بينما تروّج واشنطن لانتصارها النهائي على تنظيم الدولة، تكشف المعطيات الميدانية في ربيع 2026 عن واقع مغاير تماما، فالانسحاب لم يترك خلفه "سلاما"، بل ثغرات أمنية بدأت ملامحها تظهر بشكل أكبر.
إذ كشف تقرير لمشروع الأمن الأمريكي عن كارثة أمنية وقعت في يناير/كانون الثاني الماضي، حيث أدى غياب سيطرة السلطات السورية على مخيم "الهول" -عقب استلامه من
قوات سوريا الديمقراطية (قسد)- إلى فرار أكثر من 15 ألف محتجز من الموالين لتنظيم الدولة.
لم ينتظر تنظيم الدولة طويلا لاستغلال الفراغ، فبعد أيام فقط من إعلان الانسحاب الأمريكي في منتصف فبراير/شباط، كسر المتحدث باسم التنظيم "أبو حذيفة الأنصاري" صمتا دام عامين برسالة صوتية دعت عناصره صراحة لاستهداف الحكومة السورية.
الأخطر من ذلك ما أكده فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة في فبراير/شباط 2026 من نجاح التنظيم في زرع "خلايا نائمة" داخل كافة المحافظات السورية، وصولا إلى مراكز المدن الكبرى بما فيها العاصمة
دمشق.
على مدى عقد من الزمان، وبتمويل أمريكي ضخم، بنى الشريك المحلي "قسد" شبكات استخباراتية وخبرة عميقة في تتبع خلايا تنظيم الدولة اللامركزية.
اليوم، ومع دمج قوات قسد مع الحكومة السورية، يرى الخبراء أن هذه البنية المعلوماتية مهددة بالانهيار، ومعرضة للاختراق في أي لحظة.
ويرى التقرير الأمريكي أن "مقامرة واشنطن" بالانسحاب المبكر لم تأخذ في الحسبان قدرة حكومة دمشق على ملء الفراغ الأمني المعقد الذي تركه الحليف الأمريكي، إذ يؤكد أن الخطر تجاوز فكرة "عودة تنظيم الدولة" إلى مواجهة تنظيم بات أكثر تمرسا في العمل السري.
وربما تأتي هذه المخاوف نتيجة لتجربة سابقة، ففي ديسمبر/كانون الأول 2018 أعلن الرئيس الأمريكي
دونالد ترمب سحب القوات الأمريكية المشاركة في محاربة
تنظيم الدولة الإسلامية في شمال شرقي سوريا بشكل وشيك.
وقد قلب قرار ترمب المفاجئ سياسة واشنطن في الشرق الأوسط رأسا على عقب، إذ كشف الانسحاب عن شرخ عميق داخل الإدارة الأمريكية، فالقرار لم يمر عبر القنوات الاستشارية المعتادة، بل جاء مخالفا لتصريحات كبار المسؤولين الذين أكدوا مرارا ضرورة البقاء لاحتواء نفوذ
إيران وضمان الاستقرار السياسي، هذا التضارب لم يربك الداخل فحسب، بل نزع الثقة عن قدرة المستشارين على التحدث باسم الرئيس.
تشير التطورات الميدانية في مطلع عام 2026 إلى مرحلة حاسمة في السياسة الخارجية الأمريكية، هذا التحول أو الانسحاب لم يكن مجرد إجراء فني، بل وصفه المحللون لمجلة "فوربس" بأنه استغلال لـ"نافذة مفتوحة" وفرها اتفاق التكامل بين قوات قسد والحكومة السورية، مما يمهد الطريق لإنهاء المهمة العسكرية التي استمرت لأكثر من عقد وتفويض المسؤوليات الأمنية للجيش السوري الجديد.
وقد شهد مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/شباط 2026 تحولا دبلوماسيا كان من الصعب تخيله سابقاً، حيث عقد وزير الخارجية الأمريكي
ماركو روبيو لقاءات مباشرة مع وزير الخارجية السوري وقادة قوات قسد.
هذا الانفتاح يعكس توجهاً جديدا لواشنطن يهدف إلى استبدال الوجود العسكري المباشر بشراكة تركز على الأمن ومكافحة الإرهاب، مع التركيز بشكل خاص على المصالح الاقتصادية والاستثمارات في قطاع النفط والغاز، تماشياً مع إستراتيجية "أمريكا أولاً"، وفقا لـ"فوربس".
ولا يمكن إغفال فكرة دمج قوات قسد مع الحكومة السورية كسبب إضافي، وهذا ما جعل واشنطن ترى أن الغرض الأصلي من شراكتها مع قوات قسد قد "انتهت صلاحيته إلى حد كبير"، دافعة باتجاه دمج هذه القوات ضمن هيكلية الدولة السورية لضمان الاستقرار بعد رحيل القوات الأمريكية.
وخلف كواليس الانسحاب العسكري المتسارع، تشير التحليلات الإستراتيجية لربيع 2026 إلى أن واشنطن لم تعد ترى في الجغرافيا السورية ساحة معركة حيوية للاستنزاف، بل تحولت إلى عبء مالي ولوجستي تسعى إدارة ترمب للتخلص منه.
وإلى جانب ذلك، يرى محللون أن واشنطن تهدف لتقليل التكلفة التشغيلية وإعادة توجيه الموارد العسكرية والاستخباراتية نحو جبهات الصراع العالمي الكبرى، لا سيما مواجهة التمدد الإستراتيجي للصين
وروسيا، وهو ما يفسر رغبة واشنطن في إيجاد ذريعة للرحيل عبر نقل مسؤولياتها الأمنية للجيش السوري الجديد.
في نهاية المطاف، يبقى الانسحاب الأمريكي في ربيع 2026 محطة فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط، حيث قررت واشنطن أن استقرار سوريا -عبر اتفاق دمج قوات قسد في الحكومة السورية- هو المخرج الوحيد لإنهاء التزامها العسكري الطويل، وفقا لمحللين.