جزيرة دييغو غارسيا.. "المستعمرة" التي تشن أمريكا منها الحروب في الشرق الأوسط (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          "الصياد الأرضي الإيراني".. كيف تمكنت طهران من إسقاط المقاتلات الأمريكية؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          محمد باقر قاليباف.. سياسي إيراني من التيار المحافظ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          هذا ما يُدرب الطيارون على فعله بمجرد إسقاط طائراتهم خلف خطوط العدو (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          ماهو الفرق بين المستوى التكتيكي والعملياتي والإستراتيجي؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          ما هو الإبرار البحري؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          الفرقة 82 الأمريكية.. نخبة الإنزال المظلي (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 37 )           »          ريما حسن.. محامية وناشطة حقوقية فرنسية (برلمانية أوروبية) (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          كتاب: غزة فاضحة العالم (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          فرنسا.. إحالة النائبة الأوروبية ريما حسن للمحاكمة بتهم تتعلق بـ"تمجيد الإرهاب" (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          بام بوندي.. قانونية وسياسية أميركية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          ترمب يقيل وزيرة العدل بام بوندي (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 60 )           »          نيويورك تايمز: ما مطلب ترمب الذي فشلت وزيرة العدل المقالة في تحقيقه؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          مضيق هرمز.. عقدة النفط التي تحكم العالم (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          ضحايا وحرائق في هجمات إيرانية على منشآت حيوية بدول الخليج (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »         



 
العودة   ..[ البســـالة ].. > جـناح القـوات الجويـة > القســـم العــام للقــوات الجـــوية
التعليمـــات قائمة الأعضاء وسام التقويم مشاركات اليوم
 


"الصياد الأرضي الإيراني".. كيف تمكنت طهران من إسقاط المقاتلات الأمريكية؟

القســـم العــام للقــوات الجـــوية


إضافة رد
 
أدوات الموضوع

قديم 04-04-26, 07:08 PM

  رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الباسل
المديــر العـــام

الصورة الرمزية الباسل

إحصائية العضو





الباسل غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي "الصياد الأرضي الإيراني".. كيف تمكنت طهران من إسقاط المقاتلات الأمريكية؟



 

"الصياد الأرضي الإيراني".. كيف تمكنت طهران من إسقاط المقاتلات الأمريكية؟

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ثم تأتي الضربة، رجفة عنيفة تشبه لكمة هائلة في جانب الطائرة (غيتي)


شادي عبد الحافظ
4/4/2026


في تلك الثواني التي تسبق الضربة، يبدو كل شيء على ما يرام. يطير الطيار بثقة في المقاتلة التي بنيت لتتفادى الرصد، يتابع مساره بصمت محسوب، ويظن أن التهديد بعيد عنه. وفجأة يبدأ في سماع نغمة حادة ومقتضبة تتكرر داخل الخوذة، وتتزاحم الرموز على الشاشة أمامه. وفي غضون لحظات يتغير كل شيء دفعة واحدة، حين يتبين أن هناك إشارة رادارية تحذر من اقتراب صاروخ.

ثم تأتي الضربة، رجفة عنيفة تشبه لكمة هائلة في جانب الطائرة، يتبعها اختلال مفاجئ في التوازن، ووميض على أطراف الرؤية، تغييرات تتحول معها المقاتلة من آلة دقيقة تستجيب لأدق حركة، إلى جسد مصاب يقاوم الهواء بصعوبة، وتظهر رسائل الأعطال تباعا، من خلل في أحد الأنظمة، إلى تراجع في التحكم، إلى ارتفاع الحرارة حول المحرك، وربما فقدان الاستجابة.

وفي تلك اللحظة يفهم الطيار أن الخطر لم يعد احتمالا على شاشة، بل حقيقة واقعة تقول إن أحد عناصر شبكة الدفاع الجوي نجح في عبور طبقات الحماية كلها، وأن المهمة التي بدأت كطلعة محسوبة فشلت، عليه الآن أن يشد ذراعا أسفل الكرسي الخاص به، لينطلق للأعلى ويترك الطائرة تواجه مصيرها نحو السقوط.

هذا باختصار ما يحدث للطائرة المتطورة حين تتلقى إصابة مباشرة بأحد الصواريخ الدفاعية، ولعله ما حدث تماما لقائدي الطائرة المقاتلة الأمريكية التي أسقطتها الدفاعات الإيرانية، الجمعة. ففي تصعيد لافت، أعلن الحرس الثوري الإيراني في البداية إسقاط مقاتلة أمريكية متطورة من طراز "إف-35" (F-35) فوق محافظة مركزي وسط البلاد، قائلا إن الدفاعات الجوية أصابت الطائرة إصابة مباشرة أدت إلى تدميرها بالكامل وتفككها عند السقوط، بينما بث التلفزيون الإيراني صورا قال إنها لحطام المقاتلة التي أُسقطت قبل إتمام مهمتها.
وبعد ساعات من تداول وسائل إعلام أمريكية أنباء عن سقوط الطائرة وإنقاذ أحد طياريها، أقر الجيش الأمريكي بوقوع الحادثة، لكن التقارير الأمريكية أكدت أن المقاتلة المدمرة من طراز "إف-15 إي سترايك إيغل" (F-15E Strike Eagle)، وأن الجيش الأمريكي أطلق عملية للبحث عن طاقمها.

تلا ذلك الإعلان عن سقوط طائرة أخرى هجومية من طراز "إيه-10" (A-10) قرب مضيق هرمز، فضلا عن إصابة مروحية طراز "بلاك هوك" (Black Hawk) بنيران إيرانية أثناء مشاركتها في عملية البحث عن طاقم الـ"إف-15″ داخل إيران، لكن دون وقوع إصابات في صفوف طاقمها.
"السؤال الأهم يتعلق بتكرار حوادث استهداف الطائرات المقاتلة الأمريكية في الأجواء الإيرانية مؤخرا، والذي يتناقض مع نظرية السماء الإيرانية المفتوحة التي روجتها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ بدء الحرب".
يأتي ذلك بعد أسبوعين تقريبا من إعلان الإيرانيين إصابة مقاتلة من طراز "إف-35" (F-35)، فيما أفادت مصادر مطلعة للصحافة الأمريكية بأن المقاتلة المتطورة اضطرت إلى تنفيذ هبوط اضطراري في قاعدة جوية أمريكية، بعد تعرضها لما يعتقد أنه نيران إيرانية أثناء مهمة قتالية فوق إيران. ويكتسب هذا الحادث أهمية خاصة لأن طائرة "إف-35" تعد من أكثر المقاتلات الأمريكية تطورا وكلفة، إذ يتجاوز سعر الواحدة منها 100 مليون دولار.
لكن السؤال الأهم يتعلق بتكرار حوادث إصابة واستهداف الطائرات المقاتلة الأمريكية في الأجواء الإيرانية مؤخرا، والذي يتناقض مع نظرية "السماء الإيرانية المفتوحة" التي روجتها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ بدء الحرب، ومزاعم واشنطن النجاح في تدمير الدفاعات الإيرانية تماما، قبل أن تجد الطائرات نفسها فيما يشبه "مصيدة جوية" غير متوقعة. وهو ما يقودنا للحديث عن الدفاع الجوي الإيراني الذي يبدو أنه يقدم أداء أقوى مما كان متوقعا منه قبل بدء الحرب، وفي أيامها الأولى.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

يعد "إس-300" الروسي أقوى نظام دفاعي تمتلكه إيران، (غيتي إيميجز)


نظام متعدد

تمتلك إيران شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات، تضم أنظمة روسية ومنصات محلية الصنع، ويُعد نظام "إس-300" (S-300) الروسي هو أقوى نظام دفاع جوي تمتلكه إيران، ويجمع بين رادارات قادرة على تتبع عشرات الأهداف في آن واحد وصواريخ يمكنها الاشتباك مع الطائرات على مسافات تصل إلى 150 و200 كيلومتر، حسب نوع الصاروخ المستخدم، ويمنح هذا النظام طهران قدرة على تغطية مساحات واسعة وحماية مواقع استراتيجية.
ومع ذلك، في مواجهة هدف متخف مثل "إف-35" ينخفض نطاق الكشف الفعال لرادارات "إس-300" (القديمة نسبيا مقارنة مثلا بمنظومات إس-400 الأحدث)، فقد صُممت الطائرة بالأساس لهزيمة هذه الأنواع من رادارات الاشتباك تحديدًا، مما يحد قدرة الرادار على التقاط الطائرة إلى مسافة قريبة جدا، ومن ثم تقوم الطائرة بضربه قبل أن يستهدفها، أو إنجاز هدفها في مسرح العمليات قبل أن يتم اكتشافها.
"تمتلك إف-15 بصمة رادارية كبيرة نسبيا، فتصميمها الكبير والزوايا الحادة والأسلحة المعلقة خارجيا تعكس موجات الرادار بقوة".
أما بالنسبة لطائرات من طراز "إف-15″، فيمكن بسهولة نسبيا تحديدها، حيث تمتلك هذه الطائرة بصمة رادارية كبيرة نسبيا، فتصميمها الكبير والزوايا الحادة والأسلحة المعلقة خارجيا بها تجعلها تعكس موجات الرادار بقوة، فتظهر بوضوح على شاشات الرادارات، كما أن محركاتها القوية تولد بصمة حرارية عالية، ما يسهل تتبعها أيضا بأنظمة الأشعة تحت الحمراء.


تستطيع رادارات "إس-300" وغيرها من الرادارات الإيرانية كشف طائرة مثل "إف-15" على مسافات بعيدة قد تقترب من المدى الأقصى للرادار نفسه، وتتبعها بشكل مستمر، ثم الاشتباك معها قبل أن تصل إلى أهدافها.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

"باور-373" نظام صواريخ أرض جو بعيد المدى إيراني الصنع (رويترز)


حين يلاحق الرادار الشبح

إلى جانب منظومة "إس-300" استثمرت إيران بكثافة في تطوير أنظمة دفاع جوي محلية الصنع أهمها نظام "باور-373" (Bavar-373) وهو نظام صواريخ أرض جو بعيد المدى إيراني الصنع، وقد طرح لأول مرة عام 2019 بوصفه "مكافئا محليا لنظام إس-300". وهو يتميز برادارات من نوع "مصفوفة المسح الإلكتروني النشط" (AESA)؛ مما يمنحه دقة أعلى وقدرة أكبر على مقاومة التشويش.
وتعد مصفوفة المسح الإلكتروني النشط نوعا متطورا من الرادارات لا يحتاج إلى تحريك الهوائي الأمامي لتوجيه الإشارة، بل توجه إلكترونيا باستخدام مئات أو آلاف وحدات الرصد الصغيرة.
تخيل مثلا مجموعة كبيرة من الكشافات الصغيرة (LED)، كيف يمكن تشغيل كل واحد منها أو إطفاؤه بسرعة وبشكل مستقل؟ هنا يأتي دور التقنية لتنظيم تشغيلها بزوايا محددة، وبذلك يمكن توجيه الإضاءة لأي اتجاه دون تحريك اليد أو الكشاف نفسه. وتنطبق الفكرة ذاتها على موجات الرادار، مما يتيح اكتشاف الخصوم بسرعة أكبر، وتتبع أكثر من هدف في الوقت ذاته، مع مقاومة فعالة للحرب الإلكترونية وصعوبة في اكتشافه لأنه لا يصدر إشارات ثابتة بل متغيرة وسريعة.
"صمم الإيرانيون باور-373 لاستهداف الطائرات المقاتلة بشكل عام، مع التركيز على مواجهة الأهداف الشبحية".
وقد صمم الإيرانيون "باور-373" لاستهداف الطائرات المقاتلة بشكل عام، مع التركيز على مواجهة الأهداف الشبحية. وفي تدريب سابق، استخدموا مسيرة بحجم يعادل تقريبا طائرة صغيرة، وبلغت مساحة المقطع الراداري نحو 2 متر مربع، وتمكن رادار "باور-373" من اكتشافها واعتراضها على بعد 316 كيلومترا. ومن هذه النتيجة، يقدر الإيرانيون أن الرادار قادر نظريا على اكتشاف أهداف أصغر بكثير، مثل: هدف بمساحة 0.01 متر مربع -أي تقريبا بحجم أحد أجنحة الطائرات الشبحية- على بعد نحو 82 كيلومترا، أو هدف بمساحة 0.05 متر مربع على بعد نحو 123 كيلومترا.
وبذلك، فإن "باور-373" -أو النسخ المطورة منه- قد يتمكن نظريا من تتبع طائرة "إف-35" على مسافة تزيد على 200 كيلومتر. ويعزز ذلك بكون بنية النظام صممت لهزيمة تقنيات التخفي، إذ تستخدم صواريخ "صياد-4" التي تطلقها بطاريات "باور" نظام ملاحة دقيقا، مع إمكانية تلقي تحديثات في منتصف المسار من شبكة الرادار. ويعني ذلك أن الصاروخ قادر على توجيه نفسه في اللحظات الأخيرة عبر تشغيل راداره الخاص للبحث عن الهدف، وهي ميزة مهمة في حال لجأت الطائرة المعادية إلى التشويش.

الرادار الذي يرى ما لا يُرى

في تدريبات نفذت في فبراير/شباط 2025، أعلنت إيران أنها نجحت في تحقيق تكامل بين منظومتي "إس-300″ و"باور-373" ليعملا بشكل منسق وسلس، عبر ربط النظامين باستخدام أبراج اتصالات مع مركز قيادة واحد. وبهذه الطريقة، يستطيع رادار منظومة "إس-300" تزويد "باور-373" بمعلومات عن الهدف، والعكس صحيح.
وإذا تعذر استخدام رادار أو صواريخ منظومة "باور-373" يمكن لمكونات "إس-300" التدخل للبحث أو الإطلاق. ويعمل النظامان في كلا الاتجاهين، مما يمنح الدفاع الجوي الإيراني مرونة تشغيلية إضافية وتغطية أوسع في ساحة المعركة.
" التهديد الحقيقي للطائرات الشبحية لا يكمن في نظام دفاعي منفصل، بل في الدفاعات الجوية المتشابكة والمنسقة بدقة".
والواقع أن التهديد الحقيقي للطائرات الشبحية لا يكمن في نظام دفاعي منفصل، بل في الدفاعات الجوية المتشابكة والمنسقة بدقة. وقد عمدت إيران إلى بناء منظومة دفاع جوي متكاملة لهذا الغرض تحديدًا، تضم رادارات بحث مختلفة تغطي نطاقات متعددة، تشمل رادارات إنذار مبكر، وأنظمة إطلاق صواريخ قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، بالإضافة إلى أنظمة قيادة وتحكم ومراكز تنسيق مشتركة بين الجيش والحرس الثوري.

ومن أبرز الأمثلة على هذه المنظومة، إدخال "مطلع الفجر" وهو رادار إنذار مبكر متنقل جرى تقديمه عام 2010. وهو قادر على اكتشاف أهداف منخفضة التردد مثل صواريخ كروز والطائرات الشبحية.
في هذه البنية، يمكن وضع مطلع الفجر في الطبقة الأولى، فهو رادار إنذار مبكر يعمل في حيز الترددات العالية جدا "في إتش إف" (VHF)، ويُعلن الإيرانيون أن نسخته المطورة "مطلع الفجر -2" قادرة على اكتشاف أهداف منخفضة التردد مثل صواريخ كروز والطائرات الشبحية على مسافة تبلغ 300 كيلومتر وتصل إلى نحو 480 كيلومترا، مع تركيز واضح على الإنذار المبكر ومقاومة التشويش.
وللتبسيط، فالرادارات التي تعمل بموجات "في إتش إف" (VHF) مثل مطلع الفجر، تستخدم موجات كبيرة وبطيئة، وهذا يجعل خداعها أصعب. فلو حاول الخصوم التشويش، فسيحتاجون إلى طاقة أكبر وإشارات أقوى لتغطي هذه الموجات، بعكس الرادارات الدقيقة والأحدث، التي يسهل إرباكها. وحتى في حرب إلكترونية مليئة بالتشويش، تظل رادارات "في إتش إف" (VHF) قادرة على "رؤية أن هناك شيئا في السماء"، حتى لو لم تعرف تفاصيله بدقة.
"يملك رادار مطلع الفجر القدرة على اكتشاف أهداف منخفضة التردد مثل صواريخ كروز والطائرات الشبحية على مسافة تبلغ 300 كيلومتر وتصل إلى نحو 480 كيلومترا".
يرسل هذا الرادار إشارة أولية بوجود هدف في الأفق، حتى وإن لم يحدد بدقة، فينبه وحدات أكثر دقة مثل "باور-373" عند اقتراب طائرة. وبمجرد تحديد مسار الطائرة -ولو بشكل تقريبي- تطلق الصواريخ نحو المسار المتوقع لطائرة "إف-35" مع تحديثات توجيهية في منتصف المسار من أي رادار يمكنه رصد الهدف، ثم تتخذ محاولة الاشتباك إذا أصبحت جودة التتبع كافية.

هذه السلسلة (سلسلة القتل) كلها يجب أن تعمل بلا انقطاع، من كشف، إلى دمج بيانات، إلى تعريف هدف، إلى تتبع أدق، ثم توجيه صاروخ. وإذا تعطلت حلقة واحدة بسبب تشويش أو خداع أو تدمير رادار أو ضربة من خارج المدى، تنهار الفاعلية بسرعة، ومن ثم فإذا تمكنت من اصطياد هدف، فهذا يعني أنها لا تزال تعمل بكفاءة.
هذا النهج متعدد الطبقات معقد، لكنه جوهر جهود إيران -إلى جانب دول مثل روسيا والصين– للاستثمار في قدرات تستطيع مواجهة تكنولوجيا التخفي الأميركية. فعلى سبيل المثال، يقول مصممو منظومة "إس-400" إنها قادرة على التعامل مع الأهداف الشبحية عبر مزيج من رادارات المراقبة وصواريخ طويلة المدى وعالية السرعة تغمر منطقة الهدف. ويحاكي النظام الإيراني هذا المفهوم إلى حد بعيد.

وجدير بالذكر أن رادار "مطالع الفجر" كان من بين أبرز أهداف الضربة الجوية الإسرائيلية في 13 يونيو/حزيران الماضي (2025)، حيث استُهدفت مواقع الرادارات الواقعة غربي إيران بشكل خاص، خشية أن تُلتقط آثار المقاتلات الإسرائيلية خلال توغلها لتنفيذ الضربة الرئيسية. ولكن فيما يبدو، نجحت طهران في استعادة الجزء الأكبر من قدرات الدفاع الجوي الخاصة بها، بما يشمل الرادارات، قبيل الحرب الحالية.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

تتمكن أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية من رصد طائرة "إف-35" وإطلاق النار عليها (غيتي)


"إف-35".. طيف بلا أثر

باختصار، تتمكن أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية سالفة الذكر من رصد المقاتلة الأميركية "إف-35" وإطلاق النار عليها، خاصة إذا تم ربط عدة رادارات وبطاريات صواريخ ضمن شبكة موحدة، ويتطلب الأمر أقل من ذلك بكثير لاستهداف طائرات أخرى أقل تطورا مثل "إف-15" غير الشبحية. ومع ذلك، فإن التعامل مع مقاتلة شبحية تحديدا يظل أمرا بالغ التعقيد، إذ يتطلب الأمر ظروفا دقيقة، كأن تُرصد الطائرة من زاوية تقل فيها خصائص التخفي، وأن تُستهدف باستخدام وابل صاروخي كثيف يُربك أنظمة الطائرة الدفاعية.

وفي الواقع، وباستثناء حوادث التدريب، لم يُوثق قبل الحرب الإيرانية الحالية تدمير أي طائرة "إف-35" نتيجة عمل عسكري مباشر، وهذا أمر مفهوم عند الأخذ في الاعتبار الخصائص التقنية الفريدة التي تتمتع بها هذه المقاتلة. فبخلاف الطائرات التقليدية التي تعكس كمية كبيرة من طاقة الرادار، مما يسهل اكتشافها، صُممت "إف-35" بعناية فائقة لتشتيت هذه الموجات بعيدا عن مصدرها. ويخلو هيكل الطائرة الأملس من الزوايا الحادة بفضل أسطحه المائلة، وحتى غطاء قمرة القيادة معالج بمواد خاصة تمتص الموجات. وتؤدي هذه الميزات التصميمية إلى تشتيت موجات الرادار في اتجاهات مختلفة بدلا من ارتدادها نحو المصدر.
"بخلاف الطائرات التقليدية التي تعكس كمية كبيرة من طاقة الرادار، مما يسهل اكتشافها، صُممت إف-35 بعناية فائقة لتشتيت هذه الموجات بعيدا عن مصدرها".
وإضافة إلى الشكل، تُغطى الطائرة بمواد ماصة للموجات الرادارية، تعمل مثل "الإسفنجة" التي تمتص الطاقة وتحولها إلى كميات ضئيلة من الحرارة. بل إن تفاصيل دقيقة، مثل المسامير وخطوط الألواح، تُعالج بعناية فائقة أو تُخفى بالكامل، نظرًا لأنه حتى الفجوات الصغيرة أو الحواف قد تعكس الموجات. وتستخدم أطقم الصيانة مواد خاصة لسد أي فجوات بعد عمليات الإصلاح، مما يضمن الحفاظ على خاصية التخفي.

ومن الميزات الرئيسية الأخرى أن هذه الطائرة تخزن أسلحتها داخليا. فعلى خلاف المقاتلات التقليدية التي تُحمّل قنابلها وصواريخها على الأجنحة أو السطح الخارجي، مما يُزيد من البصمة الرادارية، تُخفي "إف-35" أسلحتها داخل حجرات مدمجة في الهيكل.
أما على مستوى اكتشاف الأشعة تحت الحمراء، فتعتمد الأنظمة الحرارية على حرارة العادم لتحديد موقع الطائرات، لكن "إف-35" صُمّمت لتقليل هذا الأثر عبر التبريد الغازي وإخفاء المحرك عميقًا داخل بدن الطائرة، مما يُضعف البصمة الحرارية ويُعقّد عملية الاستهداف. وإلى جانب ذلك، تستخدم "إف-35″ أنظمة حرب إلكترونية متطورة للتشويش على الرادارات، أو خداعها، أو تجنّبها كليًا، وتملك أجهزة حاسوب واستشعار قادرة على رصد التهديدات مسبقًا، بل وتشارك هذه المعلومات مع طائرات أخرى عبر قنوات اتصال غير تقليدية، دون إصدار إشارات راديوية، وهو ما يُعرف بـ"الصمت الإلكتروني".

هل تترنح الأسطورة؟

ومع ذلك، سُجّلت بعض الحوادث اللافتة التي لم تُؤكَّد رسميا بعد. على سبيل المثال، حين شنت طائرات إسرائيلية من طراز "إف-35" غارات على سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2017، ردّت الدفاعات الجوية السورية -والتي يُعتقد أنها بطارية من طراز "إس-200" روسية الصنع- بإطلاق صواريخ، وادّعت لاحقًا أنها أصابت إحدى الطائرات مباشرة. وفي الوقت ذاته، أعلن سلاح الجو الإسرائيلي تعرّض إحدى طائراته من الطراز نفسه لأضرار وإجبارها على الهبوط، لكنه عزا السبب إلى اصطدام الطائرة بطائر، وليس صاروخا سوريا.
وتُستدعى هنا حادثة أخرى لم تلقَ اهتماما كافيا وقت وقوعها، لكنها أصبحت أكثر دلالة لاحقا. ففي تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمزفي مايو/أيار 2025 أُشير إلى أن صاروخ أرض جو أطلقه الحوثيون كاد يُصيب طائرة أميركية من طراز "إف-35" إلا أن الطائرة نفذت مناورة ناجحة لتفادي الإصابة. وفي تعليق على الحادث، كتب المحلل العسكري غريغوري برو على منصة إكس: "كادت الدفاعات الجوية الحوثية أن تصيب عدة طائرات أميركية من طراز إف-16 وطائرة مقاتلة من طراز إف-35 مما زاد من احتمال وقوع خسائر بشرية أميركية".

وبحسب تقرير نشرته منصة "ذي وور زون" (The War Zone) فإن نظام الدفاع الجوي الحوثي يعتبر بدائيا من الناحية التقنية، لكنه سريع الحركة، مما يمكنه من الظهور في مواقع مفاجئة يصعب التنبؤ بها، ويعقد بالتالي التخطيط. كما أن بساطة هذه الأنظمة تساعدها أحيانا على تجنب الرصد المبكر من قبل أجهزة الاستشعار الأمريكية المتطورة.

ويستخدم الحوثيون صواريخ سام مرتجلة تحتوي على مستشعرات الأشعة تحت الحمراء، أو صواريخ "جو-جو" معدلة، وهي تقنيات بدائية تمنح الطائرات إنذارا مبكرا ضئيلا أو منعدما.
ولم يسفر هذا الحادث عن إسقاط الطائرة، لكنه كان دالا؛ إذ أظهر أن الجهات التي تمتلك قدرات دفاع جوي محدودة، قادرة -في ظروف معينة- على رصد طائرة "إف-35" والاشتباك معها. وقد أثار هذا الأمر تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة الطائرة على "الاختفاء التام". وفي النهاية، ألغيت المهمة دون خسائر، لكن الحادث أثبت أن "إف-35" ليست بمنأى عن الخطر، خاصة إذا حلقت على مسارات متوقعة أو دون حماية إلكترونية كافية.

ما دلالات إصابة وإسقاط الطائرات الأمريكية؟

وفي المجمل، تعني عمليات إسقاط الطائرات الأمريكية أن الدفاعات الإيرانية، رغم الضربات الطويلة، لم تشل بالكامل، ما يناقض السردية الأمريكية والإسرائيلية عن تسطيح الدفاعات الجوية الإيرانية. وهذا يضع ضغوطا سياسية على الإدارة الأمريكية لتفسير حجم المخاطر، والرد، أو تعديل سردية "السيطرة الكاملة".
يعني ذلك أيضا أن السماء الإيرانية ليست بيئة آمنة حتى للطائرات المتقدمة، فـ "إف-15" ليست طائرة قديمة أو هشة، بل هي منصة هجومية ثقيلة، سريعة، ومجهزة بحزم بقاء وحرب إلكترونية، ومع ذلك سقطت. لاحظ أن هذا الطراز يستخدم خدعا دفاعية -مشاعل وشرائط معدنية- تطلقها الطائرات لتفادي الصواريخ، كما يجري تحديثه بنظام إلكتروني لتحسين النجاة من تهديدات الرادار والصواريخ. هذا يعني أن مجرد وجود وسائل حماية متقدمة لا يلغي الخطر عندما تكون الدفاعات الأرضية حاضرة ويضطر الطيارون للعمل داخل مجال معاد.
"حين تسقط طائرة مقاتلة من هذا الطراز، لا تكون الخسارة في الطائرة فقط، بل في اضطرار الخصم إلى تغيير أسلوبه، عبر اتخاذ ارتفاعات أعلى، ومسافات إطلاق أبعد".
في هذا السياق، تفرض إيران تكلفة عملياتية على الحملة الجوية الأمريكية، فحين تسقط طائرة مقاتلة من هذا الطراز، لا تكون الخسارة في الطائرة فقط، بل في اضطرار الخصم إلى تغيير أسلوبه، عبر اتخاذ ارتفاعات أعلى، ومسافات إطلاق أبعد، لكن ذلك لا يأتي مجانا، إذ قد يضعف الدقة أحيانا، ويزيد الاعتماد على ذخائر بعيدة المدى أغلى ثمنًا وأكثر تعقيدا، كما يقلل مرونة الطيارين في التفاعل اللحظي مع الأهداف المتغيرة على الأرض. وبذلك لا يكون الدفاع الجوي قد "أغلق السماء" بالضرورة؛ بل يكون قد جعل استخدامها أكثر صعوبة وأعلى كلفة وأبطأ إيقاعا.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

إف-35 ليست مجرد طائرة، بل رمز للتفوق الجوي الأمريكي وشبكة الردع الغربية (وكالة الأنباء الأوروبية)

كما تفرض هذه الخسارة توسيع المظلة المرافقة لكل هجوم جوي، فالطائرات المقاتلة ستحتاج إلى دعم أكبر من منصات الحرب الإلكترونية للتشويش على الرادارات والصواريخ، وإلى تنسيق أوثق مع طائرات الإنذار المبكر والاستطلاع، ومن ثم تخصيص موارد إضافية لعمليات البحث والإنقاذ القتالي تحسبا لسقوط طيارين في العمق الإيراني في قادم الأيام والأسابيع.

هذا يعني أن ضربة واحدة قد تستدعي وراءها سلسلة كاملة من الطائرات والمهمات المساندة، فكلفة الطلعة لا تقاس بعدد القنابل فقط، بل بحجم الحزمة القتالية التي يجب أن ترافقها. ومع تراكم هذا النمط، يتحول الدفاع الجوي الإيراني من مجرد وسيلة اعتراض إلى أداة استنزاف تشغل جزءا أكبر من وقت الخصم وموارده وتخطيطه.
"إف-35 ليست مجرد طائرة، بل رمز للتفوق الجوي الأمريكي وشبكة الردع الغربية ككل".
أما إذا تأكد أن طائرة من طراز "إف-35" قد أصيبت أو دمرت فعلا بنيران إيرانية، فالحادث يرسل رسالة إلى الحلفاء والخصوم معا. فـ "إف-35" ليست مجرد طائرة، بل رمز للتفوق الجوي الأمريكي وشبكة الردع الغربية ككل، وهي مستخدمة على نطاق واسع بين الولايات المتحدة وشركائها. لذلك فإن إصابتها، حتى لو هبطت بسلام ولم تفقد، قد تقرأ إقليميا على أنها إشارة إلى أن الحرب دخلت مرحلة أكثر خطورة، وأن إيران قادرة على فرض كلفة على أكثر المنصات الجوية تقدما. هذا لا يعني انقلابا كليا في موازين القوى، لكنه قد يرفع منسوب القلق لدى الحلفاء، ويدفعهم لزيادة طلبات الحماية والدفاع الجوي، أو لتشديد الضغوط من أجل منع اتساع الحرب.

أما اقتصاديا، فهناك مستويان من الأثر: الأول مباشر، يتعلق بقيمة المنصة نفسها وكلفة تشغيلها وإصلاحها، فسعر الطائرة الواحدة من "إف-35" يصل إلى 100 مليون دولار، ويظل البرنامج ككل أضخم برنامج تسليح أميركي مع تكاليف عمرية تتجاوز تريليوني دولار. وعندما تتعرض منصة بهذه الحساسية لضرر قتالي، لا تكون المسألة مجرد ثمن طائرة، بل أيضا كلفة الإصلاح، وفحص الأسطول، وقطع الغيار، وربما تعديل أساليب التشغيل والحماية والمرافقة الإلكترونية.
المستوى الاقتصادي الثاني أوسع بكثير، لأنه يتعلق بأسواق الطاقة والحرب نفسها. بحسب رويترز، هذه الحرب دفعت بالفعل نحو ارتفاع أسعار النفط، وتدرس واشنطن تعزيز قواتها وتأمين نقاط استراتيجية مثل مضيق هرمز وجزيرة خرج، في ظل استمرار المخاوف على البنية التحتية للطاقة. وبالتالي فإن إصابة أو إسقاط طائرات أمريكية متقدمة قد تفسر في الأسواق على أنها علامة على أن الصراع لا يزال قابلا للتصعيد، وأن كلفة تأمين الملاحة والطاقة سترتفع، ما يعني مخاطر أعلى على النفط والغاز والشحن والتأمين. الأثر هنا ليس أن الطائرة وحدها غالية الثمن، بل أن ما يحدث يزيد قناعة السوق بأن الحرب باتت أطول وأقل قابلية للاحتواء.

المصدر: الجزيرة نت

 

 


 

الباسل

يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية

   

رد مع اقتباس

إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:20 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
 

شبكـة الوان الويب لخدمات المـواقع