لماذا استغرقت المفاوضات كل هذه المدة؟
طول فترة التفاوض يكشف أن الاتفاق لم يكن سهلا على الإطلاق. فالطرفان دخلا المباحثات في مرحلة عالمية شديدة التعقيد:
تداعيات الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، الحرب في أوكرانيا، اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، التقلبات الحادة في أسواق الطاقة، والتنافس الدولي المتزايد على النفوذ الاقتصادي في الشرق الأوسط.
كما أن الاتفاق لم يكن بين بريطانيا ودولة واحدة، بل مع تكتل اقتصادي يضم ست دول ذات أولويات اقتصادية مختلفة، وهو ما جعل الوصول إلى صيغة موحدة عملية معقدة استغرقت سنوات من التفاوض الفني والسياسي.
ورغم التباينات السياسية التي شهدتها المنطقة الخليجية خلال السنوات الماضية، فإن الاتفاق أظهر أن المصالح الاقتصادية الإستراتيجية لا تزال قادرة على دفع دول المجلس نحو العمل الجماعي عندما يتعلق الأمر بالشراكات الدولية الكبرى.
بريطانيا تبحث عن عالم ما بعد "بريكست"
من الجانب البريطاني، يبدو الاتفاق جزءا من إستراتيجية أوسع لإعادة تموضع لندن اقتصاديا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
فالحكومة البريطانية تسعى منذ سنوات إلى إثبات قدرتها على بناء شراكات تجارية كبرى خارج الإطار الأوروبي، خصوصا مع المناطق التي تمتلك سيولة مالية مرتفعة ونموا اقتصاديا متسارعا مثل الخليج.
ولذلك جاء التركيز البريطاني واضحا على:
- توسيع الصادرات.
- دعم الخدمات المالية.
- تسهيل حركة البيانات.
- وزيادة حضور الشركات البريطانية في الأسواق الخليجية.
كما أن توقيت الإعلان يحمل دلالة سياسية داخليا، إذ تواجه الحكومة البريطانية ضغوطا اقتصادية متزايدة وتراجعا في الشعبية، ما يجعل الاتفاق يقدم باعتباره إنجازا اقتصاديا كبيرا قادرا على دعم صورة الحكومة داخليا.
إزالة الرسوم الجمركية عن قطاعات الغذاء والتقنيات الطبية تعكس أيضا اهتماما خليجيا متزايدا بالأمن الغذائي وتنويع مصادر الاستيراد في منطقة تعتمد بشكل كبير على الواردات
الخليج.. من سوق للطاقة إلى شريك اقتصادي عالمي
لكن قراءة الاتفاق باعتباره "مصلحة بريطانية" فقط تبدو قراءة ناقصة.
فالخليج نفسه تغيّر اقتصاديا خلال السنوات الأخيرة. دول المجلس لم تعد تتحرك فقط ضمن منطق تصدير الطاقة، بل ضمن رؤية أوسع تقوم على:
- تنويع الاقتصاد.
- جذب التكنولوجيا.
- التحول الرقمي.
- توسيع قطاع الخدمات.
- وتعزيز موقع المنطقة كمركز عالمي للتجارة والاستثمار.
ولهذا حمل الاتفاق بنودا لافتة تتجاوز التجارة التقليدية، خصوصا ما يتعلق بحرية تدفق البيانات والخدمات الرقمية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بطموحات الخليج في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتقنية المالية.
كما أن إزالة الرسوم الجمركية عن قطاعات الغذاء والتقنيات الطبية تعكس أيضا اهتماما خليجيا متزايدا بالأمن الغذائي وتنويع مصادر الاستيراد في منطقة تعتمد بشكل كبير على الواردات.
تبدو بريطانيا حريصة على استعادة حضورها الاقتصادي التقليدي في الخليج ضمن منافسة دولية متزايدة تشمل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي
لماذا يعد الاتفاق مهما سياسيا؟
الأهمية السياسية للاتفاق ربما لا تقل عن أهميته الاقتصادية.
فنجاح مجلس التعاون في التفاوض ككتلة موحدة مع قوة اقتصادية كبرى يعكس أن المجلس لا يزال يمتلك قدرة على العمل الجماعي في الملفات الإستراتيجية رغم التنافس أحيانا بين بعض أعضائه.
كذلك يبعث الاتفاق برسالة أوسع مفادها أن الخليج أصبح لاعبا اقتصاديا يصعب تجاهله في إعادة تشكيل التحالفات التجارية العالمية، خصوصا مع تزايد أهمية المنطقة في ملفات الطاقة، والاستثمار، وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي المقابل، تبدو بريطانيا حريصة على استعادة حضورها الاقتصادي التقليدي في الخليج ضمن منافسة دولية متزايدة تشمل الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي.
أكثر من اتفاق تجاري
في المحصلة، لا يبدو الاتفاق مجرد صفقة اقتصادية عابرة، بل هو جزء من مرحلة دولية جديدة يعاد فيها رسم خرائط التجارة والتحالفات الاقتصادية.
وبعد أربع سنوات من المفاوضات، نجح الطرفان في الوصول إلى اتفاق يعكس حقيقة أساسية: العلاقات الخليجية البريطانية لم تعد تقوم فقط على النفط والطاقة، بل تتجه نحو شراكة أوسع تشمل التقنية والخدمات والاستثمار والاقتصاد الرقمي، في عالم يبحث عن تحالفات أكثر مرونة وسط تصاعد الاضطرابات العالمية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة نت