محمد رضا بهلوي .. شاه إيران السابق (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 4289 )           »          السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          تدمير الجسور والمنشآت المدنية.. ما أهداف الخطة الأمريكية الجديدة بإيران؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الحروب تغيّر معرض فارنبرة.. الأسلحة تتقدم على الطائرات المدنية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          ماذا تفعل إذا سُرق هاتفك؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 2 - عددالزوار : 60 )           »          أمريكا تقصف 6 جسور إيرانية وطهران تستهدف 4 دول عربية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 51 )           »          من يتحكم في مضيق هرمز؟.. عبارة غامضة تحول الهدنة إلى بوابة حرب (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 137 )           »          حرب الترددات الصامتة.. صراع الدول على احتكار طيف الجيل السادس (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 315 )           »          بريطانيا والاتحاد الأوروبي يوقعا رسميا معاهدة لتسوية العبور في جبل طارق (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 379 )           »          بين تصعيد ترمب ومفاوضات فانس.. أمريكا تهاجم إيران وطهران تستهدف الكويت والبحرين (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 317 )           »          ميخائيل كافيلاشفيلي..سياسي جورجي (رئيس جمهورية جو‌رجيا) (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 511 )           »          الاتحاد الأوروبي يرد على الحملة الأمريكية ضد الجنائية الدولية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 984 )           »          ماكرون يستعرض قوة فرنسا بـ"جيش جاهز للقتال" وتحالف داعم لأوكرانيا (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 828 )           »          كيف يتحول سرطان القولون إلى نسخة قادرة على غزو الكبد؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1251 )           »          "جبل الفأس".. الموقع الغامض الذي هدد ترمب بتدميره في إيران (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1278 )           »         



 
العودة   ..[ البســـالة ].. > جـناح المعرفـــة > قســــــم الشــــخصيات الســــــياســـــــية
التعليمـــات قائمة الأعضاء وسام التقويم مشاركات اليوم
 


السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام

قســــــم الشــــخصيات الســــــياســـــــية


إضافة رد
 
أدوات الموضوع

قديم 17-07-26, 07:34 PM

  رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الباسل
المديــر العـــام

الصورة الرمزية الباسل

إحصائية العضو





الباسل غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام



 

السابح مع القروش.. الحياة الطويلة والقصيرة جدا للسيناتور ليندسي غراهام

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
السيناتور ليندسي غراهام ملاصقا للرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال مسيرة انتخابية

في شارلوت بولاية نورث كارولاينا (الفرنسية)

عبدالرحمن عياش
17/7/2026

لمن لا يعرف سمكة الزامور، أو "سمكة الدليل"، هي سمكة بحرية صغيرة لاحمة تلازم القروش وسلاحف البحر، تسبح في الطبقة المحيطة بجسم مضيفها فتوفر على نفسها عناء السباحة، وتقتات من فتات فرائسه وحتى طفيليات جلده، وتنال في المقابل حماية حيوان مفترس. سميت "سمكة الدليل" لاعتقاد قديم لدى البحارة بأنها ترشد الكائنات الأضخم إلى مصادر الغذاء، وهو اعتقاد دحضه العلم لاحقا، فهي التابع لا القائد.
عاش السيناتور ليندسي غراهام جل حياته على هذا النحو تماما. هذا ليس مدحا أو ذما، لكنه مجرد وصف لرجل قضى نصف قرن يبحث عن قرش يسبح في ظله. لقد حظي ليندسي غراهام بحياة سياسية طويلة وحافلة، لكنه قضى معظمها في أكناف حيتان وقروش أكثر شراسة وأوسع نفوذا.

القرش يرثي سمكة الزامور

في ظهيرة الجمعة، 10 يوليو/تموز 2026، وقف السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام وسط العاصمة الأوكرانية كييف أمام هياكل محترقة لآليات روسية معروضة في قلب المدينة كغنائم حرب، يجيب عن أسئلة الصحفيين في زيارته العاشرة لأوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي. كان غراهام قد التقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اليوم نفسه، وأعلن اتفاقا للمضي في حزمة عقوبات جديدة على روسيا، وقال -في ما سيصير آخر تصريح علني في حياته- إن ثمة "أشياء يمكننا فعلها على الجبهة للبناء على قدرة أوكرانيا الفتاكة في حماية نفسها من هجمات الصواريخ الباليستية الروسية" وأن هذه أفضل فرصة يراها [لهزيمة روسيا] منذ بدأ يأتي إلى هذه المدينة.
بعد 24 ساعة تقريبا، في نحو الساعة 8:30 من مساء السبت بتوقيت واشنطن، استجاب المسعفون لبلاغ عن رجل يشكو آلاما في صدره في منزل بحي كابيتول هيل في قلب العاصمة. وفي الساعة 3:21 من فجر الأحد، كتب الرئيس الأمريكي على منصته "تروث سوشيال": "السيناتور ليندسي غراهام، أحد أعظم من عرفت من الناس ومن أعضاء مجلس الشيوخ، قد مات! كان يعمل دوما، وكان أمريكيا وطنيا حقيقيا. سنفتقد ليندسي كثيرا!!!".
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
السيناتور ليندسي غراهام (يمين) والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما

في كييف، قبل وفاة الأول بيوم واحد (الفرنسية)

بثلاث علامات تعجب في الثالثة والثلث فجرا رثى القرش سمكة الزامور، لكن ترمب لم يكن القرش الوحيد في حياة ليندسي غراهام. قبل 8 سنوات من هذا الفجر، في صيف 2018، وقف غراهام في قاعة مجلس الشيوخ يؤبن القرش الأول الذي سبح بجانبه طويلا، السيناتور جون ماكين، صديقه الأقرب وأستاذه ورفيق أسفاره، فخنقته العبرة أمام الكاميرات حتى تعذر عليه إتمام الجمل. لكن غراهام لم يلبث أن أمضى السنوات التالية على ملاعب الغولف إلى جوار ترمب، الرجل الذي سخر علنا من أسر ماكين في حرب فيتنام، والذي واصل التهكم عليه حتى بعد موته. فأي رجل هذا الذي تتسع سياساته وتنثني أخلاقياته لكلا المشهدين؟
"ترمب لم يكن القرش الوحيد في حياة ليندسي غراهام"
الجواب السهل، الذي كرره خصومه حتى فقد معناه، هو النفاق السياسي. لكن النفاق تفسير كسول؛ فالمنافق يعرف موقع مصلحته ويتنكر لها في العلن. أما غراهام فكان شخصية أكثر ندرة وأشد إثارة للقلق، كان سياسيا بلا مركز ثقل داخلي، لا يطفو إلا مشدودا إلى جسم أكبر منه. هذه الفرضية -فرضية سمكة الزامور- ليست حكما مسبقا على السيناتور الراحل؛ بل نمط تكرر بطول مسيرته، أما الحكم النهائي على هذه المسيرة، فليس أمرا بسيطا أو سهلا.

اليتيم يدير قاعة البلياردو
"يحزنني رحيل السيناتور ليندسي غراهام. لقد كانت حياته مغامرة استثنائية. صعود من البدايات المتواضعة… إلى أن غدا واحدا من أقوى رجال الدولة في زماننا وأشجعهم"
بواسطة توم براك، السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق
تبدأ الحكاية في بلدة سنترال بولاية ساوث كارولاينا، في مبنى واحد جمع مطعما وحانة وقاعة بلياردو ومتجر خمور اسمه "مقهى سانيتاري"، كان يديره فلورنس جيمس غراهام وزوجته ميلي. في الطابق العلوي ولد ليندسي أولين غراهام في 9 يوليو/تموز 1955. كان في الحادية والعشرين حين توفيت أمه، قبل سنة واحدة من موت أبيه. وجد الشاب نفسه، وهو بعد طالب جامعي، وصيا قانونيا على شقيقته دارلين ذات الـ13 عاما، ومسؤولا عن المحل الذي كان مصدر رزق العائلة الوحيد.
كان غراهام قد التحق بالفعل، وهو طالب في المرحلة الجامعية، ببرنامج الضباط الاحتياطيين التابع سلاح الجو، فلما ماتت أمه ثم أبوه بات مقيدا بأخته الصغرى. هنا جاء الاستثناء العسكري الذي سيصوغ بقية حياته عندما سمح له سلاح الجو بإتمام دراسته قريبا من البيت في جامعة ساوث كارولاينا في كولومبيا، بدل أن يرسله بعيدا. تخرج فيها بشهادة بكالوريوس في علم النفس عام 1977، ثم نال شهادة الحقوق (الدكتوراه في القانون) من كلية الحقوق بالجامعة نفسها عام 1981.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ليندسي غراهام رفقة شقيقته دارلين (يسار) عام 2015 (أسوشيتد برس)

وبتخرجه عين ضابطا في هيئة القضاء العسكري بسلاح الجو عام 1982، وبدأ خدمته الفعلية باعتباره محامي دفاع عسكري في قاعدة شو الجوية بولايته. ثم نقل إلى ألمانيا، إلى قاعدة راين-ماين الجوية قرب فرانكفورت، حيث خدم 4 سنوات (1984–1988) بصفتين متناقضتين: مدعيا عاما رئيسيا لسلاح الجو في أوروبا حينا، ومحامي دفاع حينا آخر. فالرجل الذي سيقضي حياته السياسية مرافعا عن مواقف لم يخترها، تدرب على المرافعة عن الطرفين معا داخل المحكمة العسكرية الواحدة.
ثم انتقل بعد خدمته الفعلية إلى الحرس الوطني الجوي فالاحتياط، خدمة امتدت أكثر من 33 عاما، تقاعد في ختامها برتبة عقيد عام 2015. لم يتزوج قط، ولم ينجب، وهو ما طبع حياته الشخصية بالغموض وأحيانا بشائعات الفضائح عن ميوله. وحين أعلن ترشحه للرئاسة بعد 4 عقود، كانت دارلين هي من قدمته إلى الجمهور، بجملة قالت عنها الصحافة يومها إنها أرادت بها إظهار "جانبه الأرق": "إنه أخ وأب وأم في شخص واحد". وبعد وفاته، دفع ترمب علنا نحو توريث دارلين مقعده في مجلس الشيوخ، وهو ما حدث بالفعل.

"الصبي الذي فقد كل من كان يحميه في غضون 15 شهرا أمضى بقية عمره حريصا على ألا يقف في العراء ثانية"
ليس من شأن هذا المقال أن يمارس التحليل النفسي لشخصية غراهام، لكن من شأنه أن يشير إلى حقيقة قد يكون لها قدرة كبيرة على تفسير مواقفه، فالصبي الذي فقد كل مَن كان يحميه في غضون 15 شهرا أمضى بقية عمره حريصا على ألا يقف في العراء ثانية. انضوى تحت جناح المؤسسة العسكرية أولا، ثم المؤسسة الحزبية، ثم رجل بعينه، ثم رجل آخر نقيضه تماما. تغير الرعاة وتبدلت مبادئهم بل وانقلبت، وبقي الثابت الوحيد هو حاجة غراهام إلى راع. هذه ليست قراءة في نواياه؛ إنها خلاصة حياته الطويلة التي يمكن اختصارها في مواقف قصيرة جدا.


من قاعة البلياردو إلى قاعة المحكمة العسكرية، تعلم غراهام مهارتين ستلازمانه طوال حياته: أن يقرأ الناس، في الهزل والجد، وأن يرافع دفاعا عن موقف لم يختره ولم يتبناه قبل ذلك. فالمدعي العسكري، بحكم كونه جهة الاتهام، يبحث عن كيف يكسب القضية، ويبقى سؤال ما إذا كانت القضية عادلة هامشيا في أغلب الأحيان. على أن قاعة البلياردو علمته شيئا ثالثا وهو الكاريزما الشخصية. فالصبي الذي أدار طاولات اللعب والشراب لزبائن بلدة صغيرة تعلم أن يضحك الجميع، وظل حتى وفاته -بشهادة خصومه قبل أصدقائه- من أخف أعضاءمجلس الشيوخ ظلا وأوسعهم صداقات عبر المقاعد الحزبية؛ وقد وصفته التأبينات المتدفقة من الحزبين بأنه "أطرف رجل في المجلس".
هذه الجاذبية ليست هامشية في قصة غراهام، إنها أداة عمل السياسي الذي لا يملك أنيابا، فهو يعيش بقدرته على أن يكون مرغوبا لدى من يملكون هذه الأنياب. وحين دخل مجلس النواب عام 1995 جاءته الشهرة من الدور الذي أتقنه في المحاكم العسكرية: مدعيا، هذه المرة في محاكمة عزل الرئيس بيل كلينتون عام 1999، ومع دخوله مجلس الشيوخ عام 2003، حمل معه هذه العدة كاملة، وكان ينقصه شيء واحد فقط: القضية نفسها. وسرعان ما وجد مَن يمنحه إياها.


حقبة ماكين: السيناريو المستعار


دخل غراهام مجلس الشيوخ في يناير/كانون الثاني 2003، قبل شهرين من غزو العراق، يحمل صفحة شبه بيضاء في السياسة الخارجية. وخرج من عقده الأول فيه واحدا من أشهر صقور واشنطن. كان عنوان هذا العقد هو السيناتور جون ماكين.
ولفهم ما فعله ماكين بغراهام، لا بد من فهم من كان جون ماكين. كان الرجل، حين التقيا، أسطورة حية في السياسة الأمريكية، فهو طيار بحري من سلالة أدميرالات، أسقطت طائرته فوق هانوي في أكتوبر/تشرين الأول 1967 فكسر ذراعيه ورجله، وقضى 5 سنوات ونصفا أسير حرب منها 3 سنوات ونصف في الحبس الانفرادي، يُضرب ويُعذب. وحين اكتشف آسروه أن أباه قائد القوات الأمريكية في المحيط الهادئ وعرضوا عليه إطلاقا مبكرا لأغراض الدعاية، رفض ما لم يُفرَج عمن سبقوه من الأسرى حسب القانون العسكري.
من هذه التجربة خرج ماكين إلى مجلس الشيوخ عن ولاية أريزونا عام 1987، وصار "المتمرد" (the maverick) الذي يخرج على حزبه، ومرشح الجمهوريين للرئاسة عام 2008. كان ماكين هو الرجل الذي بنيت شخصيته كلها على لحظة رفض فيها النجاة الرخيصة. وكان غراهام، الذي بنى حياته كلها على تفادي أي لحظة من هذا النوع، قد وجد فيه بالضبط ما يبحث عنه منذ قاعة البلياردو: قرشا يسبح وحده بلا خوف.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ليندسي غراهام (يسار) يرتدي زي القوات الجوية الأمريكية أثناء زيارة للعراق عام 2007 (الموقع الرسمي للقوات الجوية الأمريكية)

صار الرجلان، ومعهما السيناتور جو ليبرمان، ثلاثيا عُرف في المدينة باسم "الأصدقاء الثلاثة" (The Three Amigos): يسافرون معا إلى بغداد وكابل، ويصوتون معا، ويطلون على شاشات الأحد معا. أيد غراهام غزو العراق بلا ذرة تردد، ثم صار من أشد المدافعين عن الحرب في أحلك سنواتها، ودفع بقوة نحو "زيادة القوات" عام 2007، بل كان يقضي فترات خدمته الاحتياطية القصيرة في العراق نفسه. وحين اشتعل الربيع العربي عام 2011، كان غراهام وماكين في طليعة من دفعوا نحو التدخل في ليبيا، ونحو تسليح المعارضة السورية بعدها.
"كان غراهام يحمل نسخة كاملة من شخصية ماكين السياسية، بما فيها نزعته المتمردة داخل الحزب"
في كل تلك المواقف كان موقع غراهام يبدو كما لو كان "قناعة مستعارة" من غيره، وأوضح دليل هو تحولات الرجل. ففي حقبة ماكين، لم يكن غراهام صقرا فحسب؛ بل كان يحمل نسخة كاملة من شخصية ماكين السياسية، بما فيها نزعته "المتمردة" داخل الحزب. عمل عبر الصفوف الحزبية على تشريعات المناخ حين كان ذلك كفرا بالحزب الجمهوري، وخاض معركة الإصلاح الشامل للهجرة التي كادت تكلفه مقعده في ولاية محافظة، ودافع عن حظر التعذيب مستندا إلى خبرته القانونية العسكرية. كل تلك النقاط كانت بنودا في مشروع ماكين، وحين مات في أغسطس/آب 2018، لم يمت مشروعه وحده؛ بل ماتت نسخته التي حملها غراهام.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
جون ماكين (يسار) وليندسي غراهام، عقب اجتماعهما مع باراك أوباما في البيت الأبيض
لمناقشة التدخل الأمريكي في سوريا بتاريخ 2 سبتمبر/أيلول 2013 (رويترز)


تبخرت تشريعات المناخ من خطاب غراهام، وصار يطالب بقصف غزة بالقنابل النووية وإغراق قوارب المتضامنين مع الفلسطينيين ضد الإبادة بعد أن كان يطالب بحظر التعذيب، وانقلب على إصلاح قوانين الهجرة انقلابا كاملا حتى صار يقول عن المحتجزين في مراكز الاحتجاز الحدودية عام 2019 إنه "لا يبالي إن بقوا في هذه المنشآت 400 يوم". عندما كنا نرى غراهام بجوار ماكين، كان يبدو كما لو كان مقتنعا بكل حرف يقوله، لكن الشجرة التي بدت راسخة لم تصمد موسما واحدا بعد ماكين، ربما لأن جذورها لم تكن يوما في أرض غراهام.
في هذه الحقبة أيضا تشكلت علاقة غراهام بالمنطقة العربية بوصفها رقعة شطرنج لتمدد الإمبراطورية. فرأى العراق بوابة لاحتواء إيران، ولم يكن يرى في سوريا إلا جبهة استنزاف أو قاعدة لحماية إسرائيل، وتقلبت مواقفه تجاه دول المنطقة كلها تقريبا بحسب مشروع "القرش" الذي يتبعه. كانت هذه اللغة نفسها لغة ماكين، بحذافيرها ومجازاتها. كان غراهام تلميذا نجيبا إلى درجة أن أحدا لم يفكر في أن يسأل، ماذا يملك هذا الرجل لقوله إذا غاب من يملي عليه أفكاره.

المرشح الرئاسي الذي لم يره أحد

في يونيو/حزيران 2015، وعلى مسرح في بلدته سنترال، أعلن غراهام ترشحه لرئاسة الولايات المتحدة، وقدمته شقيقته دارلين. كان الرجل يسوق لنفسه باعتباره أحد أكثر أعضاء مجلس الشيوخ خبرة في الملفات الخارجية، وقد حارب العراقيين والجهاديين والإيرانيين -عن بُعد- كما أنه يحمل إرث ماكين. لكن الناخب داخل الحزب الجمهوري لم ير فيه مرشحا جادا، فظل قابعا في ذيل الاستطلاعات عند حدود الواحد في المئة أو دونه، ولم يبلغ منصة المناظرات الرئيسية قط، وبعد 6 أشهر، وقبل الانتخابات التمهيدية، انسحب في ديسمبر/كانون الأول 2015.

وفي تلك الحملة وقعت حادثة صغيرة تصلح وحدها نبوءة بكل ما سيأتي. حين وصف غراهام ترمب في يوليو/تموز 2015 بأنه "أحمق"، رد ترمب من على منصة تجمع انتخابي في ساوث كارولاينا نفسها، ولاية غراهام، بأن أخرج ورقة وأملى على الحشد رقم هاتف غراهام الشخصي، داعيا الناس إلى الاتصال به. أما رد غراهام على هذا "الإذلال العلني" فكان مقطع فيديو هزليا يحطم فيه هاتفه بساطور وعصا بيسبول. لم يكن في الرد غضب ولا مواجهة؛ كان ترويضا للمهانة وتحويلها إلى مادة للتسلية فيما بدا التمرين الأول لعضلة سيحتاجها الرجل كثيرا في السنوات التالية.
أثبتت هذه التجربة – لغراهام قبل غيره – أنه لا يستطيع أن يكون القرش. الرجل الذي أتقن السباحة في ظل ماكين قدم نفسه للسباحة في المحيط المفتوح قبل أن يدرك أنه لن يعدو قدره. وفي أثناء تلك الحملة البائسة، قال غراهام عن دونالد ترمب، الرجل الذي كان يبتلع حزبه أمام عينيه: "إنه محرض عنصري، كاره للأجانب، متعصب دينيا"، قالها لشبكة "سي إن إن" مع انسحابه من السباق الرئاسي في ديسمبر/كانون الأول 2015، وأتبعها: "أتعرفون كيف تعيدون لأمريكا عظمتها [في اقتباس لشعار ترمب]؟ قولوا لدونالد ترمب أن يذهب إلى الجحيم".
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ليندسي غراهام، يقف إلى جانب شقيقته دارلين، عقب إعلانه رسميًا خوضَ سباق الترشح الرئاسي عام 2016 (رويترز)


وفي فبراير/شباط 2016 وصف حال حزبه بأنه "جنون مطبق"، ووصف ترمب بأنه "معتوه ومجنون، وغير مؤهل للرئاسة". ثم كتب على حسابه في الثالث من مايو/أيار 2016، قبل يوم واحد من المسيرة التي انتهت بترمب كمرشح الحزب الجمهوري للرئاسة، التغريدة التي لم يحذفها قط: "إذا رشحنا ترمب فسوف نفنى … وسنكون قد استحققنا ذلك".
"وصف غراهام ترمب عام 2016 بأنه معتوه ومجنون وغير مؤهل للرئاسة"
مَن يقرأ هذه النصوص بمعزل عن سياقها يظنها صادرة عن رجل صاحب موقف صارم في معارضة ترمب وكل ما يمثله. لكنها قيلت كلها والقرش القديم – جون ماكين – حيا يقود جبهة الرفض، عندما كان غراهام يسبح في ظله كالعادة. لكن الحقيقة أن غراهام لم يستعر من ماكين قناعاته فحسب، بل شجاعته أيضا. وحين مات، ماتت معه قناعات غراهام وشجاعته.
في هذا العام، اكتشف السياسي غراهام أنه غير قابل للانتخاب خارج ولايته فقرر أن يعود إلى قاعدته الأولى التي عاش بها طيلة حياته السياسية. لقد أدرك أنه لن يكون الملك، فليكن إذن أقرب الجالسين إلى الملك، أيًا كان الملك. هذا التعريف الوظيفي للذات هو مفتاح فهم معظم مواقفه.

صقر هرمجدون

بالكاد يمكن لأحد أن يحصي كم مرة بدل ليندسي غراهام مواقفه، وكم مرة أبدى مواقف متناقضة تجاه العديد من دول المنطقة بما يشمل تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية. دولة واحدة في المنطقة فقط لم يظهر غراهام أي تردد أو تناقض تجاهها هي إسرائيل.
على مدى عقدين في مجلس الشيوخ، لم يكن للفلسطينيين وجود في معجم غراهام إلا بوصفهم مشكلة أمنية لإسرائيل. لم يقف مرة موقف من يرى في الفلسطينيين شعبا ذا حقوق، كانوا دائما متغيرا تابعا في معادلة أمن إسرائيل أو حرب إيران أو الانتخابات الأمريكية. غير أن 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما بعده نقل هذا الغياب من باب الإهمال إلى باب التنظير العلني، المؤرَّخ والمتلفز، من أجل إبادة أكثر من مليوني إنسان.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بنيامين نتنياهو (وسط) وليندسي غراهام (يمين) وسفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل ديفيد

فريدمان، خلال زيارتهم لمرتفعات الجولان السورية التي تحتلها إسرائيل عام 2019 (أسوشيتد برس)

في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفيما كانت الغارات الإسرائيلية تدك كل شبر من قطاع غزة، قال غراهام على شاشة فوكس نيوز، ثم أعاد هو نفسه نشر المقطع على حسابه مفتخرا: "نحن في حرب دينية هنا، وأنا مع إسرائيل. افعلوا كل ما يلزم -بحق الجحيم- للدفاع عن أنفسكم. سوّوا المكان بالأرض".
في اليوم التالي وصف حقوقيون أمريكيون العبارة بأنها "تحريض على الإبادة الجماعية"، وكتبت النائبة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز أن هذا "خطاب تطهير عرقي لا يمكن قبوله في أي مجتمع متحضر". لم يتراجع غراهام حرفا. بل قال في نهاية الشهر نفسه إنه ما من عدد من الضحايا المدنيين في غزة سيجعله يشكك في الحرب. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، لم يعد معنيا بفصل حماس عن "المدنيين"، فقال على شاشة "سي إن إن": "أكثر الناس تطرفا على هذا الكوكب يعيشون في قطاع غزة… لقنوا منذ الولادة قتل الناس وكراهية اليهود"، وكانت تقديرات الضحايا وقتها أن الأطفال في غزة يمثلون نحو 40٪ من القتلى. وفي مارس/آذار 2024 قال إن "على أحد أن يقتلع نظام التعليم الفلسطيني من جذوره ويدمره".


ثم جاء ربيع 2024، وجاء معه المجاز الذي سيلتصق باسمه إلى الأبد. في الثامن من مايو/أيار، وفي جلسة استماع رسمية، صرخ غراهام في وجه وزير الدفاع آنذاك لويد أوستن ورئيس هيئة الأركان المشتركة تشارلز براون: "أتُملون على إسرائيل كيف تخوض الحرب؟… أعطوا إسرائيل ما تحتاجه لخوض الحرب. هذه هيروشيما وناغازاكي بجرعة مضاعفة". وبعد أربعة أيام، في 12 مايو/أيار، كرر المجاز وقدم حجته كاملة غير منقوصة بالقول: "ونحن نقاتل الألمان واليابانيين، قررنا إنهاء الحرب بقصف هيروشيما وناغازاكي بالسلاح النووي. كان ذلك هو القرار الصائب. أعطوا إسرائيل القنابل التي تحتاجها لإنهاء الحرب".
"طالب غراهام إسرائيل علنا بضرب غزة بالسلاح النووي، ودعا الولايات المتحدة لمنحها ما يلزم لحسم الحرب"
وحين حاولت المذيعة مقاطعته أجاب بسؤاله هو: "لماذا كان مقبولا أن تلقي أمريكا قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي لإنهاء حربها الوجودية؟ ظننتُ أنه كان مقبولا. يا إسرائيل: افعلي كل ما يلزم لتبقي الدولة اليهودية. كل ما يلزم".
جاء هذا التحريض من غراهام والجيش الإسرائيلي يتقدم نحو رفح، أقصى جنوب القطاع، حيث احتشد أكثر من مليون نازح حذرت الأمم المتحدة من أن اجتياح ملاذهم الأخير يضعهم "في خطر موت وشيك". وكان الجدل الذي هاجم غراهام بسببه إدارة بايدن يدور تحديدا حول شحنة من قنابل "مارك 84" زنة ألفي رطل، الواحدة منها قادرة على تسوية مربع سكني كامل، بعدما أقر بايدن نفسه بأن "مدنيين قتلوا في غزة نتيجة تلك القنابل"، وبعد أيام من تقرير قدمته إدارته إلى الكونغرس خلص إلى أن استخدام إسرائيل للأسلحة الأمريكية في غزة انتهك القانون الإنساني الدولي. في هذا السياق اختار غراهام أن يستدعي هيروشيما بوصفها "القرار الصائب"، وأن يصف الجنرالات المتحفظين بأنهم "مليئون بالهراء".
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ليندسي غراهام في مؤتمر صحفي في مايو/أيار 2024 لإدانة قرار إدارة بايدن حجب
بعض الأسلحة عن إسرائيل (موقعه الرسمي)


على إثر ذلك، أرسلت منظمة "نيهون هيدانكيو" اليابانية، رابطة الناجين من القنبلتين، الحائزة لاحقا على جائزة نوبل للسلام، رسالة احتجاج إلى السفارة الأمريكية في طوكيو تطالب بسحب التصريحات، وأدان عمدتا هيروشيما وناغازاكي كلام غراهام في مؤتمرين صحفيين منفصلين في السادس عشر من مايو/أيار. ومع ذلك، لم يتراجع غراهام حرفا. بل حين تظاهر محتجون أمام منزله في ساوث كارولاينا في يوليو/تموز 2024، كتب على حسابه: "الفلسطينيون في غزة هم أكثر سكان الكوكب تطرفا"، وأضاف قائلا إنه حين يسمع كلمة "من البحر إلى النهر" (الشعار المعبر عن كامل أراضي فلسطين) يتذكر مباشرة "الحل النهائي" (خطة النازيين لإبادة اليهود).
وليست هذه أقوال لحظة هياج شاذة عن صاحبها، بل امتداد لخيط يمكن تتبعه في سجله إلى ما قبل غزة بسنين طويلة. ففي أغسطس/آب 2012، لخص غراهام لصحيفة واشنطن بوست نظريته في السياسة الأمريكية الداخلية بجملة صارت مضرب مثل في عنصريتها: "نحن نخسر سباق الديموغرافيا خسارة فادحة. نحن لا ننتج ما يكفي من الرجال البيض الغاضبين لنبقى في هذا العمل على المدى الطويل". هذه المفاصلة بين الرجال البيض الغاضبين وبقية العالم كانت المشكاة التي خرجت منها تصريحاته في غزة عن الحرب الدينية التي يجب أن تنتهي بقنبلة نووية.
"لم تكن علاقة غراهام بإسرائيل عقيدة معلنة فحسب، بل كانت أيضا بنية تمويلية"
ولم تكن علاقة غراهام بإسرائيل عقيدة معلنة فحسب؛ كانت أيضا بنية تمويلية. فمنصة "أيباك"، لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، لم تكن مجرد منبر يخطب عليه سنويا، بل كانت جزءا من الشبكة التي موّلت بقاءه في مقعده 23 عاما. خلال عام 2025-2026 وحده تلقى غراهام أكثر من 444 ألف دولار من أيباك والأفراد والمنظمات المرتبطين بها وفق بيانات منظمة "أوبن سيكرتس". في الحقيقة، كان هذا النمط بارزا طوال مسيرته تقريبا، ففي دورة انتخابات 2020 وحدها، وهي أشرس معارك غراهام الانتخابية، بلغت التبرعات الواردة إليه من الفئة المصنفة "مؤيدة لإسرائيل" نحو 460 ألف دولار، جاء الجزء الأكبر منها من أفراد لا من لجان منظمة. وكان "التحالف اليهودي الجمهوري" أكبرَ مصدر منفرد لتبرعات حملته في تلك الدورة على الإطلاق.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ليندسي غراهام خلال مؤتمر للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) في واشنطن (أسوشيتد برس)


غير أن الرقم الأشد دلالةً في تلك الحملة ليس رقمًا إسرائيليًا. فمن أصل خزينةٍ انتخابية بلغت 55 مليون دولار، جاء 86٪ من تبرعات غراهام من خارج ساوث كارولاينا. أي أن الرجل الذي يمثل ولاية في الجنوب الشرقي كان يُموَّل، في الأساس، من مكانٍ آخر، وربما من أجل شيء آخر. لم يكن مطلوبا منه فقط أن يخدم ناخبيه في مدن ولايته بقدر ما كان مطلوبا أن يظل الصوتَ المسموع في الملفات التي تهم مموّليه في نيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس بشأن إسرائيل، وإيران، والإنفاق العسكري.
لقد أمضى غراهام، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي يترأس اللجان ويستقبل الرؤساء الملوك، السنوات الأخيرة من حياته في البناء العلني والمنهجي لحجج قانونية وأخلاقية تبرر لإفناء سكان محاصرين تحت احتلال وحشي، عن طريق القياس المتكرر على أكبر عمليات القتل الجماعي للمدنيين في تاريخ الحروب الحديثة، وبتجريد السكان جميعا، أطفالهم قبل كبارهم، من البراءة والإنسانية تمهيدا لذلك. قد يبدو الحكم هنا صارما وقطعيا أكثر من اللازم، لكن النصوص لا تسمح، بوفرتها وتواريخها وإصرار صاحبها عليها، بقراءة أرق من هذه.

الدليل المضاد

تعد سوريا مثالا آخر على التزام غراهام تجاه إسرائيل، وبرهانا أخيرا على تقلباته السياسية في الوقت نفسه. على مدى عقد من الثورة، ظهرت سوريا في خطاب ليندسي غراهام باعتبارها قضيته الأثيرة، فهي تجمع القضيتين اللتين حملهما أثيرا طوال مسيرته: أمن إسرائيل وحرب إيران. ظل غراهام على مدار سنوات يلح على الإدارات الأمريكية من أجل إسقاط بشار الأسد. طالب بذلك في عهد إدارة أوباما وفي عهد ترمب، وهاجم الحزبين لتهاونهما فيها. لكن مآسي الشعب السوري لم تكن سوى بيدق في حرب غراهام على رقعة الشرق الأوسط.
تصريحاته كلها دليل على ذلك. ففي 2015 قال إن الأسد يجب ألا يبقى لأنه "دمية بيد إيران". وفي بيانه الرسمي في مارس/آذار 2017، حين ترددت أنباء عن تخلي إدارة ترمب عن هدف إسقاط الأسد، حذر من أن بقاءه "مكافأة عظيمة لروسيا وإيران". وفي 2018 لخص عقيدته في شمال شرق سوريا بأن الوجود الأمريكي هناك "بوليصة تأمين" تضمن ألا "تزحف إيران من طهران إلى بيروت". في كل هذه النصوص، يظهر السوريون بوصفهم مسرحا تُدار فوقه معركة احتواء طهران، ولا يظهرون مرة واحدة بوصفهم أصحاب القضية.
"مآسي الشعب السوري لم تكن سوى بيدق في حرب غراهام على رقعة الشرق الأوسط"
والبرهان القاطع على ذلك قدمه غراهام بنفسه في الأسبوع الأخير من حياته. ففي يناير/كانون الثاني 2026، أثناء فرض الحكومة السورية سيطرتها على مناطق هيمنة قوات سوريا الديمقراطية الكردية، تعهد غراهام بأن يفعل "كل ما في وسعه لإحياء عقوبات قانون قيصر وجعلها أشد سحقا للعظام" وقدم تشريعا يعاقب الحكومة السورية ويعيد تصنيف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية. ثم قبل وفاته بثلاثة أيام، في 8 يوليو/تموز 2026، وعلى هامش قمة الناتو، جلس في أنقرة وجها لوجه مع الرئيس السوري أحمد الشرع ضمن وفد من مشرعي الحزبين، في اليوم نفسه الذي أبلغت فيه إدارة ترمب الكونغرس عزمها إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.
وخرج غراهام من اللقاء ببيان قال فيه إن من مصلحة الأمن القومي الأمريكي العمل مع الشرع و"منحه فرصة ليرى إن كان قادرا على بناء حكومة دائمة فاعلة في سوريا"، وإن الشرع "يمثل أفضل فرصة لسوريا موحدة فاعلة". فبأي حجة برر الانقلاب الأخير في حياته السياسية؟ هل برره بمصلحة الشعب السوري الذي عانى الأمرين لعقود؟ لا، فهو لم يعرف سوى حجة واحدة لخصها بالقول: "أتفهم مخاوف إسرائيل تماما، لكن الرئيس الشرع كان شوكة حقيقية في خاصرة إيران. لقد قلص نفوذ إيران في سوريا تقليصا هائلا… آن الأوان للاعتراف بما فعله بشأن إيران".
إن الثابت الوحيد في اهتمامه بالملف السوري، من الأسد إلى الشرع، هو أن سوريا لم تكن يوما هي الموضوع.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
صورة من لقاءٍ سابق جمع السيناتور ليندسي غراهام (الرابع من اليسار) بوفد من الناشطين

والمسؤولين السوريين الأمريكيين. نشر الصورةَ محمد علاء غانم، مستشار المجلس السوري
الأمريكي، معلقا عليها بنص بيان غراهام الذي أعلن فيه تحوله عن موقفه السابق تجاه دمشق (حساب محمد علاء غانم على إكس)


يبقى الملف الاستثناء في مسيرة غراهام هو أوكرانيا. للحق، فإن قناعة السيناتور الراحل بمواجهة روسيا سبقت ترمب بسنوات، وتحدت القاعدة الانعزالية لحركة
"ماغا" في أوج سطوتها، واستمرت حتى ساعاته الأخيرة حرفيا. لقد زار الرجل كييف عشر مرات خلال الحرب، وحمل مشروع العقوبات ضد روسيا عبر الكونغرس وأمام الرئيس، وأعلن قبل وفاته بيوم واحد اتفاقا مع الإدارة للمضي فيه. ورثاه زيلينسكي بوصفه رجلا "كان هنا مع شعبنا حين كانت الحاجة إليه أشد"، وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية إنه "قاتل حتى النهاية لدعم معركة أوكرانيا من أجل الحرية". هذه قناعة أصيلة، ورثها عن ماكين نعم، لكنه حملها بعده 8 سنوات كاملة في مناخ حزبي معاد لها. لقد كان مشروع العقوبات الأخير ضد روسيا آخر ظهور لشبح ماكين في حياة غراهام.
لقد قال المحلل الجيوسياسي مايكل هورويتز لشبكة "إن بي سي" في نعيه: "في حقبة ترمب، تحول نفوذ غراهام من صياغة إجماع واسع في مجلس الشيوخ إلى صياغة غرائز ترمب نفسه، مستخدما الولاء والتملق لإبقاء المواقف المتشددة بشأن إيران وأوكرانيا وسوريا حاضرة في الغرفة". ربما كان لغراهام قناعة صادقة بشأن أوكرانيا مثلا، لكن هذا في المحصلة يؤكد القاعدة ولا ينفيها، ففي ترمب وجدت سمكة الزامور قرشا يسبح، مصادفة، في الاتجاه الذي تريده.
وقد كان في حياة غراهام ليلة واحدة بدا فيها أن القاعدة ستكسر.

السادس من يناير: الاستسلام الأخير

لكي نفهم ما جرى في تلك الليلة، لا بد من العودة إلى اللحظة التي اشترى بها غراهام عضويته في عالم ترمب. ففي الداخل الأمريكي، لم تكن قوة غراهام في القوانين نفسها بل في مقعده بلجنة القضاء في مجلس الشيوخ، وهي بوابة تعيين القضاة الفيدراليين وقضاة المحكمة العليا.
وعلى هذا المقعد كان قد بنى سمعته القديمة بجانب ماكين، فقد صوت لمرشحتي أوباما للمحكمة العليا بذريعة أن الكفاءة تعلو على الأيديولوجيا. ثم جاء 27 سبتمبر/أيلول 2018 -بعد 3 أسابيع فقط من دموعه في وداع ماكين- فانفجر غراهام في جلسة تثبيت القاضي بريت كافانو، الذي كانت تلاحقه اتهامات بالاعتداء الجنسي، صارخا في وجه الديمقراطيين: "هذه أكثر مسرحية لاأخلاقية شهدتها منذ دخلت السياسة… أنتم تريدون السلطة، وأرجو الله ألا تنالوها أبدا". صنعت هذه المداخلة من غراهام نجما لدى قاعدة ترمب التي طالما ارتابت فيه، ووصفها ترمب بعد وفاته بأنها "أعظم لحظاته".
في مساء 6 يناير/كانون الثاني 2021، وبعد ساعات من اقتحام أنصار ترمب مبنى الكابيتول لتعطيل التصديق على فوز جو بايدن، عادت الجلسة المشتركة للانعقاد، ووقف غراهام -حليف ترمب طوال 4 سنوات- ليلقي من قاعة مجلس الشيوخ كلمة لمدة خمس دقائق قال في بعضها: "ترمب وأنا خضنا معا رحلة جهنمية. أكره أن تنتهي على هذا النحو. يا إلهي كم أكره ذلك. من وجهة نظري كان رئيسا ذا شأن، لكن اليوم… كل ما أستطيع قوله: أخرجوني من حساباتكم. كفى يعني كفى".
ومضى أبعد من ذلك: "لقد دعوت الله لكي يخسر جو بايدن. لقد فاز. إنه الرئيس الشرعي للولايات المتحدة… جو بايدن وكامالا هاريس منتخبان قانونا وسيصبحان الرئيس ونائبة الرئيس في 20 يناير/كانون الثاني". وفي مؤتمر صحفي في اليوم التالي حمل صديقه المسؤولية: "يفطر قلبي أن صديقي، رئيسا ذا شأن، سمح بوقوع ما وقع أمس. لقد تمادى أكثر مما ينبغي".
"لو توقفت سيرة غراهام ليلة السادس من يناير، لصعدت شارة نهايته على أفضل ما يكون"
في فيلم "نائب" (Vice) الصادر عام 2018، الذي يروي سيرة نائب الرئيس الأمريكي الأسبق ديك تشيني، يلجأ المخرج آدم ماكاي إلى حيلة في منتصف الفيلم تماما. فبعد أن يعتزل تشيني الحياة السياسية في تسعينيات القرن الماضي منصرفا إلى حياة هادئة، تبدأ شارة النهاية بالصعود فعلا على الشاشة، وتخبرنا الأسطر المتحركة أن آل تشيني عاشوا بعدها سعداء بعيدا عن واشنطن. ثم يرن هاتف. على الطرف الآخر جورج بوش الابن يعرض عليه منصب نائب الرئيس، فتتمزق الشارة الزائفة، ويستأنف التاريخ الحقيقي مجراه.
لو توقفت سيرة غراهام ليلة السادس من يناير، لصعدت شارة نهايته هو الآخر على أجمل ما يكون: رجل وجد بوصلته الأخلاقية في خريف العمر، ووقف أمام حزبه كله ليقول "أخرجوني من حساباتكم". لكن في قصة غراهام، كما في فيلم ماكاي، كانت الشارة خدعة مع فارق واحد، في الفيلم، السلطة هي التي اتصلت بتشيني. أما غراهام، فبحسب رواية ترمب نفسه هو الذي رفع السماعة واتصل بالسلطة معتذرا. فقد روى ترمب بعد وفاته، أن غراهام اتصل به عقب ذلك الخطاب ليعتذر سريعا عن "اللحظة السيئة الوحيدة" في علاقتهما.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتحدث فيما يستمع إليه ليندسي غراهام على متن الطائرة الرئاسية

"إير فورس ون"، مشهدٌ تكرر في أكثر من مناسبة: غراهام في مكانه المعتاد، على مقربة من مصدر القرار، يصغي أكثر مما يتكلم (الفرنسية)


ما جرى بعدها كان "استسلاما كاملا". فلم تمض أسابيع حتى كان غراهام يرمم الجسور مع ترمب، الرجل نفسه الذي طلب أن يخرجه من حساباته، متنقلا بين ملاعب الغولف في فلوريدا وأروقة الدفاع عن ترمب، عائدا إلى موقعه القديم: أقرب الجالسين إلى الملك. وحين ألقى بايدن، في الذكرى الأولى للاقتحام، خطابا يحمل ترمب مسؤوليته، خرج غراهام -غراهام نفسه، صاحب "كفى يعني كفى"- يهاجم بايدن لأنه "سيس" السادس من يناير.
هل يمكننا تفسير هذا الموقف من غير تبرير؟ ربما إذا عدنا إلى فرضية سمكة الزامور والقرش الحامي. في يناير/كانون الثاني 2021 كان ماكين في قبره منذ عامين ونصف، وكانت مؤسسة الحزب الجمهوري القديمة التي احتمى بها غراهام 3 عقود قد جرفت من أساساتها على يد ترمب وتياره، وكان أمامه انتخابات تمهيدية في ولاية صارت قاعدتها ملكا خالصا لترمب.
للمرة الأولى منذ 2015، وجد غراهام نفسه أمام الخيار الذي أرعبه طوال حياته منذ أن كان في الثانية والعشرين: العراء.
وقد انشغلت الصحافة الأمريكية سنوات بلغز تحوله، حتى راجت نظرية مؤامرة تقول إن ترمب "يملك شيئا" يبتز به غراهام. لكن الصحفي ويليام ساليتان، الذي وضع في سيرة تحولهكتابا بعنوان "فساد ليندسي غراهام: دراسة حالة لصعود السلطوية"، خلص إلى أنه لم يكن ثمة سر ولا ضحية، بل رجل "تخلى عن مبادئه من أجل البقاء قريبا من مركز القوة، ودرء منافسي الحركة الترمبية في الانتخابات التمهيدية".
"فسر غراهام تحول موقفه تجاه ترمب بالقول: حين تلعب الغولف مع شخص ثلاث أو أربع ساعات تعرفه على نحو أفضل"
وقد سبق لغراهام أن شرح منطق هذا التحول حين سُئل عام 2018 عن سر انقلابه الأول على أقواله في ترمب، فأجاب بواقعية نادرة الصراحة: "أولا، تعرفتُ إليه. لعبت الغولف معه. حين تلعب الغولف مع شخص ثلاث أو أربع ساعات تعرفه على نحو أفضل. ثم أضاف قائلا إن الرئيس ينفذ ما طالب به هو في حملته، وإنه راضٍ. الغولف هنا ليست رياضة بالمعنى المعروف؛ إنها الحركة التي تؤديها سمكة الدليل حين تعود للالتصاق بجلد القرش من جديد.
لقد اختار غراهام ضريبة الخضوع على مخاوف العزلة، وواظب على الاختيار نفسه كل يوم في السنوات الخمس التالية. وفي واشنطن تحت سلطة ترمب الذي عاد ثانية، حصد ثمن الولاء كاملا بتولي رئاسة لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ، ومقعد المستشار غير الرسمي للرئيس في ملفات إيران وروسيا، ومقعدا دائما على متن الطائرة الرئاسية.
وبحسب ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، بلغ به الاندماج في دوره أن صار يدرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على "كيفية استمالة الرئيس ترمب" نحو ضرب إيران. سمكة الدليل ترشد الأسماك الأخرى إلى مزاج القرش. وحين اندلعت تلك الحرب فعلا، قال غراهام على شاشة فوكس نيوز في مارس/آذار 2026 جملة تعبر عن "المبادئ" التي يتبناها في هذه اللحظة: "حين يسقط هذا النظام سيكون لدينا شرق أوسط جديد، وسنجني طنا من المال". وعند تلك النقطة يحق لنا أن نتساءل: هل كان له أن يقول هذا التصريح في ظل ماكين؟!

إرث من الرماد

في أيامه الأخيرة، بدا غراهام في أوج ما يمكن لسمكة دليل أن تبلغه. رئيس لجنة الموازنة الذي أدار تمرير أضخم تشريعات الإدارة المالية عبر آلية "المصالحة"، الفائز لتوّه بالانتخابات التمهيدية لولاية خامسة، المسافر الذي جمع في أسبوع واحد قمة الناتو في أنقرة ولقاء الشرع وزيارة كييف وحطام الدبابات الروسية في جبهات القتال واتفاق العقوبات.
ثم جاء مساء السبت. في نحو السابعة، رن هاتف ترمب، كان غراهام يتصل من واشنطن، عائدا لتوّه من كييف، ليطمئن على الرئيس ويطلعه على رحلته. روى ترمب لاحقا أن صوت صديقه بدا "رائعا" لكنه قال إنه "متعب" من السفر. كانت تلك، على الأرجح، آخر مكالمة في حياة ليندسي غراهام: حتى في ساعته الأخيرة، كان آخر ما فعله هو الاطمئنان على القرش.
بعد المكالمة بنحو ساعة ونصف، استُدعي المسعفون إلى منزله في كابيتول هيل لرجل يشكو ألما في صدره. وحدد تقرير الطب الشرعي الأولي السبب: تسلخ في الشريان الأبهر ناجم عن تصلب في الشرايين، وهي من أعنف الميتات التي يعرفها الطب: يتمزق الجدار الداخلي لأكبر شرايين الجسد فيندفع الدم شاقا طريقه بين طبقاته، ويصفه الناجون القلائل بأنه "ألم تمزيقي مباغت يشق الصدر إلى الظهر". استمر هذا الألم لدقائق تتجاوز العشرين في حالة غراهام، قبل أن يموت.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
يرحل السيناتور ليندسي غراهام وحده بعد أن قضى عمره السياسي لا يفترق عن الأقوياء (رويترز)

وفي الصباح، كان رثاؤه يجوب أصقاع الأرض، زيلينسكي من كييف يودع "مدافعا حقيقيا عن الحرية"، ونتنياهو من القدس المحتلة يعلن أن "إسرائيل فقدت واحدا من أعظم أصدقائها"، ورضا بهلوي من واشنطن يقول إنه حزين لفقدان "صديق مخلص للشعب الإيراني"، ووزراء خارجية دول البلطيق يتعاقبون على التأبين، وترمب نفسه يكتب في الثالثة والثلث فجرا رثاءه بثلاث علامات تعجب. أما في حسابات الناس، فقد كانت وفاته لحظة احتفالية بالنسبة لمئات الآلاف على منصات التواصل الاجتماعي من كل أصقاع الأرض كذلك.
"أنفق غراهام حياته كاملة في شراء مقعد إلى جوار الأقوياء، وكان ثمن هذا المقعد يُدفع دائما، وحتى آخر لحظة، من حساب الضعفاء"
إن مسيرة غراهام ليست شذوذا فرديا بقدر ما هي أصدق مرآة لما جرى للحزب الجمهوري في ربع القرن الأخير: حزب تفسخت مبادئه بين محافظيه الجدد والانعزالية التي لا منطق وراءها سوى مزاج الزعيم. لم يعد هناك مجال في الحزب لقرش جديد أو حتى لسمكة كبيرة مستقلة. في هذا المحيط، كان غراهام أحد أمهر السباحين، وأكثرهم استعدادا لدفع كلفة السباحة بجانب القرش من استقلاليته أولا، ومن مبادئه المعلنة ثانيا، ومن أرواح الآخرين ثالثا ودائما.
عاش ليندسي غراهام إحدى وسبعين سنة، منها ثلاثون في الكونغرس، ولم يترك قانونا كبيرا يحمل اسمه، ولا أيديولوجية تُدرَّس، ولا معسكرا يواصل معركته. ترك بدل ذلك سجلا من الكلمات والمواقف التي إذا جمعناها فستجعل من عمره حياة قصيرة جدا. وإذا كان لا بد من ميزان أخير للتقييم، فليكن ميزان غراهام نفسه الرجل الذي قاس كل شيء بمعيار ألا يجلس وحده في العراء. لقد حصل ما أراد، لم يجلس وحده يوما واحدا.
غير أن فاتورة هذا الأنس المديد دفعتها غزة وبغداد وطهران ومئات آلاف الضحايا. هذه هي التركة والإرث الذي تركه غراهام. لقد أنفق حياته كاملة في شراء مقعد إلى جوار الأقوياء، وكان ثمن هذا المقعد يُدفع دائما، وحتى آخر لحظة، من حساب الضعفاء.

المصدر: الجزيرة نت

 

 


 

الباسل

يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية

   

رد مع اقتباس

إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:31 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
 

شبكـة الوان الويب لخدمات المـواقع