بيد أن أوجه الشبه التاريخية تتجاوز السياسات والإجراءات الظاهرة على السطح. فإدارة ترمب لا تستخدم دليلا قديما للسياسة فحسب، بل الأهم أنها تعاود ممارسة أساليب قديمة تعتمد القوة والأمن، وتحيي رؤية للعالم تركز على الثروة والجغرافيا والحضارة بوصفها مقاييس للتقدم، وهي معايير تعود إلى قرون مضت.
إن الأهداف المادية والثقافية المشتركة لإدارة ترمب تشبه إلى حد بعيد تفكير تلك الحقبة المبكرة من السياسة الخارجية الأمريكية، غير أن الدرس الأكبر من عام 1898 هو أنه كلما زادت تدخلات الولايات المتحدة في الخارج، بدا لها كل تحد جديد مسألة مصيرية يجب حلها، ومن ثم ازدادت صعوبة أن تحرر واشنطن نفسها من تلك التشابكات.
كان الاقتصاد السليم في صميم تصور ماكينلي للقوة والأمن، فقد أراد حماية الأمريكيين من عدم اليقين والخوف والضيق الاقتصادي، وكان يمتلك فهما راسخا لقوة الولايات المتحدة عماده الازدهار الداخلي والاعتماد على الذات والتصنيع.
لم يكن ماكينلي قلقا من تعرض الأراضي الأمريكية لهجوم عسكري مباشر (باستثناء ما أثير أثناء حرب 1898 من احتمال قصف السواحل الأمريكية بواسطة إسبانيا)، لكنه كان يخشى أن يؤدي كساد اقتصادي إلى هلع وفوضى. ولهذا، عند توليه الرئاسة، كان اهتمامه بإحياء الداخل أكبر بكثير من اهتمامه بالشؤون الخارجية.
لعبت الأرض أيضا دورا في هذه الرؤية. ففي خطاب ألقاه في مينيابوليس عام 1899 قال ماكينلي: "إن اتساع رقعة أراضينا أضاف كثيرا إلى قوتنا وازدهارنا"، مشبها ممتلكات واشنطن في المحيط الهادئ بصفقة لويزيانا عام 1803 (وهي عملية الشراء الشهيرة لأراضي حوض مسيسيبي من فرنسا عام 1803)، ومحتفيا بالمساحة الجديدة للولايات المتحدة.
وبضم الفلبين آنذاك، أضيف إقليم بحجم
ولاية أريزونا تقريبا إلى الأراضي الأمريكية، وفي نظر ماكينلي، منح ذلك الولايات المتحدة مكانة وهيبة. وقد قال يوما لأحد مستشاريه: "من أفضل ما فعلناه أننا أصررنا على أخذ الفلبين.. وهكذا أصبحنا، في غضون أشهر قليلة، قوة عالمية".
أما
روزفلت فذهب بهذا التفكير خطوة أبعد، فقد رأى أن القوة والأمن لا يقتصران على امتلاك الأرض، بل ويتصلان بتصور إستراتيجي أعمق للجغرافيا. فاحتلال ماكينلي كوبا واستيلاؤه على بورتوريكو أتاح لروزفلت أن يتعامل مع أمريكا اللاتينية على أنها ضمن مجال النفوذ الأمريكي، وهو ما ألهم ملحق روزفلت الشهير
لمبدأ مونرو (Monroe Doctrine)، الذي استند صراحة على سياسة ماكينلي في إدراج كوبا تحت الحماية الأمريكية.
غير أن ملحق روزفلت كان في الواقع أقرب إلى التناقض. فمبدأ مونرو كان يهدف إلى منع القوى الأوروبية من إنشاء مستعمرات جديدة في نصف الكرة الغربي، واضعا الولايات المتحدة في مواجهة أوروبا دفاعا عن مبدأ السيادة. أما ملحق روزفلت فأكد أن الولايات المتحدة من واجبها التدخل لحماية دول نصف الكرة الغربي من عدم الاستقرار والفوضى الداخلية، أي حمايتها من نفسها. وبذلك وضع ملحق روزفلت الولايات المتحدة في مواجهة دول نصف الكرة الغربي ذاتها، في انتهاك واضح لمبدأ السيادة.
كان مفهوم "الحضارة" الركن الأخير، وربما الأهم، في رؤية ماكينلي وروزفلت للقوة والأمن. فقد كانت نخب تسعينيات القرن التاسع عشر تنظر إلى الحضارة مقياسا للتقدم المجتمعي، حيث كانت تصنف الشعوب في سلم هرمي يبدأ من الهمج والبرابرة في الأسفل، إلى شبه المتحضرين، ثم المتحضرين في الأعلى.
وشملت السمات التي ربطتها النخب الأمريكية بالحضارة مفاهيم سيادة القانون والنظام والحكم الذاتي والابتكار والأخلاق والازدهار والمسيحية والحداثة ومحو الأمية والتعليم. وكانت هذه المعايير مشبعة بالتحيزات العرقية والاجتماعية والثقافية السائدة آنذاك، وكانت هذه المعايير سابقة على مصطلحات حديثة تشكل التصورات للعالمية للتقدم، مثل الشمال والجنوب العالميين، والاقتصادات الناشئة، والعالم الأول والثالث، التي تصنف هي الأخرى المجتمعات في مراتب تقدم غير واضحة بالكلية.
هنا تلاقى مفهوم الحضارة مع الأمن. فالتدهور الحضاري في الداخل كان ينذر بالفوضى والاضطراب والبؤس، ما دفع كثيرا من النخب إلى المطالبة بمنع دخول المهاجرين إلى الولايات المتحدة. ففي أواخر القرن التاسع عشر مثلا، قدم الكونغرس عشرات القرارات لإقصاء الأناركيين ومعاقبتهم بوصفهم تهديدا للأمن القومي، كما وثق المؤرخ ألكسندر نونان. ولم يأتِ ذلك التصور من فراغ في الحقيقة، فقد اغتال أناركي الرئيس ماكينلي عام 1901 بعد ستة أشهر فقط من بدء ولايته الثانية.
في الوقت نفسه، استخدم آخرون المنطق الحضاري ذاته لمعارضة الإمبريالية الأمريكية. مثلا، ضغط وزير خارجية ماكينلي، ويليام داي، على الرئيس عام 1898 كي لا يضم الفلبين، خوفا من أن يؤدي إدماج شعوب أجنبية في الجسد السياسي الأمريكي إلى تهديد حضارة البلاد.
وكتب إليه أثناء مفاوضاته مع إسبانيا على معاهدة سلام نهائية: "كما قلت لك وسأقول دوما، إن الاستحواذ على هذا الأرخبيل الضخم، الذي يضم ثمانية أو تسعة ملايين من الناس الجهلة تماما، والكثير منهم أناس منحطين، مع إمكانية وصول عددهم إلى خمسين مليون نسمة؛ يبدو مهمة هائلة لبلد يفتخر أن نظام الحكم فيه يقوم على رضا المحكومين".
كان ماكينلي وروزفلت يعتقدان أن الشؤون الدولية ستكون أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر سلمية إذا أصبحت الدول الأخرى شبيهة بالولايات المتحدة حضاريا. وقد سميت هذه الرؤية "نظرية السلام الحضاري"، التي تحولت لاحقا إلى "نظرية السلام الديمقراطي"، وشاعت في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، وتقول إن الديمقراطيات لا تحارب بعضها بعضا.
بالنسبة إلى روزفلت، دعمت هذه النظرية أيضا ما يسميه المؤرخ تشارلي لادرمان الملحق الثاني لمبدأ مونرو، الذي وضع مبادئ للتدخل ردا على أي "جرائم ضد الحضارة"، بما في ذلك الفظائع التي ترتكبها الحكومات ضد شعوبها. فقد كان روزفلت يرى أن الولايات المتحدة يقع على عاتقها معاقبة السلوك الإجرامي، ومنع الانتهاكات الجسيمة في أي مكان في العالم، بوصفهما واجبين حضاريين.
هذه الركائز هي التي وجهت سياسات الأمن في عهد ماكينلي وروزفلت، وأدخلت الولايات المتحدة إلى عصر لم يكن عصر إمبراطورية فحسب، بل وعصر تدخل واسع في شؤون الدول الأخرى من أجل الحفاظ على الأراضي والنفوذ والامتيازات التجارية، وكذلك من أجل نشر ما عُد آنذاك التقدم الحضاري.
ينظر قادة الولايات المتحدة اليوم إلى مفهومي القوة والأمن نظرة تشبه إلى حد بعيد رؤية ماكينلي وروزفلت. فالاقتصاد، على سبيل المثال، يلعب دورا محوريا في سياسة الأمن القومي لدى ترمب، إذ يهدف تركيز إدارته على إعادة التصنيع والحمائية والاعتماد على الذات إلى استعادة العصر الذهبي الأمريكي للصناعة في أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأ الاقتصاد الأمريكي يتحول إلى اقتصاد صناعي.
وكما كتبت سابقا مع دون غريفز، نائب وزير التجارة في إدارة بايدن، بمجلة فورين أفيرز، يعطي نموذج ترمب للأمن الاقتصادي أولوية أيضا لمنطق نفعي قصير النظر، يطبق على سياسات التكنولوجيا والتحالفات والتنمية، بل وحتى على الهدايا المقدمة من حكومات أجنبية. ولهذا، فإن الإدارة فيما يتعلق بفنزويلا، ستتجه بصورة متزايدة إلى استهداف موارد البلاد الطبيعية، لا سيما احتياطاتها الكبيرة من النفط والمعادن.
تحتل الأرض (بالمعنى الجغرافي) مكانة مهمة أيضا في حسابات إدارة ترمب. فلو كانت موارد الطاقة وسلاسل الإمداد والمصالح الاقتصادية هي أولوياته الكبرى الوحيدة، لكانت لغة المرحلة هي التفاوض على الاتفاقات التجارية، وبناء الموانئ أو استئجارها، وتأمين حقوق التعدين، وليس الاستحواذ على أراض بعينها.
ومع ذلك، لوح ترمب حتى الآن بإمكانية الاستحواذ على أراض في حديثه عن بنما وكندا وغزة
وغرينلاند. وبعد اعتقال مادورو مؤخرا، وعد ترمب بإدارة فنزويلا قائلا: "سنديرها إلى أن تتم مرحلة انتقالية مناسبة". ويبدو أن شكلا من أشكال الوصاية أو الحماية ليس مرجحا فحسب، بل ثمة وعود صريحة به. ففي أعقاب العملية الدرامية في فنزويلا، عاد مساعدو ترمب أيضا إلى إثارة التهديدات المتعلقة بالحصول على غرينلاند.
غير أن ما يجعل الماضي حاضرا بقوة في سياسة ترمب تجاه فنزويلا هو الدور الكبير الذي تلعبه تصورات "الحضارة" في أفعال الرئيس. فاعتقال مادورو ينسجم مع منطق ملحق روزفلت لمبدأ مونرو، الهادف إلى تحقيق الاستقرار في نصف الكرة الغربي، وكذلك مع الملحق الثاني غير الرسمي الذي دعا إلى معاقبة الجرائم ضد الحضارة. ولا شك أن مادورو يشكل وصمة في تاريخ فنزويلا، وكان كثير من المشرعين الأمريكيين البارزين يطالبون بتغيير النظام بالفعل منذ وقت طويل، قبل تنفيذ ترمب عملية الاعتقال الخاطف. إن إزاحة مادورو إذن تلبي التزامين من فترة روزفلت.
يعتقد ترمب كذلك أن الفنزويليين غير قادرين على حكم أنفسهم، على الأقل في الوقت الراهن. فقد قال في 3 يناير/كانون الثاني: "لا مانع لدينا من قول ذلك، لكننا سنحرص على أن تدار تلك البلاد على نحو صحيح". ويذكرنا هذا الشك في قدرة فنزويلا على الحكم الذاتي بالقلق "الحضاري" الذي كان يساور ماكينلي تجاه الفلبينيين قبل ضم بلادهم إلى حماية واشنطن، إذ كان يصر على أن الولايات المتحدة وحدها قادرة على تعليمهم كيف يحكمون بلدهم.
وتبرز أفكار الحضارة جلية في بعض سياسات ترمب الأمنية الأخرى. فالتوسع في مداهمات وكالة الهجرة والجمارك (ICE)، والتركيز الكبير على الحدود الأمريكية، والإلغاء الواسع للتأشيرات، كلها مؤشرات على رغبة في زيادة تجانس المجتمع الأمريكي.
وفي إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025، حذرت إدارة ترمب من طمس الحضارة في أوروبا وتآكل هويتها الغربية، وهو بالضبط ما يبدو أن الإدارة تخشى حدوثه داخل الولايات المتحدة نفسها. ومن هنا تأتي سيطرتها المركزية غير المسبوقة على معارض متحف سميثسونيان، وهجماتها على مختلف مستويات النظام التعليمي الأمريكي. ومثلما خشي وزير خارجية ماكينلي، ويليام داي، من أن يصبح الفلبينيون يوما ما ناخبين أمريكيين، يرى كثير من القادة الجمهوريين اليوم أن التنوع يشكل تهديدا للأمن القومي. وكما جاء في الإستراتيجية نفسها: "إن عصر الهجرة الجماعية قد انتهى".