في ذكرى كارثة تشيرنوبل.. كيف نفهم مخاطر الحوادث النووية في منطقتنا؟

انفجر قلب المفاعل واندفع عمود من المواد المشعة إلى السماء (غيتي)
26/4/2026
في السادس والعشرين من أبريل/نيسان 1986، تحول اختبار أمان روتيني في المفاعل الرابع بمحطة تشيرنوبل النووية، شمال أوكرانيا السوفيتية آنذاك، إلى واحدة من أكبر الكوارث التقنية في التاريخ الحديث.
انفجر قلب المفاعل واندفع عمود من المواد المشعة إلى السماء في صورة غبار نووي ونظائر مشعة تسير عشرات الكيلومترات، في هذا السياق أغلقت مساحات واسعة حول المفاعل، وانتشرت التحذيرات لدول مجاورة، بشكل مثّل حتى اللحظة جرحا مفتوحا في ثقة الإنسان بقدرته على ترويض الطاقة النووية.
ظلت تشيرنوبل لسنوات رمزا للكابوس النووي، ومثلت درسا عالميا في أن الكارثة ممكنة، وبعد خمسة وعشرين عاما تقريبا، جاء زلزال اليابان العظيم في 11 مارس/آذار 2011، ثم موجات تسونامي عاتية، ليذكّر العالم بأن الخطر النووي لازال قائما.
في محطة فوكوشيما، كانت المشكلة في فقدان تبريد المفاعل بعد انقطاع الكهرباء، ما أدى إلى انصهار قلوب المفاعلات النووية وانبعاث مواد مشعة، أدى الحادث إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان، وتعطيل الزراعة والصيد والحياة اليومية في مناطق واسعة حول المفاعل.
حاليا، تظل نفس الأسئلة مطروحة في سياق الصراعات العسكرية، ففي أوكرانيا، هناك تساؤلات عن أمان محطة زابوريجيا النووية، أكبر محطة نووية في أوروبا، التي وجدت نفسها منذ الحرب داخل منطقة خطر عسكري مستمر.
وفي إيران، يطرح الخطر نفسه من جديد، فبعد الهجمات التي تعرضت لها مواقع نووية إيرانية خلال الشهور الماضية، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن السلامة والأمن النوويين في إيران تعرضا "لتدهور حاد"، مشيرة إلى أنه لم يحدث حتى ذلك الوقت إطلاق إشعاعي يؤثر في الجمهور، لكنها حذرت من أن الخطر قائم. 
منطقة فوكوشيما في اليابان (غيتي)
الخطر الحقيقي
في أي حرب تدور قرب منشآت نووية، فالخطر الحقيقي يتجاوز لحظة ضرب مفاعل نووي ما ليصل إلى التساؤلات عن الحواجز الهندسية وأنظمة التبريد والاحتواء: هل تعمل كما ينبغي، أم بدأت الأعطال في الظهور بشكل يوحي باقترابنا من تلوث إشعاعي؟
يظل احتمال أن يحدث تسرب إشعاعي بسبب ضرب محطة نووية إيرانية ضعيفا جدا لا شك، لكن عندما يحاول العلماء تقدير ما يمكن أن يتسرب إلى الهواء في أسوأ الحالات، فإنهم يتحدثون عما يسمى "مصدر الانبعاث"، أي كمية المواد المشعة التي قد تتحرر من المفاعل أو من الوقود المستهلك إذا وقع حادث شديد.
ومن أهم المراجع في هذا المجال تقرير لجنة التنظيم النووي الأمريكية، والذي يوضح أن هناك عدة سيناريوهات للتسرب الإشعاعي، تبدأ من الأضرار المحدودة الأكثر احتمالا وتنتهي بالحالات الأشد خطرا والأقل احتمالا.
في السيناريو الأول، قد تتعرض المنشأة لضربة محدودة تؤدي إلى توقف المفاعل أو اضطراب عمله، لكن أنظمة التبريد تبقى مستقرة ولا يحدث كسر في الاحتواء أو في أحواض الوقود النووي. في مثل هذه الحالة قد لا يحدث أي انبعاث يذكر إلى البيئة، أو يكون الأثر محدودا جدا ومحليا.
أما السيناريو الثاني، فهو أن يتعرض قلب المفاعل لاضطراب أو أضرار جزئية، بينما يبقى الاحتواء قائما في الأساس، مع وجود تسرب صغير، في هذا السيناريو يكون التسريب محدودا أو في محيط المفاعل. هذا النوع من الحوادث لا يعني بالضرورة كارثة واسعة، لكنه يظل خطيرا محليا.
وفي السيناريو الثالث، ترتفع المخاطر بوضوح. هنا نتحدث عن فقدان أطول للتبريد، أو عن أضرار أكبر في قلب المفاعل، مع اختلال جزئي في القدرة على الاحتواء، يحدث ذلك مع استهداف مباشر للمفاعل النووي، بصواريخ قادرة على اختراقه.
عند هذه النقطة لا يعود الخطر محصورا داخل المنشأة، بل يصبح احتمال الانبعاث الخارجي أكبر، وقد تتحول المشكلة من حادث محلي إلى أزمة أوسع، خاصة إذا ساعدت الرياح أو الظروف الجوية على نقل التلوث إلى مناطق مأهولة أو إلى دول مجاورة.
لكن السيناريو الرابع هو الأكثر إثارة للقلق على المدى الطويل والأقل احتمالا، وهو حدوث حريق في حوض الوقود المستهلك، هذا الحوض يحتوي على وقود نووي استُخدم سابقا وما يزال شديد الإشعاع، ويحتاج إلى تبريد مستمر.
وإذا تضرر الحوض أو انخفض مستوى المياه فيه بشدة، فقد تنكشف قضبان الوقود النووي وتبدأ تفاعلات حرارية خطيرة قد تؤدي إلى حريق، والخطر هنا يتعلق بإمكانية إطلاق كميات كبيرة من السيزيوم-137، وهو من أهم النظائر المسؤولة عن التلوث طويل الأمد.
يعني ذلك أن ضرب أي منشأة أو محطة نووية لا يعني تلقائيا انهيار المفاعل وانطلاق الإشعاع، فهناك مراحل كلما تصاعدت خطورتها قل احتمال حدوثها.
ماذا عن الخليج العربي؟
بالنسبة إلى كيفية انتشار التلوث إذا وقع حادث إشعاعي قرب ساحل الخليج العربي، فالمشكلة تتعلق بحركة الرياح، فإذا خرجت سحابة مشعة من بوشهر، فإنها لن تزحف تلقائيا إلى كل الخليج العربي بالطريقة نفسها، فاتجاهها يتحدد أولا بالرياح وقت الحادث، ثم بارتفاع السحابة، ثم بما إذا كان هناك مطر أو اضطراب جوي يسرّع ترسيب الأنوية المشعة على الأرض.
ومن دون بيانات يوم الحادث وساعته لا يمكن رسم مسار يقيني، لكن الدراسات المناخية والنماذج المنشورة تسمح برسم المسار الأرجح، فما نعرفه أن الخليج تحكمه
في معظم أوقات السنة رياح شمالية غربية، تكون أقوى في الشتاء، هذا يعني أن أي سحابة تنطلق من ساحل إيراني مثل بوشهر سيكون ميلها الشائع أن تُدفع على امتداد الخليج نحو الجنوب الشرقي أكثر من كونها تعبر عرضيا مباشرة إلى كل الضفة العربية دفعة واحدة.
وفي هذا السياق، يمكن تصور ثلاث صور رئيسية لانتشار السحابة. الصورة الأولى، وهي الأقرب في ظل الرياح السائدة، أن تتحرك السحابة فوق مياه الخليج بمحاذاة محوره، مع بقاء الخطر الأكبر أولا قرب بوشهر وما يجاورها، ثم على المسار البحري جنوبا وجنوب شرقا.
الصورة الثانية أن تؤدي تقلبات يومية أو جبهات جوية إلى انحراف السحابة نحو الساحل الشمالي الغربي للخليج، أما الصورة الثالثة، وهي الأخطر محليا وليس إقليميا، أن يكون الهواء مستقرا والرياح أضعف، فتبقى التراكيز الأعلى أقرب إلى موقع الحادث بدل أن تنتشر بعيدا بسرعة.

تعوّد الناس على الخوف الشديد من كل ما تحمله كلمة "نووي" (شترستوك)
الأثر الطبي ليس كبيرا
الأثر الطبي لسحابة مشعة تصل إلى أي نقطة في الخليج وساحله ليس ثابتا، بل يعتمد على كمية الانبعاث، ومدة التعرض، وما إذا كان التلوث في الهواء فقط أم ترسب على الأرض والبحر.
لكن على الرغم من ذلك، يمكن تصور السيناريوهات الأكثر شيوعا (أي مصير وأثر السحابة بعد انتقالها مئات الكيلومترات)، بناء على التجارب السابقة، ونقصد هنا تحديدا ما حدث في حالة مفاعل فوكوشيما الياباني، وقبلها حادث تشيرنوبل.
بعد الاستهداف، لا يتوقع حدوث مرض إشعاعي حاد بين السكان. هذا النوع من الأعراض، المتمثل في غثيان، وحروق، وفشل نخاع العظم، يحتاج إلى جرعات عالية جدا خلال وقت قصير، وهو أمر يرتبط بالقرب المباشر من موقع الحادث، لا بالمناطق البعيدة عبر الخليج.
بدلا من ذلك، يكون التأثير الطبي الأساسي في المناطق التي تصلها السحابة هو زيادة طفيفة "محتملة" و"نادرة" في أخطار السرطان على المدى الطويل، خاصة إذا حدث ترسيب لمواد مثل اليود-131 أو السيزيوم-137.
اليود المشع قد يؤثر في الغدة الدرقية، خصوصا لدى الأطفال، إذا استُنشق أو دخل عبر الغذاء، بينما يرتبط السيزيوم بتعرض داخلي طويل لأنه يتصرف في الجسم مثل البوتاسيوم. ومع ذلك، تشير تقارير دولية بعد فوكوشيما إلى أن هذه الزيادات تكون صغيرة لدرجة أنها تكون صعبة الرصد إحصائيا في المناطق البعيدة.
وما تؤكده الدراسات أن العبء الأكبر لا يكون دائما بيولوجيا مباشرا، وربما يكون ذلك مفاجأة للقارئ الذي تعوّد على الخوف الشديد من كل ما تحمله كلمة "نووي"، والواقع أن الإصابات ستكون في أكبر احتمال لها شبه معدومة، والمشكلة هي الأثر النفسي والاجتماعي، أي القلق من الإشعاع، والإخلاء، وفقدان الثقة في الغذاء والماء، وتعطل الحياة اليومية.

الخليج حوض شبه مغلق، ومحدود التبادل المائي عبر مضيق هرمز (ناسا)
ما يسقط في البحر
في دراسة منشورة في دورية "جورنال أوف مارين ساينس آند إنجنيرنغ" (Journal of Marine Science and Engineering) استخدمت سلسلة نماذج تربط بين الانتشار الجوي والانتقال البحري للإشعاع، خلصت النتائج إلى أن الخليج حوض شبه مغلق، ومحدود التبادل المائي عبر مضيق هرمز، ومن ثم فقد يحتفظ بجزء من النويدات المشعة في مياهه ورواسبه مدة طويلة نسبيا.
المشكلة أن المياه الملوثة قد تنتقل تدريجيا من السواحل الشرقية الإيرانية لتلتف عبر الشمال نحو السواحل الغربية لدول مجلس التعاون.
كما تشير الدراسة إلى أن مسار التعرض الأهم للسكان، في السيناريوهات التي فحصتها، ليس شرب المياه المحلاة، بل استهلاك المأكولات البحرية.
تلوث المياه والغذاء لا يعني عادة مرضا إشعاعيا حادا لدى سكان الدول المجاورة، لأن هذا النوع من الأذى يحتاج إلى جرعات عالية جدا خلال وقت قصير. لكنه يعني أن الخطر المزمن طويل الأمد قد يرتفع إذا استمر استهلاك غذاء بحري أو ماء ملوث لفترة من الزمن، ومن ثم قد تفرض بعض دول الجزيرة العربية قيودا على الصيد، وربما تنخفض كمية المأكولات البحرية، وربما تخرج مجموعة من المحطات من الخدمة، لكن ليس بشكل كارثي كما قد يتخيل البعض.
والواقع أن دول الخليج لا تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا السيناريو، إذ تعمل محطات التحلية الكبرى بوصفها خط دفاع هندسي أول؛ ففي محطات التقطير الوميضي المتعدد المراحل لا تنتقل معظم النظائر المشعة الثقيلة بسهولة مع بخار الماء النقي.
وقد أظهرت الدراسات العملية، ومنها أبحاث ما بعد كارثة فوكوشيما، أن تقنية التناضح العكسي بالفعل قادرة على خفض تركيز كثير من النظائر المشعة بكفاءة عالية تتجاوز 95%، وإن ظلت بعض النظائر الخفيفة مثل التريتيوم أكثر صعوبة وتحتاج إلى تدابير إضافية.
وإلى جانب ذلك، تعتمد دول الخليج على شبكات مراقبة آنية تعمل على مدار الساعة لرصد جودة مياه البحر والمياه المنتجة، بما في ذلك المؤشرات الإشعاعية، بحيث تشكل هذه المنظومة خط إنذار مبكر يسمح بتفعيل بروتوكولات صارمة، أهمها الإغلاق الفوري لمآخذ المياه البحرية عند رصد أي تلوث غير طبيعي، ثم التحول إلى المخزونات الإستراتيجية من المياه والخزانات الأرضية.
المصدر: الجزيرة نت + وكالات