العراق خلال حرب الخليج مطلع التسعينات..
الرهان الأمريكي الجديد
أما البديل الذي تراهن عليه البحرية الأمريكية، وهو سفن القتال الساحلي (إل سي إس – LCS)، فيختلف في فلسفة عمله جذريا عن كاسحات الألغام البحرية مثل "أفنجرز". فبدلا من دخول حقل الألغام مباشرة كما تفعل "أفنجرز"، تبقى السفينة خارج منطقة التهديد بينما ترسل أنظمة غير مأهولة للقيام بالعمل. وتشمل الحزمة التي تعتمد عليها سفن القتال الساحلية الأمريكية مزيجا من المنصات المأهولة والمسيرات السطحية وتحت السطحية، المصممة لتحديد مواقع الألغام والتعرف عليها ثم تعطيلها أو تدميرها، دون تعريض السفينة والطاقم للخطر المباشر.
عمليا، تعتمد المنظومة على 3 مستويات متكاملة؛ الأول جوي، عبر مروحيات "سي هوك" التي تنطلق من سطح السفينة، وهي مزودة بنظام مسح ليزري محمول جوا، يقوم بتمشيط المياه الضحلة بسرعة عالية بحثا عن الألغام الطافية أو القريبة من السطح. ويمكن تبسيط عمل هذا النظام باعتباره أشبه بشعاع ليزر يمسح ما تحت الماء ويكشف الأجسام الغريبة بسرعة تفوق وسائل الاستشعار التقليدية. كما تحمل المروحية نظاما آخر يطلق مركبة صغيرة تحت الماء تتجه نحو اللغم المكتشف وتعمل على تدميره.
أما المستوى الثاني فهو سطحي، ويعتمد على زورق غير مأهول يعمل كمنصة استطلاع متقدمة للسفينة الأم. هذا الزورق يمكن تزويده بسونار متطور لمسح القاع ورسم صورة دقيقة له؛ بحثا عن الألغام القاعية أو المربوطة، كما يمكن تزويده بنظام يحاكي البصمة الصوتية والمغناطيسية لسفينة حقيقية، بهدف استدراج الألغام التأثيرية لتنفجر قبل اقتراب القطع البحرية الفعلية.
وفي المستوى الثالث (تحت الماء)، تستخدم مسيرات مغمورة مصممة خصيصا للكشف عن الألغام القاعية، خصوصا تلك المدفونة داخل الرواسب والتي يصعب رصدها بالوسائل التقليدية. وتعمل هذه المركبات بهدوء نسبي وتوفر قدرة دقيقة على تحديد مواقع الألغام الأكثر تعقيدا.
