تنطلق الرسالة من فرضية مركزية مفادها أن الحرب الخاطفة لم تكن مجرد أسلوب قتال لجأت إليه إسرائيل في لحظة تاريخية بعينها، كما هو شائع في الأدبيات التي تحصرها في حرب يونيو/حزيران 1967، بل تمثل جوهر التفكير العسكري الإسرائيلي، الذي قام منذ بداياته على فكرة المبادرة، والمفاجأة، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، والحسم السريع قبل أن تتحول الحرب إلى صراع استنزاف طويل لا تحتمله إسرائيل بحكم عوامل الجغرافيا والديمغرافيا والاقتصاد.
البيئة الوجودية.. كيان بلا عمق إستراتيجي
وتؤكد الرسالة أن فهم الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية لا يمكن أن يتم بمعزل عن البيئة الوجودية الخاصة التي نشأ فيها هذا الكيان؛ فإسرائيل كيان محاط بخصوم، يفتقر إلى العمق الإستراتيجي، ويعتمد على التفوق النوعي لا العددي، ما جعله ميّالا بطبيعته إلى أنماط القتال التي تحقق حسما سريعا وتمنع تراكم الخسائر.
الجذور النظرية.. من "البلتزكريغ" إلى النسخة المعدلة
في هذا السياق، تضع الرسالة الحرب الخاطفة ضمن إطارها النظري، متتبعة جذورها المفاهيمية في الفكر العسكري الغربي، خصوصا التجربة الألمانية في الحرب العالمية الثانية، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن إسرائيل لم تنقل هذا المفهوم نقلا حرفيا، بل أعادت صياغته بما يخدم شروطها الخاصة. فالحرب الخاطفة الإسرائيلية ليست نسخة مطابقة لـ"البلتزكريغ" الألمانية، بل صيغة معدلة تقوم على الضربة الاستباقية، والتكامل بين الأفرع العسكرية، والسيطرة الجوية، والعمل الاستخباري المكثف.
الاستباق والوقاية.. الحرب بوصفها دفاعا مسبقا
وتولي الرسالة اهتماما خاصا بمفهومي الاستباق والوقاية في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، مبيّنة أن إسرائيل سعت دائما إلى تبرير حروبها بوصفها حروبا وقائية أو استباقية، حتى حين تكون هي الطرف المبادر بالهجوم. وتوضح أن هذا المنطق لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل كان جزءا أصيلا من العقيدة العسكرية التي ترى أن الانتظار حتى يتبلور الخطر يشكل تهديدا وجوديا لا يمكن تحمله.
خصائص الحرب الخاطفة.. السرعة والمفاجأة وتركيز القوة
وتنتقل الرسالة بعد ذلك إلى تفصيل خصائص الحرب الخاطفة كما توظفها إسرائيل، مبرزة مجموعة من العناصر التي تشكل العمود الفقري لهذا النمط القتالي، وفي مقدمتها السرعة العالية في الحركة، والمفاجأة، وتركيز القوة في نقاط محددة، والتنسيق الوثيق بين القوات البرية والجوية، إلى جانب الاعتماد الكثيف على المعلومات الاستخبارية الدقيقة. وتؤكد أن هذه الخصائص لم تبقَ ثابتة، بل تطورت بتطور أجيال الحروب والتقنيات العسكرية الحديثة.
التفوق الجوي.. الركيزة الأولى للحسم السريع
وتوضح الرسالة أن التفوق الجوي شكّل منذ البداية الركيزة الأساسية للحرب الخاطفة الإسرائيلية، إذ اعتبرت القيادة العسكرية الإسرائيلية السيطرة على السماء شرطا مسبقا لأي حسم سريع على الأرض. ومن هنا جاء الاستثمار الكبير في سلاح الجو، سواء من حيث الكم أو النوع، إضافة إلى تطوير قدرات الاستطلاع والإنذار المبكر، بما يسمح بشن ضربات مركزة تشل قدرة الخصم على الرد.
بنية الجيش والاحتياط.. آلة صُممت للحروب القصيرة
وتفرد الرسالة مساحة واسعة لتحليل البنية العسكرية الإسرائيلية، مبيّنة حجم القوات النظامية وقوات الاحتياط، وتوازنها مع طبيعة المجتمع الإسرائيلي القائم على التعبئة العامة، حيث يشكل الاحتياط عنصرا حاسما في أي حرب قصيرة وسريعة.
وتبرز أن هذا النموذج العسكري صُمم خصوصا لخوض حروب خاطفة، لا لحروب طويلة الأمد، وهو ما يفسر القلق الإسرائيلي الدائم من سيناريوهات الاستنزاف.
1967.. النموذج الكلاسيكي للحرب الخاطفة الناجحة
وتنتقل الدراسة إلى التطبيق التاريخي، فتتوقف مطولا عند حرب يونيو/حزيران 1967 بوصفها النموذج الكلاسيكي للحرب الخاطفة الإسرائيلية الناجحة، حيث استطاعت إسرائيل، عبر ضربة جوية استباقية مركزة، أن تحسم المعركة في أيام معدودة، وأن تحقق مكاسب إستراتيجية هائلة مقارنة بزمن الحرب القصير. وتبرز الرسالة كيف جسدت هذه الحرب أقصى تجليات فلسفة الحسم السريع، وأصبحت مرجعا مركزيا في التفكير العسكري الإسرائيلي لاحقا.
1973.. فقدان المبادرة ثم استعادتها
لكنّ الرسالة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تؤكد أن حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 مثّلت نقطة تحول مفصلية في مسار الحرب الخاطفة، إذ تعرضت إسرائيل لأول مرة لهجوم عربي منسق ومفاجئ، ما أفقدها زمام المبادرة في الأيام الأولى للحرب.
وتشرح الرسالة كيف وجدت إسرائيل نفسها مضطرة إلى تحويل الحرب من تهديد وجودي إلى فرصة لاستعادة منطق الحرب الخاطفة، من خلال إعادة تنظيم قواتها، والاستفادة من الدعم الأميركي، والقيام بهجمات مضادة سريعة قلبت موازين المعركة.
خلاصة 1973.. الحرب الخاطفة لم تنتهِ بل تغيّرت
وتخلص الرسالة في هذا السياق إلى أن حرب 1973 لم تُنهِ عقيدة الحرب الخاطفة الإسرائيلية، كما يذهب بعض المحللين، بل أدت إلى إعادة تعريفها وتطويرها، بحيث أصبحت أكثر مرونة، وأقل اعتمادا على الضربة الجوية وحدها، وأكثر اهتماما بإدارة المعركة متعددة الجبهات.
