تاريخ الانقلابات العسكرية في الإسلام (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          التحقيق بانفجار مرفأ بيروت.. رئيس الوزراء اللبناني السابق يرفع دعوى قضائية على الدولة (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          رغم الارتياح الذي بدا عليه الجنرال في مؤتمره الصحفي.. لماذا يظهر البرهان وحيدا في "انقلابه" الثالث؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          انفجار مرسى بيروت (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 41 - عددالزوار : 2964 )           »          تاريخ طويل من الطوارئ بمصر.. ماذا يعني إلغاؤها؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 3 - عددالزوار : 8 )           »          اجتماع الدول المجاورة لأفغانستان.. تشديد على ضرورة تشكيل حكومة شاملة والتنسيق المشترك لمحاربة تنظيم الدولة (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          سفراء السودان في 12 دولة يعلنون رفض "الانقلاب”.. واشنطن تدعو لإطلاق سراح السجناء السياسيين وأوروبا تحذر من تداعيات خطيرة (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          ستراتفور: انقلاب السودان يمكن أن يؤدي إلى شهور من الاضطرابات العنيفة وتوقف المساعدات الدولية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          مقال بالغارديان: بذور انقلاب السودان زُرعت بعد سقوط البشير مباشرة (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          كيف كان ردهم؟ البرهان أبلغ الأميركيين مسبقا بعزم الجيش على اتخاذ إجراءات ضد الحكومة المدنية (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          حسن بن عبدالله الغانم المعاضيد - رئيس مجلس الشورى القطري (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 10 )           »          معجزة هانوي.. كيف صعد الاقتصاد الفيتنامي من تحت الصفر؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          بريطانيا وفرنسا.. جذور الكراهية بين أهم قوتين في أوروبا (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          إثيوبيا تشنّ غارة جوية على "الجبهة الغربية" لإقليم تيغراي (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          كتاب : "سيد اللعبة: كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         



 
العودة   ..[ البســـالة ].. > جـناح الدراســات والبـحوث والقانون > قســــــم الدراســـــات و التـقـاريــر
التعليمـــات قائمة الأعضاء وسام التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
 


البحر الأحمر بين القرصنة والتدويل

قســــــم الدراســـــات و التـقـاريــر


إضافة رد
 
أدوات الموضوع

قديم 04-09-09, 12:09 PM

  رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
سعد الدين الشاذلي
مشرف قسم القوات البرية

الصورة الرمزية سعد الدين الشاذلي

إحصائية العضو





سعد الدين الشاذلي غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي البحر الأحمر بين القرصنة والتدويل



 

البحر الأحمر بين القرصنة والتدويل

استشرت أعمال القرصنة في ا لمياه المحاذية للساحل الصومالي خلال العام المنصرم، وطبقاً لما أعلنه مبعوث الأمم المتحدة الخاص للصومال فقد: "تمت مهاجمة (32) سفينة خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2007م، وتم اختطاف (12) منها بنجاح ، وأن القراصنة حصلوا خلال عام 2008م على فديً تزيد قيمتها على (120) مليون دولار"، وهذا مما يؤكّد أن القرصنة قد تزايدت بدرجة أصبحت تهدد التجارة العالمية، وتنذر بأوخم العواقب على الأمن البحري في المنطقة ، الأمر الذي يحمل على التساؤل عن مستقبل المنطقة في ظل القرارات الأممية التي تعطي الدول حق استخدام كافة السبل المتاحة لمكافحة القرصنة، وإرسال القوى الدولية الفاعلة قوات بحرية لمراقبة حركة الملاحة فيها.

هذه المقالة تسعى لفهم ما آلت إليه المنطقة بين أعمال القرصنة وممارسات التدويل، وبيان مخاطر ذلك على أمن الدول العربية المطلة على البحر الأحمر.

أولاً : القرصنة بين الواقع والفنون والقانون


1. القرصنة .

تعود أعمال القرصنة إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ويبدو أن كلمة قرصان قد استخدمت في عام 140 ق.م من جانب المؤرخ الروماني (بوليبيوس)، أما المؤرخ اليوناني (بلوتارك) فقد ذكرها في حوالي عام مئة بعد الميلاد ليعبّر عن أقدم تعريف واضح للقرصنة؛ فقد وصف القراصنة بأنهم أولئك الأشخاص الذين يهاجمون بدون سلطة قانونية، ليس فقط السفن ولكن المدن الساحلية أيضاً. ولقد وٌُصفت القرصنة لأول مرة في عدد من الأعمال الأدبية القديمة، ومن بينها (الإلياذة، والأوديسا). كما انتشر في العصور الوسطى في انجلترا معنى آخر للقراصنة هو أنهم من لصوص البحر، وظهر تعريف كلمة قرصان المعاصرة في القرن الثامن عشر الميلادي، وهو تعريف وصف القراصنة بأنهم أشخاص خارجون على القانون.(1)

ولا يذكر الأمريكيون القرصنة إلاّ ويذكرون الساحل البربري، إشارة إلى اشتباكات عنيفة بين أمريكيين وقراصنة ذُكر أنهم من البربر في شمال إفريقيا قبل أكثر من مئتي عام، ويظل قراصنة البحر الكاريبي هم أشهر القراصة. ومع زيادة السفن التجارية وتطور تكنولوجيا الاتصالات ودوريات الحراسة في معظم الطرق الرئيسة على المحيطات وقوة الإدارة المنظّمة لمعظم الجزر والمناطق البحرية في العالم، واعتبار القرصنة عمل من أعمال الاعتداء، كل ذلك أدى إلى حدوث تراجع كبير في حجم القرصنة في القرن التاسع عشر، لكنها عادت في القرن العشرين في أماكن مثل بحر الصين الجنوبي، وتطورت عمليات اختطاف السفن لتأخذ شكلاً جديداً من أشكال القرصنة، ويعيد التاريخ نفسه الآن، فالعالم كله يعتمد كثيراً على طرقه البحرية، لكن ليس هناك وسائل حماية موحدة ضد أولئك القراصنة بالرغم من المعاهدات الدولية (2).

2. القرصنة والفنون

عندما ظهرت سلسلة أفلام (قراصنة الكاريبي)، ونجحت نجاحاً باهراً محققة في أجزائها الأربعة إيرادات من أعلى ما تحقق في تاريخ السينما العالمية وذلك بخلاف جائزة الأوسكار، وأكثر من سبعين جائزة أخرى متنوعة لم يكن المفهوم السائد عن هذه النوعية من الأفلام سوى أنها أفلام تاريخية أو خيالية، باعتبار أن جريمة القرصنة وعالم القرصنة أمور تنتمي إلى العصور القديمة والوسطى وحتى عصر النهضة، ولا صلة بينها وبين عصرنا الحاضر سوى ما تنتجه (هوليود) عنها من أفلام تحمل صورة القرصان الأعور ذي الساق الواحدة واليد الخشبية ذات الخطاف، وهو يقود رجاله في سفينة شراعية قديمة ذات صف من المدافع، وعليها علم أسود تتوسطه جمجمة، فعلى عكس هذه الفكرة السائدة لم تنقرض جريمة القرصنة تماماً في القرن الماضي، بل استمرت ولكن بصورة ضعيفة ومنقطعة، ثم ازدادت بحدة في مطلع القرن الحادي والعشرين حتى أن تقرير المكتب البحري الدولي بيَّن أنه في النصف الأول فقط من عام 2004م قُتل أكثر من (20) بحاراً خلال عمليات قرصنة صغيرة زادت على (182) حادثاً تركز أغلبها أمام نيجيريا، والفيليبين، وبنجلاديش، وهي مناطق فقيرة أو غير مستقرة نوعاً ما(3).

إلى أن عادت الظاهرة مرة أخرى خلال تسعينيات القرن الماضي، وفي الآونة الأخيرة تصاعدت حوادث القرصنة، وبخاصة في المحيط الهندي، وخليج عدن، وبطول السواحل الصومالية، فبعد أن كانت أعمال القرصنة مقصورة على اختطاف واحتجاز سفن الصيد تحوّلت إلى السطو المسلح على الناقلات العملاقة، وكانت أكبر الغنائم التي حصلوا عليها سفينة أوكرانية متجهة إلى ميناء (مومباسا الكيني) وعلى متنها شحنة من الدبابات والأسلحة، أما الغنيمة الكبرى الثانية فهي ناقلة النفط السعودية (سيريوس ستار) في 15-11-2008م، وتمكّنوا من الإبحار بها حتى ميناء (هرار ديري) أشهر معاقلهم الواقعة على مسافة (300) كلم شمال العاصمة الصومالية (مقديشو)، ولاتزال رهن الاختطاف(4).

3. نظرة القانون الدولي للقرصنة

جاءت النصوص الدولية بتحديد واضح لمعنى القرصنة، ومن ذلك ما جاء بالمادة رقم (101) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة عام 1982م، إذ عرّفتها بأنها: أي عمل غير قانوني من أعمال العنف، أو الاحتجاز، أو أي عمل سلب يُرتكب لأغراض خاصة من قِبل طاقم أو ركاب سفينة خاصة، أو طائرة خاصة، ويكون موجهاً في أعالي البحار ضد سفينة أو طائرة أخرى، أو ضد أشخاص أو ممتلكات على ظهر تلك السفينة أو متن تلك الطائرة، أو ضد سفينة أو طائرة أو أشخاص أو ممتلكات في مكان يقع خارج ولاية أية دولة(5). وتضمنت المادة (105) من الاتفاقية نصاً خاصاً بمبدأ الاختصاص العالمي لمحاكمة مرتكبي جرائم القرصنة البحرية.

ولخطورة القرصنة البحرية المسلحة على السفن التجارية أُبرمت معاهدة جنيف الدولية لأعالي البحار عام 1988م، وتضمنت مجموعة من القواعد أبرزها(6): تخويل سلطات جميع الدول ضبط القراصنة ومحاكمتهم، وتوقيع العقوبات الجنائية عليهم بصرف النظر عن المنطقة التي وقعت فيها جريمة القرصنة، وعن العَلَم الذي كانت ترفعه السفينة، وجنسيات القراصنة، وأن مطاردة القراصنة والقبض عليهم مقصور على الدول فقط.

وتضمنت معاهدة 1988م الأعمال غير المشروعة التي يتم اقترافها في البحار، والتي منها: القرصنة البحرية التي ترتكبها العصابات الدولية ضد السفن في أعالي البحار وفي المياه الإقليمية في الدولة، التي تجيز مكافحة هذه الجريمة وملاحقة مرتكبيها والقبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة الجنائية.

وبالإضافة إلى ما تقدم، نظّمت المعاهدات الدولية الأمور المتعلقة بسلامة النقل البحري للركاب والبضائع، وتجريم أعمال الإرهاب الدولية، ثم التشريعات والقوانين البحرية الإقليمية والوطنية، وقوانين العقوبات التي تصدرها الدول، وكذلك ميثاق المحكمة الجنائية الدولية الذي تضمّن توصيف الأعمال غير المشروعة، والتي تنطبق في أحد أنواعها على جريمة القرصنة البحرية(7).

وصدرت مؤخرا من مجلس الأمن الدولي ثلاثة قرارات متدرجة بشأن جرائم القرصنة التى ترتكب أمام سواحل الصومال، أولها القرار رقم (1816) في 2 يونيو 2008م الذي أدان جميع أعمال القرصنة والسطو المسلح في المياة الأقليمية للصومال وأعالي البحار قبالة سواحله، ويحث القرار الدول التي لها سفن بحريه وطائرات عسكرية في أعالي البحار وفي المجال الجوي قبالة سواحل الصومال على توخي اليقظة؛ والقرار الثاني: رقم (1839) بتاريخ 7أكتوبر 2008م، والذي أعتبر أن هذة الحوادث مازالت تشكل خطراً يهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة؛ أما القرار الأخير: رقم (1846) الصادر في 2 ديسمبر 2008م، فقد رحّب باتفاقية السلام والتوفيق بين الحكومة الصومالية الفيدرالية الانتقالية وبين التحالف من أجل تحرير الصومال الموقع في 91 أغسطس 2008م، واتفاق وقف إطلاق النار الموقع بينهم في 26 أكتوبر 2008م، وأكّد من جديد إدانته لأعمال السطو المسلح في المياه الإقليمية وأعالي البحار قبالة السواحل الصومالية، وحيّا مبادرات بعض الدول مثل: كندا، والدانمرك، وفرنسا، والهند، وهولندا، وروسيا للتصدي لعمليات القرصنة، وطلب من السكرتير العام للأمم المتحدة أن يقدّم تقريراً خلال ثلاثة أشهر على الأكثر عن الوسائل الكفيلة بضمان سلامة الملاحة البحرية الدولية قبالة السواحل الصومالية. وبناءً على ذلك شكّل الاتحاد الأوروبي وحدة مساندة بحرية من ست قطع لتأمين السفن الأوروبية المارة في بحر العرب والبحر الأحمر، وإرسال أسطول من سبع سفن حربية على الأقل مدعومة بطائرات استطلاع حربي إلى خليج عدن لمواجهة القرصنة، كما قام حلف شمال الأطلسي بإرسال أربع سفن إيطالية ويونانية وبريطانية وتركية قبالة سواحل الصومال، بينما أرسلت الهند وروسيا وجنوب إفريقية سفناً حربية للمنطقة، حتى اليابان التي عليها التزام دولي بعدم إرسال قوات خارج أراضيها بعد الحرب العالمية الثانية عرضت على البرلمان الاستثناء من هذا القانون وأن يوافق على إرسال بواخر لتحمي الملاحة قبالة السواحل الصومالية، ودعت الدانمرك ودول أخرى إلى إنشاء وحدة جنائية خاصة في إطار المحكمة الدولية لمحاكمة القراصنة الدوليين(8).

 

 


 

   

رد مع اقتباس

قديم 04-09-09, 12:14 PM

  رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
سعد الدين الشاذلي
مشرف قسم القوات البرية

الصورة الرمزية سعد الدين الشاذلي

إحصائية العضو





سعد الدين الشاذلي غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي



 

ثانياً: أسباب القرصنة قبالة السواحل الصومالية

يشهد الرحّالة (ابن بطوطة) لمقديشو بسلامة السفن التي ترسو على شواطئها، حيث قال: "ومن عادة أهل هذه المدينة أنه متى وصل المركب إلى المرسى، تصعد الصنابق وهي القوارب الصغيرة إليها ويكون في كل صُنْبُوق جماعة من شبان أهلها، فيأتي كل واحد منهم بطبق مُغطّى فيه الطعام، فيقدمه لتاجر من تجار المركز، ويقول: هذا نزيلي، وكذلك يفعل كل واحد منهم، ولا ينزل التاجر من المركز إلاّ إلى دار نزيله من هؤلاء الشبان، إلاّ من كان كثير التردد إلى البلد، وحصلت له معرفة أهله". وشهد (ابن بطوطة) بسلامة وصول السفن لساحل مقديشو، لأنه تحدَّث كثيراً عمّا تعرّض له من سلب ونهب وقرصنة خلال رحلته بالبلاد الهندية وغيرها(9).

وحتى عهد قريب، لم تعرف مياه البحر العربي أو المحيط الهندي قرصنة مثلما يحدث للسفن المارة في الخطوط المائية الدولية، فقد أثار التصاعد الكبير لعمليات القرصنة في هذه المنطقة التساؤل حول أسباب هذه الظاهرة وتضخمها السريع، وهو ما يمكن رده إلى أسباب متنوعة من أبرزها انهيار الدولة في الصومال، وصعوبة استخدام القوات المسلحة ضد هذه الأعمال.

1 انهيار الدولة الصومالية

لم يشهد الصومال مرحلة استقرار منذ انهيار نظام (سياد بري) عام 1991م، إذا لم يكد يخرج من أزمة انهيار هذا النظام إلاّ ونشبت حرب أهلية ضروس، وقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى استغلالها بإيجاد موطئ قدم جديد لها في القرن الإفريقي، عبر تدخلها عسكرياً فيما سمّته عملية (استعادة الأمل)، فكانت النتيجة سحل جنودها في شوارع مقديشو، وخروج القوات الأمريكية من هناك خروجاً مهيناً. وطوال النصف الثاني من عقد التسعينيات لم تتوقف الحرب الأهلية والنزاعات المسلحة بين عدة فصائل، ورغم استبشار الصوماليين خيراً بتشكيل حكومة وطنية موحدة، إلاّ أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدد بانهيار السلطة الوطنية أمام التدخلات الأجنبية، وضعف الإمكانات والنزعات الانفصالية لبعض القوى الصومالية، وعمالة البعض الآخر لأطراف خارجية، سواء مجاورة أو دولية.

ويمكن تلخيص الوضع العام في الصومال طوال السنوات الخمس عشرة الماضية إلى ثلاثة عناصر أساسية، تمثلت في: انقسام القوى الصومالية على نفسها بعد غياب السلطة المركزية؛ وظهور الدور الخارجي في كل التفاعلات والتطورات بمختلف أنماطها ودرجاتها؛ وتراجع دور الشعب الصومالي نفسه في تقرير مصيره، حيث أصبح قليل الحيلة عديم الوسيلة أمام حرب أهلية لا تعبّر عنه ولا تعيره اهتماماً.

ونتيجة لذلك، شهد الصومال إفراز قوة جديدة تماماً، حيث صعدت (حركة المحاكم) التي قامت على أساس التناقض مع العناصر الثلاثة، فهي ضد الوجود الأجنبي بكافة صوره، ولا تمثّل أياً من القوى التقليدية الموجودة، كما أنها غير موصومة بأهداف القوى والفصائل الصومالية، ولكن الولايات المتحدة التي تركت المرارة في فم الصوماليين مرات عديدة؛ فهي رفضت فكرة الصومال الموحد عام 1944م، والتي ساعدت (سياد بري) بكل قوة أثناء حكمه التسلطي، ثم هي التي أنزلت قواتها بعد سقوط نظامه من دون تجمّع السلاح من يد الصوماليين، استمرت في هذا النهج فاختارت العمل بواسطة استخدام (أثيوبيا) كرأس حربه ضد الصومال، واستصدرت من مجلس الأمن القرار رقم (1725) في 6-12-2006م، بالسماح بإرسال قوات إفريقية للصومال، وذلك كله من أجل تجسيد محاولات انتزاع الصومال من تحت سيطرة المحاكم، ومحاولة إقامة نظام يعكس التصورات الأمريكية لما يجب أن تكون عليه منطقة القرن الإفريقي وفق الرؤية الأمريكية، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى استمرار الحرب الأهلية، ودمار ما تبقى من الدولة، واستمرار صراعات الحدود، وفتح الساحة لتدخلات إقليمية أضر معظمها بإمكانية حل المعضلة الصومالية(10).

جاء في تقرير لمكتب الملاحة الدولي: إن سبب الطفرة التي يشهدها العالم في القرصنة على الشواطئ الصومالية هو الإطاحة بسلطة المحاكم الإسلامية، من قِبل القوات الأثيوبية المدعومة أمريكياً. وكانت حركة المحاكم قد وصلت للسلطة عام 2006م، بدعم من التجار وزعماء القبائل والقيادات المدنية الصومالية، وتمكنت خلال فترة حكمها التي لم تتجاوز السنة من تحقيق ما عجزت عن تحقيقه وخلال عقد كامل دول العالم التي تدخلت في الصومال وكذلك الهيئات الدولية، وكانت الحركة قد أعلنت منذ اليوم الأول لوصولها للسلطة أنها ضد الإرهاب ولن تؤوي إرهابيين ولن تستعمل العنف لتطبيق الشريعة الإسلامية، وأنها منفتحة للتعاون الدولي، فرحّبت الأمم المتحدة بهذا التوجه(11).

ويرى الخبراء أن قراصنة البحر الأحمر هم نتاج تلك الحرب، والأوضاع السيئة التي تمر بها المنطقة منذ فترة بعيدة؛ فتفكك الدولة الصومالية جعل أرض هذا البلد المنكوب بصراعات القبائل وأمراء الحرب مرتعاً لكل الخارجين على القانون ولكل أشكال التطرّف الجنائي والديني، وضمن الظواهر الإجرامية تنامت عمليات السطو على السفن الصغيرة التي تعمل بالصيد في منطقة بحر العرب وخليج عدن من قبيل قراصنة محترفين أو عسكريين صوماليين سابقين كانوا ضمن القوات البحرية الصومالية، والتي لم تتم مواجهتها بأي ردع إقليمي أو دولي، مما أغرى القراصنة بالتوسّع، ووفّر لهم الأموال الضرورية لتوسيع نطاق أعمالهم وتطويرها وشراء المعدات المتطورة الضرورية لها، كما أن الفقر المدقع الذي انحدر إليه الشعب الصومالي في غياب الدولة، وفي غياب أية عملية منظّمة للتنمية الاقتصادية وللضمان الاجتماعي، جعلت المجتمع الصومالي مستعداً لحضانة المجموعات الإجرامية عسى أن يناله من عائداتها شيئاً(12).

والحق أن المجتمع الدولي أهمل الصومال، وحسب أن مشكلته منذ هزيمة الأمريكيين هناك عام 1993م مشكلةٌ تعصى على الحل، الأمر الذي جعل مشكلة القراصنة تتعاظم.

2. صعوبة استخدام القوة البحرية المسلحة

أظهر نجاح القراصنة في اقتناص الناقلة السعودية بسهولة شديدة مدى هذا الخطر بالنظر إلى حجمها العملاق(13).

وأصبح من أكثر ما يثير الدهشة، كيف لا تستطيع القوات البحرية الهائلة للدول الكبرى وأساطيلها المرعبة مواجهة هذا التحدي؟! ويرى جانب من المراقبين أن استخدام القوة البحرية المسلحة في هذه الحالة قد يكون ضرورياً حيناً، وقليل الجدوى حيناً آخر، فضلاً عن أنه يهدد السفن المخطوفة وطواقمها المرتهنة لدى القراصنة في أحيان ثالثة(14).


وفي هذا الاتجاه يقلل البعض من دور العملية البحرية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي لمحاربة ظاهرة القرصنة قبالة السواحل الصومالية تحت اسم (تالانتا)، وهي العملية التي ستتولى طبقاً لما أعلنه منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي في 7-12-2008م مسؤولية الحراسة والردع والحماية من خلال قواعد صارمة جداً للاشتباك مع القراصنة لمدة عام كامل(15).

وهكذا يبدو نشاط القرصنة في وضع خارج نقاط السيطرة، نظراً لأن مواجهتهم تصطدم بعدد من المعوقات، أبرزها: قلة عدد الأساطيل البحرية الأجنبية، واتسام عمليات القرصنة بالخفية وصعوبة تفاديها مسبقاً، وقيام القراصنة بتنويع استراتيجياتهم لإيجاد أماكن أخرى للهجوم في ظل وجود السفن الأجنبية، وامتلاك القراصنة مواقع آمنة في البر تمكنهم من التفاوض واحتجاز السفن المختطفة وأطقمها كرهائن لفترة طويلة.

ثالثاً: الاتجاه إلى تدويل البحر الأحمر ومخاطره

تؤكد عمليات القرصنة على وجود إمكانات وتقنيات هائلة لدى المختطفين تقف خلفها دول كبيرة، وهو ما أشارت إليه صحيفة (الجارديان) البريطانية في افتتاحية يوم 20-11-2008م، بعنوان: (مخاطر البحار)، فذكرت أن كثيراً من الهجمات عند القرن الإفريقي حدثت تحت سمع وبصر وجود عسكري أمريكي كبير، وأضافت: رغم تحديد الأسطول الخامس الأمريكي ممر ملاحة يمكن مراقبته إذا سارت السفن فيه، إلاّ أن التدخل لا يحدث(16). وتشير التحركات الأوروبية والأمريكية في البحر الأحمر، وخليج عدن، والبحر العربي سواء على أرض الواقع، أو من خلال القرارات الدولية إلى وجود مخطط دولي يجري تنفيذه بخطى حثيثة تحت لافتة العمل ضد القرصنة البحرية قبالة السواحل الصومالية، ومما يعزّز هذه النظرة الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، وسعي إسرائيل لتوسيع تواجدها العسكري فيه، واهتمام الولايات المتحدة بالقرن الإفريقي، وتلاقي المصالح في هذه المنطقة.

1 أهمية البحر الأحمر

بالرغم من أن أعمال القرصنة تتم قبالة السواحل الصومالية الطويلة على خليج عدن، إلاّ أن الحديث الدائر الآن في الأوساط العربية والدولية يتعلق ليس فقط بالحديث عن أمن خليج عدن، وإنما على أمن البحر الأحمر، نظراً لأن أمن هذه المنطقة الممتدة من البحر العربي، وخليج عدن، وباب المندب، والبحر الأحمر لا يمكن أن يتجزأ، بل إن البعض يضيف لهذه المنطقة قناة السويس، وخليج العقبة وهي الأطراف الشمالية للبحر الأحمر(17).

وترجع أهمية البحر الأحمر الاستراتيجية إلى كونه طريق الاتصال البحري الوحيد الذي يصل بين معْبَرين مائيين هما: مضيق عدن في الجنوب، وقناة السويس في الشمال، ليكمل السلسلة البحرية بين البحار الشرقية والغربية، ويبدو البحر الأحمر كما لو كان جسراً عائماً يمتد بانحراف بين الشمال الغربي، حيث قناة السويس والبحر المتوسط، والجنوب الشرقي، حيث مضيق عدن والمحيط الهندي، بحيث يربط بينهما كأقصر طريق، فهو يشغل من درجات العرض الخط 18 نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
(12 30نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة) شمالا، ويشغل من درجات الطول الخط 11نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة (32نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة 43نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
)، وبهذا تتحقق له مع قناة السويس صفة أقصر وأسرع طريق بين الشرق والغرب بشكل عام، وبين المحيط الهندي والبحر المتوسط بشكل خاص.
ويقع مضيق عدن إلى الجنوب منه بالقرب من ميناء عدن وتتحكم في مدخله جزيرة (بريم)، وتقسم المضيق إلى ممرين: الممر الشرقي، ويسمى (باب الإسكندر)، وعرضه نحو (3) كلم، وعمقه نحو (85) قدما، والممر الغربي ويسمى (ممر ميمون)، ويبلغ اتساعه نحو (16) كلم، وعمقه نحو (990) قدما وهو الممر الرئيس، ويعتبر المضيق بوابة البحر الأحمر الجنوبية التي تصله بخليج عدن، وبحر العرب، والمحيط الهندي(18).


ويعد البحر الأحمر أهم ممر ملاحي لنقل البترول العربي إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة، كما أن مرور السلع الصناعية من هذه الدول إلى قارتي آسيا وإفريقيا يكسبه أهمية خاصة، وتشير التقديرات إلى (10%) من إجمالي الشحنات البحرية العالمية تمر سنويا عبره، ويكتسب إلى جانب ذلك أهمية عسكرية خاصة لدى الولايات المتحدة التي استخدمته إبان حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت، كما أنه أداة الربط بين أسطولها السادس في البحر المتوسط، والخامس في الخليج العربي المتواجد قبالة سواحل البحرين، وأيضا أسطولها السابع الكائن في المحيط الهندي.

 

 


   

رد مع اقتباس

قديم 04-09-09, 12:20 PM

  رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
سعد الدين الشاذلي
مشرف قسم القوات البرية

الصورة الرمزية سعد الدين الشاذلي

إحصائية العضو





سعد الدين الشاذلي غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي



 


2 الاتجاه نحو التدويل

أدى انتهاء الحرب الباردة إلى إعادة صياغة كثير من التحالفات الدولية والإقليمية، وإعادة صياغة الخريطة السياسية في كثير من مناطق العالم، ومن هذه المناطق التي شهدت العمليتين معا: القرن الإفريقي، ولقد كان استقلال (أريتريا) والعلاقات الإسرائيلية الأريتيرية التي وصلت إلى درجة التحالف الاستراتيجي والسياسي من أهم نتائج انهيار الحرب الباردة على المنطقة، كما ساهمت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في زيادة الاهتمام الأمريكي بالقرن الإفريقي.

أ. القرن الإفريقي في الاستراتيجية الإسرائيلية

بدأت هذه العلاقات منذ عام 1970م، وأخذت في التطور إلى أن وضعت إسرائيل في 16-3-1992م خطة عاجلة للتحرك نحو إفريقيا، من أهم ملامحها(19): وضع خطة للتحرك نحو إفريقيا عبر (أريتريا) تتضمن سرعة تطبيع العلاقات مع الدول الإفريقية، وتقوية الوجود العسكري الإسرائيلي في البحر الأحمر، وتقوية العلاقات الاقتصادية بين أريتريا وإسرائيل.

وفي فبراير 1996م، وقع (اسياسي أفورقي) على اتفاقية أمنية مع إسرائيل لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، ووضع استراتيجية موحدة في البحر الأحمر.

وبموجب هذا الاتفاق، قدمت إسرائيل مساعدات فنية وتقنية وبشرية، ومازالت العلاقات الإسرائيلية الأريترية تتطور في كافة المجالات يوما بعد يوم، وبخاصة في ظل تلاقي أهداف البلدين، ففي ضوء الأهداف الإسرائيلية الاستراتيجية في البحر الأحمر، أولت إسرائيل أهمية لشرق إفريقيا القريبة من البحر الأحمر أكثر من قلبها أو وسطها، وهنا أنشأت صلات وثيقة مع أثيوبيا، ثم أريتريا بعد ذلك، على الصعيدين الاقتصادي والعسكري بغية تعزيز وضعها الاستراتيجي في البحر الأحمر، وتحقيق الأهداف الاستراتيجية التالية(20): توسيع الوجود العسكري الإسرائيلي وترسيخه وتأمين مصالح إسرائيل بما يتيح لها إمكانات الهجوم المباشر على العرب في باب المندب، وإيجاد عمق استراتيجي في البحر الأحمر يتيح لإسرائيل رصد أي نشاط عسكري عربي في المنطقة، واستخدام التفوق الإسرائيلي لكسر أي حصار عربي في المستقبل ضد قوات إسرائيل وسفنها في البحر الأحمر، وبخاصة في حالة حدوث أي مواجهة عربية إسرائيلية، وضمان الاتصال والأمن للخطوط البحرية العسكرية والتجارية الإسرائيلية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط إلى آسيا وإفريقيا، وكسر دائرة العزلة المفروضة بواسطة الحصار العربي الاقتصادي والدبلوماسي على إسرائيل.

وعلى ذلك، يمكن القول إن إسرائيل تسعى دائما للعب دور إقليمي هام، وهو ما يرتبط ارتباطا أساسيا باستراتيجيتها تجاه البحر الأحمر، وبما يؤدي إلى أن تشهد ساحته صراعا بين الدول العربية وبينها.
ب أبعاد الاستراتيجية الأمريكية في منطقة باب المندب

منذ أحداث 11 سبتمبر، وما أعقبها من إعلان الولايات المتحدة الأمريكية ما أسمته الحملة العالمية على الإرهاب، قفزت منطقة القرن الإفريقي إلى مكانة متقدمة في أولويات السياسة الأمريكية بشأن المناطق التي يجب السيطرة عليها كمواقع حشد ومراقبة، سواء فيما يتعلق بالحملة العسكرية على أفغانستان، أو لحصار المناطق المتصور وجود قواعد وأنصار لتنظيم القاعدة بها، والتي أثارت كثيرا من التصريحات والتحليلات الغربية إلى تركزها في دول شرق إفريقيا، ولذا استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية الاتفاقات الثنائية الموقعة سابقا مع كل من: كينيا، وأثيوبيا، وأوغندا بشأن التعاون الأمني والعسكري كمدخل لتكثيف الوجود الأمريكي في تلك البلدان، علاوة على اختيار جيبوتي لتكون مركز دائرة تغطي جانبي البحر الأحمر الإفريقي والآسيوي، وذلك بالتنسيق مع حلفائها من الدول الأوروبية(21). وهو ما تم من خلال بلورة استراتيجية جديدة ارتكزت على المحاور التالية(22):

1. الاستعانة بأساطيل بحرية أوروبية وعلى وجه الخصوص أساطيل ألمانية وأسبانية لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم تكليف البحرية الألمانية بمهام على مسرح عمليات خارجي. وتكون الأسطول الألماني المكلف بالانتشار في منطقة باب المندب من: أربع بوارج، وفرقاطتين، وأربعة قوارب، أما عدد القوات الألمانية فيبلغ (3800) عسكري، وقام الأسطول الألماني بتأمين منطقة واسعة تبدأ من جدة شمال مضيق باب المندب حتى جزيرة (سومطرة) في خليج عدن، أي جنوب باب المندب، وفي إطار هذه العملية قامت الوحدات الألمانية بمراقبة التحركات بين ضفاف اليمن والصومال، وفي سياق هذه العملية استخدمت البحرية ميناء (بوصاصو) في منطقة (بونت لاند) شمال شرق الصومال للتموين.

2. محاولة الحصول على نقاط ارتكاز جديدة تتمثل في موانئ ومطارات حول باب المندب.

3. الاستعانة بمستشارين من أثيوبيا في سبيل مكافحة (الإسلام السياسي) في القرن الإفريقي، فمنحت أثيوبيا تفويضا بشأن التوغل في الصومال لملاحقة قوات الاتحاد الإسلامي.

4. التمركز في (جيبوتي) من خلال السفينة Mount - Whitney، الراسية في جيبوتي، وتعتبر بمثابة أكثر مراكز الاستخبارات تطورا في العالم، حيث إنها مجهزة بأحدث وسائل الاتصال والتخابر في العالم، وبمعامل متكاملة لتحليل الصور التي تلتقطها الأقمار الاصطناعية الأمريكية.
ج تلاقي المصالح والأهداف

إلى جانب المصالح الإسرائيلية والأمريكية، هناك المصالح الهندية التي يلقى وجودها المتزايد في المنطقة تشجيعا من الولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الصيني في المنطقة الإفريقية المطلة على المحيط الهندي، كما يتزايد الاهتمام الروسي بالقارة الإفريقية تتويجا لاستراتيجية الرئيس الروسي السابق ورئيس الوزراء الحالي (فلاديمير بوتين)، بزيادة قواعد الاشتباك الدبلوماسي والسياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وزيادة النفوذ الروسي المتراجع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م في المناطق كافة، ومنها القرن الإفريقي(23)، أما بالنسبة للوجود الأوروبي، فإن ثمان دول أوروبية اتفقت على تشكيل قوة بحرية للعمل في منطقة خليج عدن لمواجهة القرصنة الصومالية، كما أرسلت عدة دول منها: جنوب إفريقيا سفنا حربية للعمل في المنطقة. كما تدعو بعض الدول ومنها الدنمرك إلى إنشاء وحدة جنائية خاصة في إطار المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة القراصنة الصوماليين.

وأصدر مجلس الأمن القرار رقم (1816) في يونيو 2008م وهو يخول للدول المتعاونة مع الحكومة الصومالية الانتقالية الدخول إلى المياه الإقليمية الصومالية لقمع أعمال القرصنة المسلحة(24).

وبالإضافة إلى تلاقي مصالح الكبار وأهدافهم، فقد تم تحريك الأحداث في المنطقة باتجاه الاشتعال تمهيدا للتدويل، فانهار السلام في الصومال، وتحركت أريتريا لتفجير المشاكل مع جيبوتي من جهة، ومع أثيوبيا من جهة ثانية، ثم مع اليمن من جهة ثالثة بسلسلة عمليات قرصنة يومية على زوراق الصيد اليمنية، وفي الوقت نفسه، تأججت مشكلة السودان في دارفور، وظهرت تدخلات دولية جلية في شؤون المنطقة. ومن الملاحظ أنه لم يأت ذكر للقرصنة الأريترية مادامت أريتريا مرشحة لأن تكون حليفة المرحلة القادمة من الاتجاه نحو التدويل، حيث يتواصل استهداف سفن الصيد اليمنية و الجيبوتية في البحر الأحمر، وكانت هذه القرصنة في السابق مدخلا لتبرير الاحتلال الأريتري لجزيرة (حنيش) اليمنية قبل التخلي عنها(25).

خامسا: مخاطر التدويل

يحذر الخبراء من اكتساب أطراف أجنبية حقوقا في المنطقة نتيجة تشريع مبادئ يساء استخدامها على حساب السيادة العربية، فالوجود العسكري تحت ستار مكافحة القرصنة قد يؤدي إلى استخدامه لتحقيق مصالح إسرائيلية وأجنبية من خلال الضغط على دول المنطقة والتدخل في شؤونها الداخلية، بما في ذلك فرض تسهيلات عسكرية، ويمكن رصد بعض مخاطر التدويل فيما يلي:
ظهور نوع من الوصاية الدولية على البحر الأحمر وحركته الملاحية واستغلال موارده الطبيعية، وهو الأمر الذي يخل بالحقوق والمصالح المباشرة للدول العربية الست التي تطل عليه، كما أن أغلب هذه التحركات يحدث بعيدا عن الأمم المتحدة، مما ينذر بتضارب مصالح كبيرة بين هذه الدول الوافدة على المنطقة، وبين الدول الأصيلة المطلة على البحر، وقد تندلع في إثر ذلك مواجهات مسلحة، وإضافة أزمات جديدة لمنطقة مشتعلة أصلا.

يعد تدويل البحر الأحمر استعدادا طبيعيا لمشروعات عسكرة الوجود الأمريكي في إفريقيا، وهدفه غير المعلن تأمين تدفق النفط من قارة تمثل بالفعل مصدرا رئيسا لواردات الولايات المتحدة في عالم مضطرب، ذلك أنه سرعان ما ستصبح دول في خليج غينيا منتجة للنفط مثل: نيجيريا، وأنجولا مصدرا لربع واردات الولايات المتحدة من النفط، وهو هدف تتطلع إليه واشنطن تحت شعار الخلاص من عبء استيراد النفط من دول شرق أوسطية، وبالإضافة إلى إزاحة الحضور الصيني المتعاظم في إفريقيا، لأنه في ظل الأزمة المالية وأزمات الطاقة، يبدو الغرب مستعد للإقدام على أي عمل في سبيل تأمين موارد القارة البكر وإزاحة الصين عن المشهد.

إيجاد موطئ قدم لإسرائيل في الصومال، ليس بسبب تمتعه بثروات نفطية أو كنوز تحت الأرض، ولكن بسبب أن الصومال بحكم موقعه الجغرافي بوابة تفتح على المحيط الهندي والخليج العربي، أي أنه يتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي تسعى إسرائيل لتأمينه مما تسميه تواجد قوى أصولية إسلامية، أو أن تؤدي سيطرة الإسلاميين على الحكم في الصومال إلى تهديد أمن حليفتها أثيوبيا، وهو ما يعطيها كلمة في شؤون البحر الأحمر توفر لها إمكانية حصار الدول العربية والتحكم في ثروات البحر الأحمر.

السيطرة الغربية على البحر الأحمر لها بعدان: بعد عسكري، وآخر سياسي، وفيما يتعلق بالبعد العسكري بالنسبة للدول العربية فهو مرتبط بالموقف السياسي، فمصر والسعودية الحد الأدنى عندهما هو حراسة الشواطئ المصرية والسعودية، أو الجزر المجاورة لهما من البحر الأحمر، وهو جزء كبير، لأن مصر لديها (950) كلم من البحر الأحمر، والسعودية لديها (1200) كلم، وعندما يحدث التدويل سوف تتضرر مصر والسعودية بالنسبة للموارد الملاصقة لشواطئهما، سواء كانت موارد سمكية أو معدنية، بالإضافة إلى الملاحة.

سوف تطال المخاطر الملاحة في قناة السويس، وصادرات النفط الخليجي، لاضطرار ناقلات النفط للدوران حول رأس الرجاء في حالة إغلاق المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، كما أن تغيير مسار هذه الناقلات من شأنه أن يفقد المنطقة أهميتها وحيويتها، بل يزيد من التدخل بحجة الحفاظ على أمنها.

قد تصبح هذه المنطقة إحدى مناطق الصراع، وأماكن الاشتباك السياسي بين الدول الكبرى، الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، مع جر بعض الدول الناشئة في القوة الاقتصادية العسكرية مثل: الهند، وكوريا الجنوبية، واليابان، وإيران في استعراض للقوة من هذه الدول في منطقة خليج عدن والبحر الأحمر، إضافة إلى المحيط الهندي.
الخلاصة

ارتبطت أعمال القرصنة البحرية التي جرت مؤخرا في البحر الأحمر وخليج عدن بتدهور الأوضاع في الصومال، وعدم تسوية نزاعاته إلى الآن، وبات واضحا من مجمل التفاعلات الجارية في هذه المنطقة أن استمرار انهيار وتفكك الدولة الصومالية ليس خطرا محليا أو إقليميا فحسب، وإنما يخلق فراغا أمنيا استثمره القراصنة المسلحون لتهديد حركة الملاحة البحرية العابرة لتلك المنطقة شمالا وجنوبا. ومن ناحية أخرى يجري استثمار هذا الفراغ الأمني من جانب القوى الكبرى للسيطرة على البحر الأحمر، وهو ما يجري الإعداد له عمليا من خلال وجود قوات بحرية عسكرية كثيفة، فضلا عن قرارات دولية (1816) و (1838) صدرت عن مجلس الأمن تسمح بدخول المياه الإقليمية، إضافة إلى أحاديث تترى عن شركات أمنية خاصة تعرض خدماتها لإقامة نقاط مراقبة، ودعوات تتصاعد بإنشاء بوليس سري يجوب البحر الأحمر ليل نهار دون تمييز بين مياه إقليمية أو أعالي البحار.

ويمكن القول إن التسابق بين الدول الكبرى الفاعلة لا تغذيه فقط رغبات قديمة في المنطقة، بل وحاضرة أيضا يختلط فيها الحنين الاستعماري إلى الماضي بالتطلع إلى الموقع الاستراتيجي ومصادر الطاقة التي باتت تشكل قطب الرحى في الصراع الخفي تارة، والمعلن تارة أخرى بين الفاعلين الرئيسيين؛ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين، مما يعني أن كافة الأطراف يضاف إليها إسرائيل تسجل حضورها وعدم تخلفها عن حلبة الصراع على أهم الممرات الدولية القريبة من مصادر الطاقة.

إن الأزمات تحيط بالعالم العربي وتحتاج إلى تحرك موحد لا يلقى بالعبء على قوة خارجية، فما يحدث في شرق الصومال هو هم عربي، فالصومال دولة عربية عضو في جامعة الدول العربية، وقد بات الأمل معقودا على تفعيل ما أسفر عنه الاجتماع الثاني لمجلس السلم والأمن العربي حول ظاهرة القرصنة، حيث رفض المجلس أية محاولات لتدويل أزمة الأمن في البحر الأحمر وخليج عدن، واعتبار مسؤولية توفير الأمن هي من حق الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، كما أكد على احترام سيادة الصومال ووحدته واستقلال وسلامة أراضيه، معتبرا أن حوادث القرصنة والسطو المسلحة على السفن في المياه الإقليمية وأعالي البحار قبالة السواحل الصومالية هي إحدى النتائج الرئيسة لغياب مؤسسات الدولة الصومالية جراء الحرب الأهلية(26)، وفي الوقت نفسه يظل الحل الأمثل لمشكلة القرصنة هو انسحاب القوات الأجنبية ووقف العدوان الخارجي على الصومال، ومساعدة البلاد على الخروج من نفق الألاعيب الدبلوماسية، فاستقرار الصومال واستعادة استقلاله ووحدته الوطنية والإقليمية، وتكوين السلطة الشرعية الممثلة للشعب الصومالي بكل انتماءاته هي الضمان الوحيد للقضاء على القرصنة، وبدون ذلك سيبقى الخطر ماثلا على الصومال وعلى الأمن في القرن الإفريقي، وعلى الدول العربية وفي العالم أجمع، وخصوصا بعد توقيع الاتفاق الأمني الإسرائيلي - الأمريكي في شهر يناير الماضي قبيل انتهاء الحرب على غزة، حيث يحقق هذا الاتفاق لإسرائيل مراقبة بحر العرب، والخليج العربي والبحرين الأحمر والمتوسط، فضلا عن حق الاعتراض والتفتيش لأي قطعة بحرية تشك فيها
علي المليجي علي
مجلة كلية الملك خالد العسكرية

المراجع

1. شريف طه، أشهر عمليات القرصنة، صحيفة الأهرام، العدد (44491)، 9/28/2008م، محمد ياسر منصور، القرصنة البحرية بين الأمس واليوم، مجلة كلية الملك خالد العسكرية، العدد (78) سبتمبر 2004م، ص ص 90 93.
2 . خالد رمضان، الظهور الأول للقراصنة، صحيفة الدستور، العدد (186)، 8-10-2008م.
3 . أمجد هيكل، القرصنة والقانون الدولي، صحيفة المصري اليوم، 6-12-2008م.
4. بيزنس القرصنة، صحيفة الوفد على www.alwafd.com.
5. علي حسين الشرفي، الإرهاب والقرصنة البحرية في ضوء الشريعة والاتفاقات الدولية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية 1425ه، ص 21.
6. على جمال الدين عوض، الملاحة البحرية التجارية، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1406ه، ص 6 .
7. محي الدين علي عشماوي، القانون الدولي وجريمة القرصنة البحرية، صحيفة الأهرام، العدد (44579)، 12/25/ 2008م .
8. مفيد شهاب، البحر الأحمر تحت الوصاية الدولية، صحيفة الأهرام، العدد (44643)، 27-2-2009م.
9. رشيد الخيون، مقديشيو ما كانت تأسر السفن، صحيفة الشرق الأوسط، العدد (10970)، 10-2-2008م.
10 . سامح راشد، الصومال بين صعود المحاكم الإسلامية وحسابات واشنطن، مجلة السياسة الدولية، العدد (167)، يناير 2007م، ص 188.
11. بشرى السباعي، القرصنة، عاقبته تحول قوى الإرهاب لحرب على الإسلام، صحيفة عكاظ، العدد (2723)، 30-11-2008م.
12. د السيد النجار، القرصنة الدولية ومصالح مصر والعرب، صحيفة الأهرام، العدد (42551)، 27-11-2008م.
13. والآن القراصنة نفطيون، الشرق الأوسط، العدد (10949)، 19-11-2008م.
14. وحيد عبدالمجيد، مواجهة القرصنة بين الواقع والخيال، صحيفة الأهرام، العدد (44563)، 9-12-2008م.
15 . الاتحاد الأوروبي يبدأ أضخم عملية بحرية لمواجهة القرصنة، صحيفة الأهرام، العدد (44562)، 8-12-2008م.
16. نجيب اليافعي، باب المندب وأطماع أمريكا وبريطانيا، صحيفة (المصريون) www.almesryoon.com.
17. بدر حسين شافعي، أمن البحر الأحمر، التدويل قادم لا محالة: httpislamonline.
18. أحمد محمود سراج الدين، المضايق البحرية في منطقة الشرق الأوسط في المنظور الجيوستراتيجي، مجلة كلية الملك خالد العسكرية، العدد (20)، يناير 1988م، ص 14، ص 15
19. مختار شعيب، العلاقات الإسرائيلية الإريترية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، مجلة السياسة الدولية، العدد (131)، يناير 1998م، ص ص 223 227.
20. المصدر السابق.
21. القرن الإفريقي: التفاعلات الإقليمية والتطورات الداخلية، التقرير الاستراتيجي العربي، 2002 : 2003م، يونيو 2003م، ص 2223.
22. خالد العظيمة، الترتيبات الأمريكية في باب المندب، مجلة السياسة الدولية، العدد (152)، أبريل 2003م، ص 206.
23. علي العنزي، الصراع الدولي والقرصنة، صحيفة الحياة، 13-12-2008م
24. حسن أبو طالب، أمن البحر الأحمر مرة أخرى، صحيفة الأهرام، العدد (44501)، 8-10-2008م.
25. لماذا زار الرئيس اليمني العقبة في عطلة العيد www.ammonnews.net.
26. المملكة ترفض تدويل أزمة القرصنة في البحر الأحمر، صحيفة الجزيرة، 5-11-2008م.

 

 


   

رد مع اقتباس

قديم 04-09-09, 12:59 PM

  رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
المنتصر
مشرف عام

الصورة الرمزية المنتصر

إحصائية العضو





المنتصر غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي



 

اشكرك اخى العزيز على المشاركة الرائعة ...... تحياتى

 

 


المنتصر

يقول احد القادة القدماء وهويخاطب جنوده . ( اذا لم تكونوا مستعدين للقتال من أجل ما تروه عزيزاً عليكم , فسوف يأخذه أحد ما عاجلا أو اَجلا , واذا كنتم تفضلوا السلام على الحرية فسوف تخسرونهما معاً , واذا كنتم تفضلوا الراحة والرخاء والسلام على العدل والحرية فسوف تخسروهما جميعا ) .

   

رد مع اقتباس

إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
والتدويل, الأحمر, البحر, القرصنة

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:46 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
 

شبكـة الوان الويب لخدمات المـواقع