في يونيو/حزيران 2019، أسقطت إيران طائرة استطلاع أمريكية فوق
مضيق هرمز. وردت الولايات المتحدة بهجوم سيبراني عطل أنظمة القيادة والسيطرة لمنصات صواريخ الحرس الثوري، كما أشارت التقارير حينها. لم يصدر أي بيان رسمي، إذ وصل الخبر إلى العالم عبر تسريبات لوسائل إعلام أمريكية بعد وقوعه، مصحوبا بتحليلات خبراء لاحظوا أن الوصول إلى تلك الأنظمة "لا يحدث على الأرجح إلا ماديا أو عبر أطراف ثالثة في سلاسل الإمداد". كان الهجوم بديلا عن ضربة عسكرية تقليدية يقال إن ترامب ألغاها في اللحظة الأخيرة. ولكن حتى في ظل هذا السياق السياسي الصاخب، بقي التأكيد الرسمي غائبا.
ثم جاءت عملية "مطرقة منتصف الليل"، في يونيو/حزيران 2025، حين شنت الولايات المتحدة ضربات عسكرية على منشآت إيران النووية في نطنز وأصفهان وفوردو. ما لم يعرفه أحد حينها هو أن "القيادة السيبرانية" عطلت منظومات الدفاع الجوي الإيراني لتأمين مسار الطائرات المهاجمة. وقد وصفت منصة "ريكورديد فيوتشر نيوز" العملية لاحقا بأنها "من أعقد العمليات التي نفذتها القيادة السيبرانية ضد إيران في تاريخها الممتد لستة عشر عاما"، فقد وجد المهاجمون ما وصفه المصدر بـ"كعب أخيل" في منظومات عسكرية مغلقة بالغة التعقيد.
لكن كل هذا ظل سريا لثمانية أشهر، ولم ينشر حتى 4 فبراير/شباط 2026، حين نقلت المنصة الأمريكية الخبر حصريا، نقلا عن مسؤولين أمريكيين مجهولي الهوية، في حين حجبت بعض التفاصيل "بناء على طلب المصادر". يعني ذلك أنه حتى يونيو/حزيران 2025، كانت أعقد عملية سيبرانية أمريكية ضد إيران تخضع للقواعد القديمة ذاتها: التنفيذ في صمت، وعدم التجاوب مع أي تساؤلات حول المسؤولية المباشرة. ما الذي تغير إذن بين يونيو/حزيران 2025 وفبراير/شباط 2026؟
في 3 يناير/كانون الثاني 2026، انطفأت فجأة أضواء كراكاس، العاصمة الفنزويلية. كانت عملية العزم المطلق قد بدأت لتوها، في مداهمة أمريكية لاعتقال الرئيس الفنزويلي
نيكولاس مادورو وزوجته. انقطعت الكهرباء عن العاصمة، وتعطلت رادارات الدفاع الجوي، وتوقفت أجهزة الاتصال اللاسلكي.
ما فعله ترمب بعدها كان غير مسبوق. ففي مؤتمر صحفي قال الرئيس الأمريكي علنا: "أضواء كراكاس أُطفئت إلى حد كبير بفضل خبرة معينة نمتلكها"، وكان يقصد بها العمليات السيبرانية. كما قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين إن القيادة السيبرانية وقيادة الفضاء وأجهزة أخرى "بدأت ترتيب تأثيرات متعددة" على فنزويلا بينما اقتربت المروحيات لفتح ممر للقوات الخاصة.
إذا أمعنا النظر في لغة الحديث الرسمي هنا، نجد الرئيس الأمريكي يتحدث عن "خبرة" سيبرانية أمام الكاميرات، ورئيس أركان يصف "تأثيرات متعددة" في مؤتمر صحفي. صحيح أن تحقيق "سايبر سكووب" (CyberScoop) وجد لاحقا أضرارا مادية كبيرة في محطات فرعية متعددة، مما يعني أن الانقطاع كان على الأرجح مزيجا من العمليات السيبرانية والحركية على الأرض، لكن هذا لا يغير النقطة الجوهرية: لقد اختارت الإدارة الأمريكية أن تنسب الأثر علنا إلى قدرات سيبرانية، وربما كانت الإشارة هنا مقصودة.
بعد أسابيع، في 28 يناير/كانون الثاني، جلس الجنرال ويليام هارتمان، القائد بالنيابة للقيادة السيبرانية ومدير وكالة الأمن القومي، أمام اللجنة الفرعية للأمن السيبراني في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، وكسر بما قاله القواعد التي حكمت هذا المجال لعقد ونصف. فقد أعلن أن العمليات السيبرانية الهجومية تنفذ بـ "أسلوب مستدام وقابل للتكرار"، وأنها ستكون "في مقدمة" العمليات العسكرية. ليست هذه أحاديث تسريبات صحفية، لكنها لغة عقيدة عسكرية تعلن في جلسة مفتوحة أمام العالم.
قبل ذلك بأسبوعين، كان التحول قد بدأ يتبلور من زاوية أخرى، حين عقدت اللجنة الفرعية للأمن السيبراني في لجنة الأمن الداخلي بمجلس النواب جلسة بعنوان لا يحتمل اللبس: "الدفاع من خلال الهجوم". استدعت اللجنة شهودا من شركة "كراود سترايك" (CrowdStrike) ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) ومعهد "مكراري" (McCrary) في جامعة أوبرن. وقد تحدث فرانك سيلوفو من المعهد، وهو أحد أبرز خبراء الأمن السيبراني في واشنطن، قائلا إن الولايات المتحدة ستبقى "مكبلة اليدين" ما لم تدمج السلاح السيبراني بالكامل في عقيدتها العسكرية. وأشارت تقارير إلى أن الاستراتيجية الوطنية السيبرانية المنتظرة تتضمن ركيزة مخصصة للعمليات الهجومية وشراكات من القطاع الخاص.
في اليوم ذاته، كتب رئيس اللجنة آندي أوغلز قائلا: "الحقيقة غير مريحة لكنها حتمية: نحن بالفعل في حرب سيبرانية. السؤال هو هل ننوي تشكيلها أم سنظل مجرد رد الفعل". إذًا في غضون أسابيع قليلة من مطلع عام 2026، حدث ما لم يحدث في 16 عاما سابقة: رئيس يتفاخر بقدرات سيبرانية أمام الكاميرات، وجنرالات يعلنون عقيدة هجومية في جلسات مفتوحة، وخبراء يوصون بدمج السلاح السيبراني بالكامل في العقيدة العسكرية.
لكن اللحظة الأكثر دلالة جاءت من القيادة السيبرانية نفسها، حين نشرت منصة "ريكورديد فيوتشر نيوز" (Recorded Future News) حصريتها في 4 فبراير/شباط عن الدور السيبراني في عملية "مطرقة منتصف الليل". وأصدرت القيادة الأمريكية بيانا رسميا، فلم تنف ولم تتهرب، بل قال المتحدث باسمها صراحة: "القيادة السيبرانية الأمريكية فخورة بدعم عملية مطرقة منتصف الليل، وهي مجهزة بالكامل لتنفيذ أوامر القائد الأعلى ووزير الدفاع في أي وقت وأي مكان".
بمقارنة ذلك مع العمليات السابقة، مثل عملية ستوكسنت، نجد أن النفي الرسمي كان هو الغالب في السابق. ففي هجوم 2019، التزمت الإدارة الأمريكية الصمت رسميا. وحتى حين نشرت منصة "ديفنس سكووب" تقريرا عن دور القيادة السيبرانية في هجوم يونيو/حزيران 2025، أحالتها القيادة إلى البنتاغون دون تعليق.
ولكن في فبراير/شباط 2026، أصبح التصريح إعلانيا: "مجهزة بالكامل.. في أي وقت وأي مكان". هنا بدأت الإجابة تخرج من كونها تجاوبا مع سؤال صحفي، إلى كونها رسالة صريحة للخصم، وهو إيران في هذه الحالة. والتحول هنا ليس في القدرات نفسها، فقد كانت القيادة السيبرانية تمتلك هذه الأدوات منذ سنوات. التحول هنا جاء في القرار المؤسسي بالكشف عنها، فقد انتقل السلاح السيبراني من ملفات الاستخبارات المصنفة بالسرية إلى محاضر جلسات الكونغرس المفتوحة والبيانات الرسمية. ومن أداة تعمل في الظل إلى عقيدة تعلن تحت الأضواء. ولكن المؤسسات العسكرية لا تغير عقائدها بلا سبب. مما يعني أن هناك في هذه الأزمة بالتحديد ما دفع واشنطن إلى اختيار الكشف عن قدراتها علنا، ولعل التوقيت لم يكن مصادفة."