تقرير المصير وحركات التحرر
أعطى مبدأ "حق الشعوب في تقرير مصيرها" حركاتِ التحرر سندا شرعيا قويا لنضالها من أجل التحرر من قبضة الاستعمار الغربي وخاصة الأوروبي، لاسيما مع النص على هذا الحق في ميثاق الأمم المتحدة ليصبح أحد المقتضيات الجوهرية في القانون الدولي.
ومع ازدهار حركات التحرر -خاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين- بات تقرير المصير مرتبطا بالتحرر السياسي، مع أن المفهوم في أصله جاء في سياق لم يكن واردا فيه الحديث عن التحرر كما ساد في تلك الحقبة.
وباسم تقرير المصير، تمكنت شعوب كثيرة في العالم الثالث من إقامة دول خاصة بها، وفي نفس الوقت فإن الحق في تقرير المصير شكل مخرجا لبعض القوى الاستعمارية في سعيها لتصفية التركة الاستعمارية، وفي هذا الباب يمكن ذكر الاستفتاء الشعبي الذي أجرته
فرنساعلى استقلال
الجزائر في عام 1962 تتويجا لاتفاقيات إفيان التي أنهت الأزمة الجزائرية ومكنت فرنسا من الخروج منها.
تقرير المصير والحركات الانفصالية
رغم نبل مفهوم حق تقرير المصير في أصله، فإنه خضع للتأويل والاستغلال السياسي إلى حد بات يعسر معه تمييز الحالات التي يمكن الحديث فيها عن حق شعب في تقرير المصير من الأزمات المختلقة في إطار عداء سياسي بين دولتين أو أكثر.
فكما استندت حركات التحرر في العالم الثالث إلى حق تقرير المصير في نضالها، فإن هذه الحركات نفسها تعرضت بعد الاستقلال لحركات تمرد شرسة رفعت هي الأخرى حق تقرير المصير، يدفعها إلى ذلك غيابُ التنمية وسيادة الاستبداد والغبن السياسي.
ومع أن حركات التمرد كانت وجيهة في طرحها ومطالبها، فإنها في أحايين أخرى عبرت عن أجندة سياسية خارجية دافعها العداء للنظام السياسي القائم أكثر من تعبيرها عن تطلعات مجموعات عرقية أو لغوية مسحوقة.
وقد طبعت الحرب الباردة هوية كثير من الحركات الانفصالية والمتمردة، ففي الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا) مثلا كان تمرد إقليم كاتنغا 1963 جزءا من أجندة غربية (بلجيكية فرنسية خصوصا) تستهدف النظام الوطني بقيادة
باتريس لومومبا. وفي
نيجيريا كانت القوى الغربية خاصة فرنسا خلفَ محاولة انفصال إقليم "البيافرا" الغني بالنفط بين عاميْ 1967 و1970.