..[ البســـالة ]..

..[ البســـالة ].. (https://www.albasalh.com/vb/index.php)
-   قســـــم التــاريخ العـســــكــري (https://www.albasalh.com/vb/forumdisplay.php?f=17)
-   -   عصر الإمبراطورية الجديد.. ترمب يستخدم نهج أمريكا عام 1898 (https://www.albasalh.com/vb/showthread.php?t=15456)

الباسل 30-01-26 04:57 PM

عصر الإمبراطورية الجديد.. ترمب يستخدم نهج أمريكا عام 1898
 
عصر الإمبراطورية الجديد.. ترامب يستخدم نهج أمريكا عام 1898

https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80
يبدو أن روح عام 1898 قد عادت من جديد، والتشابهات الظاهرة كثيرة، منها حماس الرئيس
دونالد ترمب للرسوم الجمركية والحمائية (الجزيرة)


ماجدة معروف
30/1/2026

مقدمة المترجم


في هذا المقال المنشور بمجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) الأمريكية، يناقش أروب مخارجي، مستشار سابق لوزارة التجارة الأمريكية وأستاذ مساعد بالكلية البحرية الأمريكية وباحث بجامعة هارفارد، سياسة إدارة ترمب الحالية، ويجادل بأنها ليست جديدة من نوعها، بل تحمل أصداء من نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين بدأت الولايات المتحدة تؤسس قوتها العالمية وتوسع نطاقها في أمريكا اللاتينية وشرق المحيط الهادئ.
ويشرح مخارجي أن ما جرى في فنزويلا يشابه سيطرة واشنطن على الفلبين عام 1898، التي لم ينتج عنها سوى انخراط مكلف فاقم مسؤوليات الولايات المتحدة الإقليمية، وفتح الباب أمام ظهورها إمبراطورية عالمية، رغم أن هذا التدخل العسكري بدأ في الأصل بسبب هواجس داخلية بالأساس، وهو الأمر الذي يُشبه صعود ترمب لاعتبارات داخلية أمريكية، لكنه يتجه الآن إلى تعميق الدور الأمريكي بدوافع حماية الأمن القومي والتجارة والحق في السيطرة على الأراضي.


نص الترجمة

عندما أعلن وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري عن أسفه على تصرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "بعقلية من القرن التاسع عشر"، في أعقاب غزو شبه جزيرة القرمعام 2014، فإنه لم يكن يتوقع أن ينطبق هذا الوصف بتلك الدقة على السياسة الخارجية الأمريكية بعد عشرة أعوام.
لقد عقد المحللون مقارنات تاريخية عديدة إبان التدخل الأمريكي في فنزويلا بداية العام، والقرن العشرين الذي يمتلئ بالأمثلة المشابهة، لكن الحقبة التي تبدو أشبه بلحظتنا الراهنة هي تلك التي شهدت بداية التدخلات الأمريكية الدورية والخشنة في أمريكا اللاتينية، وهي قصة بدأت عام 1898.
بعد هزيمة إسبانيا في حرب عام 1898 -المعروفة أيضا بالحرب الأمريكية–الإسبانية (Spanish–American War)- سيطرت الولايات المتحدة على المستعمرات الإسبانية السابقة في غوام والفلبين وبورتوريكو، وأعلنت الحماية على كوبا. ثم ضمت هاواي بشكل منفصل وبدأت تستكشف مشروع شق قناة عبر نيكاراغوا (لاحقا وقع الاختيار على بنما)، كما حاولت شراء أراض من الدنمارك في البحر الكاريبي. وعلى مدار نصف قرن بعد عام 1898، لم تغرب الشمس عن الإمبراطورية الأمريكية.

لقد كانت لدى الولايات المتحدة في تلك الفترة خبرة لا بأس بها في التوسع والاستغلال والاستعمار، ومع ذلك، شكل عام 1898 نقطة تحول حاسمة. ففي غضون أشهر قليلة، أسقطت الولايات المتحدة إمبراطورية أوروبية، وامتلكت أكثر من سبعة آلاف جزيرة تبعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر عن سواحل كاليفورنيا، وأصبحت فجأة قوة كبرى في المحيط الهادئ. ومنذ ذلك الحين، لم ينخفض تعداد جنود الجيش الأمريكي عن 100 ألف جندي.
وقد تأمل وودرو ويلسون هذا الوضع قبل عقد من وصوله إلى الرئاسة قائلا: "لم تغيرنا حرب كما غيرتنا الحرب مع إسبانيا، لقد شهدنا ثورة جديدة".
اليوم، يبدو أن روح عام 1898 قد عادت من جديد، والتشابهات الظاهرة كثيرة، منها حماس الرئيس دونالد ترمب للرسوم الجمركية والحمائية، واهتمامه باستعادة قناة بنما، وتوتر علاقاته مع كندا، وتركيزه على أمريكا اللاتينية، وسعيه لاقتناء أراض دنماركية (غرينلاند).
كل ذلك يعيد إلى الأذهان أجواء مطلع القرن العشرين، ولذا ليس من المستغرب أن يكون الرئيس الأميركي السابق ويليام ماكينلي (1897–1901) أحد ملهمي ترمب. كما أن ثيودور روزفلت، خليفة ماكينلي الذي واصل سياساته ووسعها، لربما يحظى أيضا بإعجاب ترمب، وهو أول رئيس أمريكي ينال جائزة نوبل للسلام. معا، أدخل ماكينلي وروزفلت الولايات المتحدة إلى "القرن الأمريكي" (The American Century)، عصر الهيمنة العالمية.
https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80

الرئيس الأمريكي الخامس والعشرين ويليام ماكينلي (يمين) يلقي خطابه الافتتاحي بينما
كان الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته ستيفن كليفلاند يستمع إليه في واشنطن العاصمة، في مارس/آذار 1897 (رويترز)

بيد أن أوجه الشبه التاريخية تتجاوز السياسات والإجراءات الظاهرة على السطح. فإدارة ترمب لا تستخدم دليلا قديما للسياسة فحسب، بل الأهم أنها تعاود ممارسة أساليب قديمة تعتمد القوة والأمن، وتحيي رؤية للعالم تركز على الثروة والجغرافيا والحضارة بوصفها مقاييس للتقدم، وهي معايير تعود إلى قرون مضت.
إن الأهداف المادية والثقافية المشتركة لإدارة ترمب تشبه إلى حد بعيد تفكير تلك الحقبة المبكرة من السياسة الخارجية الأمريكية، غير أن الدرس الأكبر من عام 1898 هو أنه كلما زادت تدخلات الولايات المتحدة في الخارج، بدا لها كل تحد جديد مسألة مصيرية يجب حلها، ومن ثم ازدادت صعوبة أن تحرر واشنطن نفسها من تلك التشابكات.

قوة عالمية قديمة

كان الاقتصاد السليم في صميم تصور ماكينلي للقوة والأمن، فقد أراد حماية الأمريكيين من عدم اليقين والخوف والضيق الاقتصادي، وكان يمتلك فهما راسخا لقوة الولايات المتحدة عماده الازدهار الداخلي والاعتماد على الذات والتصنيع.
لم يكن ماكينلي قلقا من تعرض الأراضي الأمريكية لهجوم عسكري مباشر (باستثناء ما أثير أثناء حرب 1898 من احتمال قصف السواحل الأمريكية بواسطة إسبانيا)، لكنه كان يخشى أن يؤدي كساد اقتصادي إلى هلع وفوضى. ولهذا، عند توليه الرئاسة، كان اهتمامه بإحياء الداخل أكبر بكثير من اهتمامه بالشؤون الخارجية.
لعبت الأرض أيضا دورا في هذه الرؤية. ففي خطاب ألقاه في مينيابوليس عام 1899 قال ماكينلي: "إن اتساع رقعة أراضينا أضاف كثيرا إلى قوتنا وازدهارنا"، مشبها ممتلكات واشنطن في المحيط الهادئ بصفقة لويزيانا عام 1803 (وهي عملية الشراء الشهيرة لأراضي حوض مسيسيبي من فرنسا عام 1803)، ومحتفيا بالمساحة الجديدة للولايات المتحدة.

وبضم الفلبين آنذاك، أضيف إقليم بحجم ولاية أريزونا تقريبا إلى الأراضي الأمريكية، وفي نظر ماكينلي، منح ذلك الولايات المتحدة مكانة وهيبة. وقد قال يوما لأحد مستشاريه: "من أفضل ما فعلناه أننا أصررنا على أخذ الفلبين.. وهكذا أصبحنا، في غضون أشهر قليلة، قوة عالمية".
أما روزفلت فذهب بهذا التفكير خطوة أبعد، فقد رأى أن القوة والأمن لا يقتصران على امتلاك الأرض، بل ويتصلان بتصور إستراتيجي أعمق للجغرافيا. فاحتلال ماكينلي كوبا واستيلاؤه على بورتوريكو أتاح لروزفلت أن يتعامل مع أمريكا اللاتينية على أنها ضمن مجال النفوذ الأمريكي، وهو ما ألهم ملحق روزفلت الشهير لمبدأ مونرو (Monroe Doctrine)، الذي استند صراحة على سياسة ماكينلي في إدراج كوبا تحت الحماية الأمريكية.

غير أن ملحق روزفلت كان في الواقع أقرب إلى التناقض. فمبدأ مونرو كان يهدف إلى منع القوى الأوروبية من إنشاء مستعمرات جديدة في نصف الكرة الغربي، واضعا الولايات المتحدة في مواجهة أوروبا دفاعا عن مبدأ السيادة. أما ملحق روزفلت فأكد أن الولايات المتحدة من واجبها التدخل لحماية دول نصف الكرة الغربي من عدم الاستقرار والفوضى الداخلية، أي حمايتها من نفسها. وبذلك وضع ملحق روزفلت الولايات المتحدة في مواجهة دول نصف الكرة الغربي ذاتها، في انتهاك واضح لمبدأ السيادة.
كان مفهوم "الحضارة" الركن الأخير، وربما الأهم، في رؤية ماكينلي وروزفلت للقوة والأمن. فقد كانت نخب تسعينيات القرن التاسع عشر تنظر إلى الحضارة مقياسا للتقدم المجتمعي، حيث كانت تصنف الشعوب في سلم هرمي يبدأ من الهمج والبرابرة في الأسفل، إلى شبه المتحضرين، ثم المتحضرين في الأعلى.
وشملت السمات التي ربطتها النخب الأمريكية بالحضارة مفاهيم سيادة القانون والنظام والحكم الذاتي والابتكار والأخلاق والازدهار والمسيحية والحداثة ومحو الأمية والتعليم. وكانت هذه المعايير مشبعة بالتحيزات العرقية والاجتماعية والثقافية السائدة آنذاك، وكانت هذه المعايير سابقة على مصطلحات حديثة تشكل التصورات للعالمية للتقدم، مثل الشمال والجنوب العالميين، والاقتصادات الناشئة، والعالم الأول والثالث، التي تصنف هي الأخرى المجتمعات في مراتب تقدم غير واضحة بالكلية.
هنا تلاقى مفهوم الحضارة مع الأمن. فالتدهور الحضاري في الداخل كان ينذر بالفوضى والاضطراب والبؤس، ما دفع كثيرا من النخب إلى المطالبة بمنع دخول المهاجرين إلى الولايات المتحدة. ففي أواخر القرن التاسع عشر مثلا، قدم الكونغرس عشرات القرارات لإقصاء الأناركيين ومعاقبتهم بوصفهم تهديدا للأمن القومي، كما وثق المؤرخ ألكسندر نونان. ولم يأتِ ذلك التصور من فراغ في الحقيقة، فقد اغتال أناركي الرئيس ماكينلي عام 1901 بعد ستة أشهر فقط من بدء ولايته الثانية.
في الوقت نفسه، استخدم آخرون المنطق الحضاري ذاته لمعارضة الإمبريالية الأمريكية. مثلا، ضغط وزير خارجية ماكينلي، ويليام داي، على الرئيس عام 1898 كي لا يضم الفلبين، خوفا من أن يؤدي إدماج شعوب أجنبية في الجسد السياسي الأمريكي إلى تهديد حضارة البلاد.
وكتب إليه أثناء مفاوضاته مع إسبانيا على معاهدة سلام نهائية: "كما قلت لك وسأقول دوما، إن الاستحواذ على هذا الأرخبيل الضخم، الذي يضم ثمانية أو تسعة ملايين من الناس الجهلة تماما، والكثير منهم أناس منحطين، مع إمكانية وصول عددهم إلى خمسين مليون نسمة؛ يبدو مهمة هائلة لبلد يفتخر أن نظام الحكم فيه يقوم على رضا المحكومين".
كان ماكينلي وروزفلت يعتقدان أن الشؤون الدولية ستكون أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر سلمية إذا أصبحت الدول الأخرى شبيهة بالولايات المتحدة حضاريا. وقد سميت هذه الرؤية "نظرية السلام الحضاري"، التي تحولت لاحقا إلى "نظرية السلام الديمقراطي"، وشاعت في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، وتقول إن الديمقراطيات لا تحارب بعضها بعضا.

بالنسبة إلى روزفلت، دعمت هذه النظرية أيضا ما يسميه المؤرخ تشارلي لادرمان الملحق الثاني لمبدأ مونرو، الذي وضع مبادئ للتدخل ردا على أي "جرائم ضد الحضارة"، بما في ذلك الفظائع التي ترتكبها الحكومات ضد شعوبها. فقد كان روزفلت يرى أن الولايات المتحدة يقع على عاتقها معاقبة السلوك الإجرامي، ومنع الانتهاكات الجسيمة في أي مكان في العالم، بوصفهما واجبين حضاريين.
هذه الركائز هي التي وجهت سياسات الأمن في عهد ماكينلي وروزفلت، وأدخلت الولايات المتحدة إلى عصر لم يكن عصر إمبراطورية فحسب، بل وعصر تدخل واسع في شؤون الدول الأخرى من أجل الحفاظ على الأراضي والنفوذ والامتيازات التجارية، وكذلك من أجل نشر ما عُد آنذاك التقدم الحضاري.

قوة عالمية جديدة

ينظر قادة الولايات المتحدة اليوم إلى مفهومي القوة والأمن نظرة تشبه إلى حد بعيد رؤية ماكينلي وروزفلت. فالاقتصاد، على سبيل المثال، يلعب دورا محوريا في سياسة الأمن القومي لدى ترمب، إذ يهدف تركيز إدارته على إعادة التصنيع والحمائية والاعتماد على الذات إلى استعادة العصر الذهبي الأمريكي للصناعة في أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأ الاقتصاد الأمريكي يتحول إلى اقتصاد صناعي.

وكما كتبت سابقا مع دون غريفز، نائب وزير التجارة في إدارة بايدن، بمجلة فورين أفيرز، يعطي نموذج ترمب للأمن الاقتصادي أولوية أيضا لمنطق نفعي قصير النظر، يطبق على سياسات التكنولوجيا والتحالفات والتنمية، بل وحتى على الهدايا المقدمة من حكومات أجنبية. ولهذا، فإن الإدارة فيما يتعلق بفنزويلا، ستتجه بصورة متزايدة إلى استهداف موارد البلاد الطبيعية، لا سيما احتياطاتها الكبيرة من النفط والمعادن.
تحتل الأرض (بالمعنى الجغرافي) مكانة مهمة أيضا في حسابات إدارة ترمب. فلو كانت موارد الطاقة وسلاسل الإمداد والمصالح الاقتصادية هي أولوياته الكبرى الوحيدة، لكانت لغة المرحلة هي التفاوض على الاتفاقات التجارية، وبناء الموانئ أو استئجارها، وتأمين حقوق التعدين، وليس الاستحواذ على أراض بعينها.
ومع ذلك، لوح ترمب حتى الآن بإمكانية الاستحواذ على أراض في حديثه عن بنما وكندا وغزة وغرينلاند. وبعد اعتقال مادورو مؤخرا، وعد ترمب بإدارة فنزويلا قائلا: "سنديرها إلى أن تتم مرحلة انتقالية مناسبة". ويبدو أن شكلا من أشكال الوصاية أو الحماية ليس مرجحا فحسب، بل ثمة وعود صريحة به. ففي أعقاب العملية الدرامية في فنزويلا، عاد مساعدو ترمب أيضا إلى إثارة التهديدات المتعلقة بالحصول على غرينلاند.

غير أن ما يجعل الماضي حاضرا بقوة في سياسة ترمب تجاه فنزويلا هو الدور الكبير الذي تلعبه تصورات "الحضارة" في أفعال الرئيس. فاعتقال مادورو ينسجم مع منطق ملحق روزفلت لمبدأ مونرو، الهادف إلى تحقيق الاستقرار في نصف الكرة الغربي، وكذلك مع الملحق الثاني غير الرسمي الذي دعا إلى معاقبة الجرائم ضد الحضارة. ولا شك أن مادورو يشكل وصمة في تاريخ فنزويلا، وكان كثير من المشرعين الأمريكيين البارزين يطالبون بتغيير النظام بالفعل منذ وقت طويل، قبل تنفيذ ترمب عملية الاعتقال الخاطف. إن إزاحة مادورو إذن تلبي التزامين من فترة روزفلت.
يعتقد ترمب كذلك أن الفنزويليين غير قادرين على حكم أنفسهم، على الأقل في الوقت الراهن. فقد قال في 3 يناير/كانون الثاني: "لا مانع لدينا من قول ذلك، لكننا سنحرص على أن تدار تلك البلاد على نحو صحيح". ويذكرنا هذا الشك في قدرة فنزويلا على الحكم الذاتي بالقلق "الحضاري" الذي كان يساور ماكينلي تجاه الفلبينيين قبل ضم بلادهم إلى حماية واشنطن، إذ كان يصر على أن الولايات المتحدة وحدها قادرة على تعليمهم كيف يحكمون بلدهم.
وتبرز أفكار الحضارة جلية في بعض سياسات ترمب الأمنية الأخرى. فالتوسع في مداهمات وكالة الهجرة والجمارك (ICE)، والتركيز الكبير على الحدود الأمريكية، والإلغاء الواسع للتأشيرات، كلها مؤشرات على رغبة في زيادة تجانس المجتمع الأمريكي.
وفي إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025، حذرت إدارة ترمب من طمس الحضارة في أوروبا وتآكل هويتها الغربية، وهو بالضبط ما يبدو أن الإدارة تخشى حدوثه داخل الولايات المتحدة نفسها. ومن هنا تأتي سيطرتها المركزية غير المسبوقة على معارض متحف سميثسونيان، وهجماتها على مختلف مستويات النظام التعليمي الأمريكي. ومثلما خشي وزير خارجية ماكينلي، ويليام داي، من أن يصبح الفلبينيون يوما ما ناخبين أمريكيين، يرى كثير من القادة الجمهوريين اليوم أن التنوع يشكل تهديدا للأمن القومي. وكما جاء في الإستراتيجية نفسها: "إن عصر الهجرة الجماعية قد انتهى".
https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80

تجمّع الناس في مدينة سياتل بولاية واشنطن، الولايات المتحدة، في 11 يناير/كانون الثاني 2026،
للاحتجاج على تشديد إجراءات الهجرة، بعد مقتل رينيه نيكول برصاص أحد عناصر إدارة
الهجرة والجمارك الأمريكية في مينيابوليس (رويترز)

المزيد من التدخلات.. والمشاكل

تلفت الأنظار جملة واحدة من خطاب تنصيب ترمب عام 2025، حين قال: "ستعود الولايات المتحدة مرة أخرى إلى اعتبار نفسها أمة تنمو، أمة تزيد ثروتنا، وتوسع أراضينا، وتبني مدننا، وترفع سقف طموحاتنا، وتحمل علمنا إلى آفاق جديدة وجميلة". لا توجد عبارة تعبر بدقة أكبر عن الارتباط العميق عند ترمب بتصورات القوة والأمن في أواخر القرن التاسع عشر. من الصعب تخيل أي رئيس أمريكي حديث يتفوه بمثل هذه الكلمات، لكنها كانت ستنسجم تماما مع خطاب ماكينلي الثاني عند تنصيبه.

غير أن عصر ماكينلي يحمل درسا تحذيريا يتمحور حول ما أسميه "فخ المتطفلين". بينما ترسم إدارة ترمب مسارها في فنزويلا، سيكون من الحكمة أن تضع نفسها في موضع إدارة ماكينلي في خريف عام 1898. ففي ذلك الوقت، كان ماكينلي قد أطاح بنظام قمعي بعد هزيمة الاستعمار الإسباني في الفلبين، ولم يكن يثق بالسكان المحليين، واعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على إدارة بلادهم على نحو أفضل.
وبما أن القوات الأمريكية كانت قد هزمت الإسبان وبسطت سيطرتها على مانيلا، شعر ماكينلي بنوع من الملكية تجاه الفلبين، مما دفعه إلى تضخيم أهمية ما يجري في الشرق الأقصى بالنسبة للمصالح الحيوية للولايات المتحدة. وقد خلص إلى أن انسحابا أمريكيا من الفلبين سيؤدي إلى حرب بين القوى الكبرى، فقرر تفادي تلك الحرب عبر ضم الأرخبيل بأكمله، وهو تبرير لافت، إذ إن ماكينلي لم يكن قد أبدى من قبل أي قلق من احتمال اندلاع حرب كبرى.
بعد الضم، اكتسب الانخراط والتدخل الأمريكي في آسيا منطقا دائريا ذاتي التحقق: لقد كان على واشنطن أن تستمر في التدخل لأن ذلك بات يمس مصالحها، لكن هذه المصالح نفسها كانت قائمة في جوهرها على الخطيئة الأولى وهي ضم الفلبين. بعبارة أخرى، فإن التدخل دفع ماكينلي وخلفاءه إلى التورط أكثر وأكثر. أما الفلبين فلم تنل استقلالها إلا عام 1946.

اليوم، على ترمب أن يحدد طبيعة خطواته التالية في فنزويلا على ضوء ما جرى في الفلبين سابقا. لقد رحب الفلبينيون في البداية برحيل الإسبان عام 1898، وعلى نفس المنوال رحب كثير من الفنزويليين بزوال زعيمهم المستبد، لكن الترحيب بالتغيير لا يعني الترحيب بتولي الولايات المتحدة زمام الأمور.
كان إميليو أغوينالدو، أبرز الزعماء الفلبينيين عام 1898، في غاية السعادة بانتصار ماكينلي على الإسبان. غير أن أيا من الفلبينيين لم يكن له رأي فيما تلا تلك اللحظة من أحداث. فقد أثار قرار ماكينلي ضم الفلبين تمردا على بعد آلاف الأميال، أدى إلى أطول حرب خارجية خاضتها الولايات المتحدة حتى الحرب العالمية الثانية.
وقد انتصرت القوات الأمريكية، لكن بكلفة مادية وأخلاقية هائلة، حيث قتل مئات الآلاف من الفلبينيين في الحرب الفلبينية–الأمريكية، معظمهم بسبب المرض والمجاعة، بما في ذلك داخل معسكرات الاعتقال الأمريكية، وهو عدد يقارب عدد المدنيين الذين قتلوا بالقنابل الذرية في هيروشيما وناغازاكي.
قد يبدو لبعض أفراد الإدارة، أو لواحد منهم على الأقل، أن فكرة إدارة فنزويلا من البنتاغون أو وزارة الخارجية أو البيت الأبيض منطقية، لكن التدخل الفج في الخارج ينطوي على مخاطرة الإيقاع بهذه الإدارة والإدارات المقبلة في فخ الاعتقاد بأن ما يجري في فنزويلا ومحيطها بات مهما للمصالح الأمريكية بأكثر مما هو لازم.
فحين تحاول إدارة ترمب الإشراف على فنزويلا، ستبدأ أحداث لم تكن ذات شأن بالنسبة للولايات المتحدة في الظهور على أنها قضايا مصيرية لواشنطن. وإذا ما أدى الدور الأمريكي هناك إلى نوع من التمرد أو المعارضة المتصاعدة، سينخرط الرئيس بطرق قد تفضي إلى اضطرابات ومآس.
لقد جادل أستاذ السياسة كالب بوميروي مؤخرا في مجلة فورين أفيرز بأن الدول كلما ازدادت قوة شعرت عادة بقدر أكبر من انعدام الأمن، فعندما ضمت الولايات المتحدة الفلبين، قاد ازدياد القوة إلى إحساس أشد بالهشاشة. وقد اعترف روزفلت لويليام هوارد تافت عام 1907 قائلا: "إن الفلبين هي كعب أخيل أمريكا". وإذا بدأ ترمب بإدارة فنزويلا، فلن يجد فنزويلا عصية على السيطرة فحسب، بل سيجد هو وخلفاؤه أيضا أن التخلي عنها سيكون أمرا مستحيلا عليهم قبوله.
_______________________________
هذه المادة مترجمة عن فورين أفيرز ولا تعبر بالضرورة عن موقف شبكة الجزيرة التحريري

المصدر: فورين أفيرز + الجزيرة نت


الساعة الآن 10:18 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir