أضف إلى ذلك أن مخزون الأسلحة جو-جو المناسبة لهذه المقاتلات يُعد متقادما أيضا، ومن أمثلة ذلك أن طهران اشترت منذ نحو 40 سنة صواريخ "فينيكس AIM-54 A" المستخدمة في مقاتلات "إف 14" الأمريكية، وعلى هذا فإن أي مخزون متبقٍّ من تلك الصواريخ تجاوز عمره الافتراضي.
أما الأدوار الهجومية في ترسانة طهران الجوية، فتختص بها طائرات الفانتوم "إف-4" الأمريكية ومقاتلات "سوخوي-24″، التي تمتلك أكبر مخزون فعال متبقٍّ من الأسلحة لدى القوات الجوية، إضافة إلى عدد قليل من طائرات "سوخوي-22". ورغم تقادم الفانتوم فإنها تُعد أكثر الطائرات المستخدمة في سلاح الجو الإيراني، رغم أن فعاليتها باتت محدودة بسبب عدم وجود ذخائر حديثة.
دفعت هذه الظروف الصعبة إيران إلى تبني إستراتيجية دفاعية وعقيدة قتالية تعتمد على تعزيز الإنتاج الصاروخي واعتماده وسيلة ردع. ووفقا لذلك، فإن الدور الأساسي للقوات الجوية الإيرانية هو الدفاع، مع دور هجومي ثانوي ضد أهداف برية أو بحرية، إضافة إلى توفير قدرة نقل جوي داخل مسرح العمليات حين يتطلب الموقف.
لكن الأوضاع الإقليمية الراهنة كشفت أن إعادة بناء القوات الجوية بات ضرورة لطهران، وأن القدرات الصاروخية بمفردها لن تلبي المتطلبات الدفاعية الحالية.
لا تبدو خيارات إيران كثيرة وسط تصاعد الصدام مع تل أبيب وحلفائها الغربيين، ولذا فعلى الأرجح سوف تتجه إيران إلى حلفائها الأقرب في
موسكو وبكين لتجديد قواتها الجوية. وقد نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مصادر مطلعة أن طهران تعاقدت بالفعل مع موسكو في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 على مروحيات من طراز "ميل 28" الهجومية ومقاتلات "سوخوي-35" من الجيل الخامس.
كما تسلمت طهران من روسيا طائرات من طراز "ياك 130" في سبتمبر/أيلول 2023، وهي طائرة نفاثة ذات مقعدين تُستخدم بالأساس في مهام الهجوم الخفيف وتدريب الطيارين على قيادة المقاتلة "سوخوي-35".
تتضمن "ياك 130" أنظمة طيران إلكترونية متطورة، بما في ذلك رادار من فئة "أو إس إيه" قادر على تتبع 8 أهداف في الوقت ذاته، مع إمكانية حمل مجموعة متنوعة من الأسلحة، مثل الذخائر الموجهة وصواريخ جو-جو من طراز "آر-73".
وقد شاركت "ياك-130" في أولى مهامها التشغيلية داخل سلاح الجو الإيراني في المناورة العسكرية واسعة النطاق "ذو الفقار"، التي أُجريت على طول الساحل الجنوبي الإيراني وأجزاء من المحيط الهندي في فبراير/شباط 2025.
لكن الجدير بالذكر أن طهران لم تحصل إلى الآن على مقاتلات "سوخوي" من موسكو لأن عمليات التسليم باتت تتأخر بسبب أوضاع
الحرب الروسية الأوكرانية، كما أن حصولها على هذه المقاتلات لن يُمكِّنها من استغلالها على النحو الأمثل على الفور، نظرا لأن تجديد المنظومة لا يرتبط بالأصول فحسب، بل أيضا بمدى توفر القدرة على استيعاب المقاتلة داخل المنظومة، والتدرب على استخدامها ودمجها في شبكتها الحالية من أجهزة الاستشعار ومراكز القيادة والتحكم ومع الأصول الدفاعية الأخرى، وهو ما يستلزم وقتا ربما لا تمتلكه طهران في ظل الأوضاع الراهنة.
وفي حال دخولها الخدمة فعليا بنجاح، ففي إمكان "سوخوي-35" أن تُمثِّل تهديدا للطائرات المهاجمة المتطورة، مثل المقاتلة الشبحية "إف-35" التي تُعد أحد أهم الأصول الجوية للولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في حالة تسليح "سوخوي-35" بصواريخ جو-جو بعيدة المدى من طراز "آر-77-1″، أو من خلال الاشتباك في نطاق الرؤية واستخدام خصائص التفوق الجوي التي تتميز بها المقاتلة ضد مقاتلة "إف-35".
وفي هذه الحالة، سوف تتجنب المقاتلات المعادية الاشتباك ضمن مدى الرؤية بغرض استخدام "إف-35" في منطقة راحتها، أي منطقة تميزها المتمثلة خارج نطاق الرؤية.
على جانب آخر، يرى بعض الخبراء أن أولوية طهران ربما تكون استبدال منصات "إف-14″ و"إف-4" نظرا لتقادمهما، فيما أن "ميج-29″ و"سوخوي-24" قد تخضعان لتحديثات تضمن تحسينهما على المستوى القتالي وإطالة عمرهما الافتراضي. ويشير آخرون إلى أن مقاتلات "إف-14" قد تُمثِّل وسيلة فعالة لتعقيد الهجمات ضد إيران، في حال عملها داخل المجال الجوي الإيراني مع تلقي الدعم من الرادارات الأرضية والدفاعات الجوية.
ومع أن موسكو تُعد هدف طهران الأول في عملية تحديث قواتها الجوية، فإن الأخيرة قد تتطلع أيضا للحصول على مقاتلة من مصدر آخر، وغالبا سوف تُمثِّل بكين ذلك، ويُرجح أن يقع اختيار طهران على المقاتلة الصينية متعددة المهام "جي-10" رغم كونه خيارا مُكلِّفا، فيما توفر المقاتلة الصينية متعددة المهام "جي إف-17 ثاندر" إمكانيات متميزة بتكلفة أقل.
فضلا عن ذلك، فإن الحصول على مقاتلات من مصدرين مختلفين من شأنه أن يُحصِّن إيران في حال تعثر شراكتها مع أحدهما، كما أن تنافس الموردين يمنحها الفرصة لطلب عمليات استحواذ تشمل نقل التكنولوجيا إلى أراضيها، مما يسهم في خفض النفقات ويلبي رغبة إيران الإستراتيجية في أن تكون أكثر اعتمادا على الذات، حيث إن هروب الخبراء الأجانب بعد الثورة الإيرانية عام 1979 والصعوبات التي واجهت شراء قطع الغيار وصيانة الطائرات خلال
الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات لا تزال عالقة في أذهان القادة الإيرانيين.
رغم أن إدراك إيران لحاجتها إلى تطوير جيش تقليدي أصبح يتزايد، خاصة بعد تراجع قدراتها غير التقليدية، فإن ذلك لن يحدث في كل الأحوال خلال المدى القصير. ومن ثم فإن تصنيع وتطوير تكنولوجيا عسكرية محلية منخفضة التكلفة سوف يظل أحد الخيارات المطروحة لتعزيز قوتها العسكرية.
ومن بين ما تُعوِّل عليه في سد الخلل في منظومة قوتها الجوية هو سلاح المسيرات، حيث تمتلك إيران عدة أنواع منها بالفعل، في حين تشير التقارير إلى أن الجيش الإيراني يخطط لتطوير 1000 طائرة إستراتيجية غير مأهولة خلال الأسابيع المقبلة، وتشمل هذه المسيرات "أبابيل 4" و"أبابيل 5″، القادرة على أداء مهام متعددة مثل الاستطلاع والدوريات والعمليات القتالية، كذلك مسيرات انتحارية من طراز "آرش".
وفي هذا الإطار، كشفت إيران في فبراير/شباط 2025 عن انضمام أول حاملة طائرات بدون طيار محلية الصُنع إلى أسطول بحرية الحرس الثوري الإيراني، وذلك خلال مراسم أُقيمت في مدينة بندر عباس، الواقعة جنوب إيران على ساحل
مضيق هرمز في الخليج العربي.
وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية، تتمتع السفينة، التي حملت اسم
"الشهيد بهمن باقري"، بالقدرة على نشر أسراب متعددة من الطائرات المُسيرة، وإطلاق الطائرات المقاتلة بدون طيار واستعادتها، فضلا عن تشغيل طائرات الاستطلاع.
وبذلك تُعد إيران ثاني دولة في الشرق الأوسط تتمكَّن من تطوير حاملة طائرات مسيرة وإطلاقها، بعد
تركيا، التي أطلقت حاملتها "تي سي جي أناضول" في أبريل/نيسان 2023.
ورغم أن مزايا "باقري" من الناحية النظرية تتضمن القدرة على شنّ ضربات بعيدة المدى، فإنها عمليا قد تواجه صعوبات نظرا لافتقارها إلى الحماية المطلوبة بما يجعلها عرضة للاستهداف من الأسلحة الحديثة المضادة للسفن. غير أن محدودية القدرات الهجومية لا تمنع استخدامها في تعزيز قدرات المراقبة والاستخبارات.
لقد فاجأت الأحداث المتتابعة طهران بتحديات أكثر مما كانت تتوقع، وإذا كانت قد استطاعت على مدى عدة عقود التعايش مع سلاح الجو المتراجع وتعويض قدرات الردع عبر دعم شبكة من الحلفاء يقاتلون على الخطوط الأمامية، فإن هذه الإستراتيجية قد لا تصمد أمام ضربات عسكرية بتنا نراها داخل حدودها، ومن ثم تسابق إيران الزمن لتعويض ما يمكن تعويضه.