رومن رادف.. رجل التحولات السياسية في بلغاريا

رومن رادف تولّى رئاسة بلغاريا لولايتين بين عامي 2017 و2026 (رويترز)
عماد الزوري
22/4/2026
سياسي بلغاري، شغل منصب رئيس الجمهورية لولايتين بين عامي 2017 و2026، وانتقل من المسار العسكري داخل سلاح الجو إلى قمة الهرم السياسي في البلاد.
برز اسمه على الساحة العامة عقب انتخابه رئيسا لبلغاريا عام 2016، قبل أن يرسخ حضوره السياسي لاحقا، ولا سيما بعد تعامله مع الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد بعد عام 2020، إذ اضطلع بدور مؤثر في المشهد السياسي.
في يناير/كانون الثاني 2026، استقال رادف من منصبه رئيسا للجمهورية تمهيدا لدخوله المعترك الانتخابي. فأسس ائتلاف "بلغاريا التقدمية"، ونجح في الاستفادة من الرصيد المعنوي الذي اكتسبه خلال فترة رئاسته، مما مكّن ائتلافه من تحقيق فوز كاسح في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 20 أبريل/نيسان من العام نفسه، ليصبح رئيس الوزراء المنتخب لعام 2026.
هذا الفوز وضع حدا لحالة عدم الاستقرار السياسي التي استمرت أكثر من 5 سنوات، إذ أفضى إلى أول أغلبية برلمانية واضحة لائتلاف واحد في بلغاريا منذ عام 1997.
رومن رادف لعب دورا محوريا في الأزمة السياسية التي شهدتها بلغاريا عام 2020 (رويترز)
المولد والتكوين
وُلد رومن غيورغييف رادف في 18 يونيو/حزيران 1963 بمدينة ديميتروفغراد في بلغاريا، وهي مدينة صناعية تقع في جنوب شرق البلاد، ونشأ في كنف أسرة تنحدر من منطقة سلافيانوفو في إقليم هاسكوفو، على الحدود مع
تركيا واليونان.
تلقى تعليمه الأساسي في
مسقط رأسه في سبعينيات القرن العشرين، إبان فترة النظام الاشتراكي. وفي عام 1982 التحق بمدرسة غيورغي بينكوفسكي العليا للقوات الجوية في مدينة دولنا ميتروبوليا شمال بلغاريا، وهي المؤسسة العسكرية المتخصصة في تكوين ضباط الطيران، حيث تلقّى تكوينا أكاديميا وعسكريا في الطيران وقيادة الطائرات المقاتلة، وتخرج ضابطا في سلاح الجو عام 1987.
وبالموازاة مع عمله ضابطا، واصل رادف تأهيله العسكري العالي، إذ التحق في تسعينيات القرن العشرين بأكاديمية راكوفسكي للدفاع والأركان في العاصمة صوفيا، وهي أعلى مؤسسة أكاديمية عسكرية في بلغاريا، حيث تلقى تكوينا في القيادة العسكرية والتخطيط العملياتي.
كما استفاد لاحقا من برامج تدريب متقدمة في مجال الطيران والدفاع الجوي في
الولايات المتحدة الأمريكية.
المسيرة العسكرية
استهل مساره العسكري داخل سلاح الجو البلغاري مباشرة بعد تخرجه من التكوين العسكري الجوي عام 1987، إذ التحق بالقوات الجوية بوظيفة طيار مقاتل، وعمل ضمن الوحدات الميدانية.
بعد ذلك، تدرج رادف في عدد من المناصب داخل القوات الجوية، متنقلا بين مهام الطيران والتدريب والعمليات. وقد اكتسب أثناء هذه الفترة خبرة تشغيلية واسعة، كما شارك في برامج تأهيل وتحديث مرتبطة بتطوير قدرات سلاح الجو البلغاري في مرحلة ما بعد
الحرب الباردةأوائل تسعينيات القرن العشرين.
وانتقل مع مطلع الألفية الثالثة إلى مستوى أعلى من التأهيل القيادي، بعدما تخرج من أكاديمية راكوفسكي للدفاع والأركان، حيث تلقى تكوينا في القيادة والتخطيط العملياتي، مما خوّله الانتقال من ضابط طيار إلى ضابط قيادة داخل البنية العسكرية.

رومن رادف شغل مناصب قيادية متقدمة داخل سلاح الجو بين عامي 2000 و2014 (رويترز)
وفي الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2014، شغل رادف مناصب قيادية متقدمة داخل سلاح الجو، شملت قيادة وحدات جوية ومهام إشراف على التدريب والجاهزية القتالية، فبرز اسمه بين كبار الضباط المسؤولين عن تطوير الأداء العملياتي للقوات الجوية.
وفي عام 2014، عُيّن قائدا للقوات الجوية البلغارية، وهو أعلى منصب في هذا الفرع العسكري. وظل في هذا المنصب حتى عام 2016، عندما أنهى مسيرته العسكرية برتبة لواء، وانتقل إلى الحياة السياسية بعد انتخابه رئيسا للجمهورية في العام نفسه.
المسيرة السياسية
دخل رومن رادف المعترك السياسي عام 2016 بعدما وضع حدا لمساره العسكري، في سياق سياسي اتسم آنذاك بتصاعد الانتقادات الموجهة للنخبة الحاكمة، وتزايد الخطاب المناهض للفساد. وقد جاء ترشحه للانتخابات الرئاسية مستقلا بدعم من الحزب الاشتراكي البلغاري.
خاض الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وتمكن من الفوز على مرشحة الحزب الحاكم تسيتسكا تساتشيفا، المدعومة من رئيس الوزراء حينئذ بويكو بوريسوف.
وبدأ رادف ولايته الرئاسية الأولى في يناير/كانون الثاني 2017، بعدما استفاد في حملته من صورة القائد العسكري القادم من خارج الاصطفاف الحزبي التقليدي، ومن خطاب ركز فيه على محاربة الفساد وإعادة الثقة في المؤسسات، في مواجهة الطبقة السياسية التقليدية.

رومن رادف عارض تزويد أوكرانيا بالأسلحة خلال حربها مع روسيا (رويترز)
وبمجرد دخوله المقر الرئاسي في دوندوكوف 2، أصبح رادف لاعبا سياسيا مؤثرا، ولم يكتفِ بالدور الرمزي لمنصب الرئيس، وهو ما تجلى أساسا في تدبيره للأزمة السياسية التي عاشتها البلاد عام 2020، نتيجة احتجاجات شعبية واسعة ضد الفساد وغياب
الشفافية وتداخل النفوذ السياسي والاقتصادي داخل مؤسسات الدولة.
واستخدم رادف صلاحياته الدستورية في تعيين حكومات انتقالية عند تعثر تشكيل حكومات برلمانية مستقرة، مما جعله فاعلا مباشرا في إدارة المرحلة الانتقالية داخل النظام السياسي في البلاد، واكتسب بموجب ذلك شعبية واسعة مكنته من الفوز بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد عام 2021.
وقد أثارت إجراءاته جدلا واسعا في الوسط السياسي، إذ اعتبرها خصومه تدخلا مباشرا في السلطة التنفيذية، يتجاوز الدور الرمزي التقليدي لمؤسسة الرئاسة.
كما ازدادت حدة الجدل بعدما انتقد بشكل صريح السياسة الخارجية للبلاد، ورفض تقديم دعم عسكري مباشر لأوكرانيا في حربها مع روسيا، ودعا في المقابل إلى الحفاظ على قنوات تواصل مع
موسكو، مما دفع منتقديه إلى اتهامه بالتقارب مع روسيا، بينما يؤكد هو أن مواقفه براغماتية وتستند إلى المصلحة العليا للدولة.

رئيس بلغاريا رومن رادف يعلن استقالته في خطاب للأمة في 19 يناير/كانون الثاني 2026 (غيتي)
من رئاسة الدولة إلى رئاسة الحكومة
استقال رادف من منصبه رئيسا للجمهورية في يناير/كانون الثاني 2026، تمهيدا لدخوله سباق الانتخابات البرلمانية، مستفيدا من رصيد شعبي اكتسبه طوال المدة التي قضاها على كرسي الرئاسة لولايتين.
أسس ائتلافا تحت اسم "بلغاريا التقدمية"، وطرح نفسه بديلا إصلاحيا للنخب الحزبية التقليدية، ثم دخل غمار الانتخابات التي جرت في 20 أبريل/نيسان 2026، وانتهج في حملته خطابا ركز على مكافحة الفساد وتجديد الحياة السياسية، ليتمكن من الفوز بالانتخابات بفارق كبير عن أقرب منافسيه.
ووفق النتائج المعلنة، تصدر ائتلاف "بلغاريا التقدمية" الانتخابات بحصوله على نحو 45% من الأصوات، وهو ما يعادل 135 مقعدا من أصل 240 المشكلة للبرلمان البلغاري، متقدما على حزب "مواطنون من أجل التنمية الأوروبية" الذي حصل على نحو 12%، وتحالف "نواصل التغيير وبلغاريا الديمقراطية" بنحو 12%، و"حركة الحقوق والحريات" بنحو 6%، وحزب "النهضة" بنحو 4%.
وعلى ضوء هذه النتائج، تمكّن ائتلاف بلغاريا التقدمية من تصدر المشهد البرلماني وقيادة مفاوضات تشكيل الحكومة، ليكون رومن رادف رئيس الوزراء التالي، في تحول سياسي بارز من موقع رئاسة الدولة إلى رئاسة الحكومة وقيادة السلطة التنفيذية.
المصدر: الجزيرة نت + وكالات