وفي عام 2023، أعلن بوتين أن روسيا ستنشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، وعُدَّ قراره آنذاك خطوة تُدخِل شرق أوروبا مباشرة في دائرة الاستهداف النووي المحتمل. ويُقصَد بالسلاح النووي التكتيكي صواريخ نووية صُمِّمَت للاستخدام في مسرح عمليات عسكرية على نطاقٍ ميداني مُحدَّد، مثل ضرب تجمعات قوات أو قواعد عسكرية أو خطوط إمداد، بهدف تغيير ميزان المعركة أو ردع هجوم تقليدي، بدون الدمار الهائل الذي طالما صاحب القنابل النووية، فهو عادة ما يُوضَع على صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى أو طائرات في نطاق قريب، ويُحمَّل بقوة تفجيرية أقل من كثير من الأسلحة الإستراتيجية، مع توضيح أن "أقل" هنا لا يعني صغير الحجم بالضرورة.
أما النووي الإستراتيجي فوظيفته الأساسية الردع على مستوى الدولة، أي استهداف عمق الخصم وبنيته الحيوية وقدرته على القتال في سيناريو الحرب النووية التقليدية، ومن ثم فالهدف هنا هو مراكز القيادة والقواعد العسكرية الكبرى والمدن بكاملها، وهو ما استُخدِم بالفعل مرتيْن من الولايات المتحدة في مدينتيْ
هيروشيما وناغازاكي باليابان عام 1945، ويُحمَل عادة على صواريخ بعيدة المدى أو غواصات أو قاذفات ثقيلة.
الفارق الحاسم بين النوعين ليس القوة التفجيرية فحسب، بل الهدف السياسي والعسكري المختلف من وراء استخدام كلٍّ منهما. فالنووي التكتيكي يُغري بفكرة "الضربة المحدودة"، ومن ثمَّ يرى البعض أن قرار استخدامه أسهل وأعلى احتمالا، وهي في حد ذاتها رسالة روسية، لأنه لن يُمثِّل ضربة قاصمة تفتح باب التبادل النووي الضارب.
وقد قال بوتين لاحقا إن الرؤوس النووية التكتيكية وصلت بالفعل إلى بيلاروسيا، مُذكِّرا أوروبا بأنها لا تستطيع إلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا، مع تأكيده أنه لا يرى حاجة إلى استخدامه حاليا.
هذا التوازن بين التهديد المحدود ونفي الرغبة في التصعيد المفتوح هو قلب سياسة حافة الهاوية، مما يعني رفع التوتُّر إلى أقصى حدٍّ ممكن، مع إبقاء منفذ للتهدئة في النهاية، مثل إطلاق صاروخ قادر على حمل رؤوس نووية متنوعة متعددة يمكنها الضغط على دفاعات الخصم، لكن مع رؤوس خاملة بدلا من ذلك.
وقد استمر هذا الأسلوب طوال الحرب الأوكرانية، وهنا نتذكر أن روسيا أعلنت عام 2024 أنها ستتدرب على سيناريوهات نشر السلاح النووي التكتيكي واستخدامه، ثم جاءت خطوة أكثر حساسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حيث وافق بوتين على تغيير عقيدة الردع النووي، وتوسَّعت الحالات التي تُبرِّر ردا نوويا حتى في مواجهة الهجمات التقليدية، بعد أن كانت ردا على هجمات نووية محتملة فقط.
بالإضافة إلى كل ما سبق، لعب التوقيت نفسه دورا مهما في استخدام روسيا صاروخ "أوريشنيك" قبل أيام. فقد شهدت العاصمة الفرنسية باريس يوم 7 يناير/كانون الثاني الجاري اجتماعات لما يسمى "
تحالف الراغبين"، واللافت في القمة هو الحضور الأميركي المباشر، إذ حضر مبعوثان أميركيان هما
ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إضافة إلى أعلى قائد عسكري أميركي في أوروبا.
وفي اليوم التالي، قال الرئيس الأوكراني
فولوديمير زيلينسكي إن نص هذه الضمانات بات جاهزا تقريبا للاستكمال مع الرئيس الأميركي ترامب، ضمن إطار تفاوضي تريد واشنطن تجهيزه، ثم عرضه على موسكو.
في الوقت نفسه، كانت محادثات أخرى تبحث أصعب نقطتين في أي تسوية، وهو مصير الأرض التي سيطرت عليها روسيا، وما تحمله من خطوط للسيطرة أو التجميد أو التنازلات، علاوة على ملف محطة زابوريجيا النووية، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
وقد أوضح زيلنسكي أن أوكرانيا تشترط ضمانات أمنية طويلة الأمد تصل إلى أكثر من 15 سنة إذا تمَّ وقف إطلاق النار، وترفض كييف الانسحاب مما تبقى لها في دونيتسك، بينما طرحت الولايات المتحدة فكرة إقامة منطقة اقتصادية حرة هناك، أما بالنسبة لمحطة زابوريجيا، فقد طرحت الولايات المتحدة سابقا تصورا لتشغيل ثلاثي للمحطة تتقاسمه روسيا وأوكرانيا وأميركا.
ضمن هذا السياق، بدت ضربة "أوريشنيك"، خاصة قرب بولندا، كأنها تقول للأوروبيين والأميركيين ألا يقوموا ببناء عالم ما بعد الحرب وكأن روسيا ستتعايش معه بدون شروط، ويجيء ذلك في سياق أن موسكو غاضبة من حديث بريطاني وفرنسي عن نشر محتمل لقوات لضمان وقف إطلاق النار، واعتبرت روسيا أن هذه القوات ستكون أهدافا مشروعة.
ويبدو إذن أن "أوريشنيك" بمنزلة رسالة سياسية تُظهِر قدرات روسيا التقنية، وتستخدم واحدا من أقوى صواريخها، الذي يُمكن نظريا أن يستهدف مدنا أوروبية عديدة تتجاوز أوكرانيا، بحسب وكالة "أسوشيتد برس".
علاوة على ذلك، ظهر "أوريشنيك" في إطار سياق أوسع، حيث يعاني الروس على الجبهة من بطء تقدُّمهم وكُلفته العالية. وقد أشارت تقييمات صادرة عن معهد دراسة الحرب (ISW) في أواخر عام 2025 إلى أن هناك تقدُّما روسيا طاحنا لكنه بطيء، فالحصول على مكاسب يتطلب استنزافا مستمرا للطاقة الروسية المتمثلة في الجنود والمعدات بالإضافة إلى الكلفة الاقتصادية، وهو ما يضع العمليات في منطقة الضغط المتواصل، لا الضربة الحاسمة.
وبحسب تقديرات المعهد، فإن روسيا سيطرت عام 2025 على نحو 4800 كيلومتر مربع داخل أوكرانيا، واستعادت قرابة 470 كيلومترا مربعا في مقاطعة كورسك، لكن بكلفة تُقدَّر بنحو 416500 خسارة في الأرواح طيلة العام الماضي، أي إن روسيا تخسر نحو 80 شخصا كي تستعيد كيلومترا مربعا واحدا.
في هذا السياق، يصبح استخدام "أوريشنيك" مفهوما بوصفه أداة لرفع السقف المعنوي الداخلي، وكذلك لتعزيز الردع، وربما وسيلةً لتحقيق اختراق حاسم على الجبهة فيما بعد، لكن الترجيحات بأنه استخدم رؤوسا حربية وهمية يوحي بأنه يظل فقط في مرحلة الردع حتى اللحظة، وكأنه خطوة للأمام، لكنها ليست خطوة كاملة، بل إشارة ليس إلا على ما يمكن أن يحدث لو قرر الروس اتخاذ هذه الخطوة كما يقول الكتاب، وتعزيزا في الأخير لموقفهم التفاوضي الحالي، ورسالة بأن ما يريدون الحصول عليه عبر التفاوض يُمكن الحصول عليه لو استُخدم سلاح مثل "أوريشنيك" بكامل إمكاناته.