محاولات تاريخية للسيطرة على هرمز
لم تكن فكرة السيطرة على مضيق هرمز وليدة اللحظة، بل لها جذور تاريخية تعود إلى عقود. ويستحضر القيسي تجربة "حرب الناقلات" (1987-1988) خلال
الحرب العراقية الإيرانية، عندما أعادت الولايات المتحدة تسجيل ناقلات النفط الكويتية تحت علمها ضمن "عملية الإرادة الصادقة". مستشهدا بأحداث بارزة خلال تلك الفترة، مثل إصابة الناقلة "بريدجتون" بلغم إيراني، و"عملية فرس النبي" في أبريل/نيسان 1988 التي استهدفت منصات نفطية وسفنا إيرانية.
وتكشف هذه التجربة عن أن الأسلحة الرخيصة والتهديدات الساحلية استطاعت تعطيل الملاحة فترات طويلة حتى أمام القوة البحرية الأمريكية المتفوقة، ورغم أن العمليات الأمريكية أسهمت في تقليل الهجمات على السفن، فإنها أظهرت أيضا صعوبة في التعامل مع الألغام البحرية والزوارق الهجومية السريعة رغم التفوق البحري الأمريكي الواضح،
وحسب المحللين، فإن هذه الدروس تتكرر اليوم لكن مع تطورات حديثة مثل
الطائرات المسيرة الانتحارية
والصواريخ الباليستية المضادة للسفن، وهناك الوكلاء الإقليميون.
وكشف الجنرال الأمريكي المتقاعد والقائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية فرانك ماكينزي عن أن العمليات الجارية حاليا ليست عشوائية، بل هي جزء من "خطة قائمة منذ سنوات عديدة"، تهدف في الأساس إلى تقليص قدرات إيران على تهديد الملاحة في المضيق.
والرئيس ترمب نفسه كشف عن هذا الطموح الأمريكي والتحديات نفسها في آن واحد، حين أعلن في مقابلات صحفية عدة أن خياره المفضل هو الاستيلاء على النفط الإيراني، مضيفا "ربما نستولي على جزيرة خارك وربما لا، وهذا يعني أننا سنضطر للبقاء هناك لفترة من الوقت".
شروط السيطرة الكاملة
وتتطلب السيطرة الكاملة على المضيق أن تكون المناطق الساحلية الإيرانية المشاطئة للمضيق والخليج تحت السيطرة الأمريكية، بحسب ما يوضحه علي الذهب، مبينا أن ذلك يعني وجودا عسكريا أمريكيا مباشرا في هذه المناطق أو على شواطئها، وانتشارا عسكريا داخل مسافة تتراوح بين 60 و100 كيلومتر، وهي مسافة توفر أمانا نسبيا وليس كاملا.
ويطرح الذهب فرضية مفادها إمكانية إنشاء كيان مسلح موالٍ للولايات المتحدة داخل السواحل الإيرانية، نظرا لأن طبيعة السواحل الواسعة تتطلب انتشارا كبيرا للقوات، وهو ما قد يكون صعبا إذا كانت الولايات المتحدة تعتزم الاستمرار طويلا في المضيق أو إذا طال أمد المعركة مع إيران.
وفي ظل تعقيدات التصعيد الحالي، تبدو الولايات المتحدة غير قادرة على تحقيق هذا بمفردها، ومن ثم يشدد علي الذهب على ضرورة الدعم العماني لتتمكن القوات الأمريكية من التمركز في مناطق مثل رأس مسندم والانتشار في المجال البحري الإقليمي لعمان داخل المضيق.
لكن الغيلاني لا يتفق مع هذا السيناريو، ويقول إن سلطنة عمان التي تسيطر نظريا على الشق الجنوبي للمضيق لن تنخرط في "معركة المضيق"، ولن تمنح الولايات المتحدة أية تسهيلات لوجستية.
ويستمر الباحث العماني في الشؤون الإستراتيجية بقوله إن عمان تغض الطرف عن حقها في السيطرة على الشق الجنوبي من المضيق تجنبا للاصطدام مع إيران، وهذا بالطبع يضعف التموقع الأمريكي في معركة المضيق إن وقعت.
وتتفاقم التحديات اللوجستية مع إخلاء معظم سفن الأسطول الخامس من داخل الخليج بسبب التهديدات الإيرانية، حسب القيسي، مما يعني أن أي عملية إنزال برمائي أو بحري تتطلب نقلا للقوات والمعدات على نحو معقد عبر
بحر العرب أو من قواعد بعيدة، وكل هذا يزيد من وقت التحضير ويجعل القوافل عرضة للهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة والألغام طوال الطريق إلى مضيق هرمز والجزر المستهدفة.

الرد الإيراني واستراتيجية الاستنزاف
وتعتمد الإستراتيجية الإيرانية الدفاعية على طبقات متعددة من الأسلحة غير المتكافئة الرخيصة نسبيا، والتي تستغل الجغرافيا المرتفعة والمياه الضحلة. وتتضمن هذه الترسانة -حسب القيسي-
صواريخ كروز المضادة للسفن من عائلة نور وقادر بمدى يتراوح بين 120 و300 كيلومتر، والزوارق الهجومية السريعة والغواصات الصغيرة من فئة غدير المصممة للمياه الضحلة، والطائرات المسيرة مثل شاهد-136 الانتحارية ومهاجر-6.
ويدرك القيسي أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقا جويا وبحريا هائلا وقدرة على تدمير بنى تحتية واسعة وخبرة في عمليات مكافحة الألغام والزوارق السريعة، لكنه يؤكد أنه يظل من الصعب القضاء نهائيا على المنصات المتنقلة والأسلحة غير المتكافئة، خاصة مع نقص سفن مكافحة الألغام وتردد بعض حلفاء الولايات المتحدة في المشاركة الكاملة.
وقد يشمل الرد الإيراني تجاه العملية البرية الأمريكية جعل المناطق الإستراتيجية مغلقة أمام أي تصعيد عسكري عبر نشر الألغام البحرية العائمة أو القاعية. ويرى الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية أن هذا الإجراء يساعد في إعاقة الوصول إلى الجزر بشكل سريع، ويمكن أيضا إنشاء حقول ألغام أو وسائل إعاقة هندسية وإنشائية داخل هذه الجزر.
ويشكل العامل البشري والتعبئة الشعبية أحد أخطر التحديات التي قد تواجه أي عملية برية أمريكية، وأعلنت إيران الشهر الجاري تعبئة عامة واسعة حشدت أكثر من مليون مقاتل من الجيش
والحرس الثوري ومتطوعي الباسيج، مع تدفق كبير للشباب والطلاب إلى مراكز التجنيد. ووصف المسؤولون الإيرانيون أي عملية برية أمريكية محتملة بـ"المغامرة الانتحارية".
وبدلا من مواجهة جيش تقليدي، قد تواجه الولايات المتحدة كتلة بشرية هائلة تعتمد على حرب غير نظامية واستنزاف طويل الأمد، اعتمادا على إستراتيجية تهدف إلى رفع التكلفة البشرية والسياسية لأي عملية برية.
وفي مواجهة تتقاطع فيها الجغرافيا الوعرة مع العنصر البشري والأسلحة غير المتكافئة، يجمع المحللون على أن السيطرة الأمريكية على مضيق هرمز ممكنة نظريا، لكنها مكلفة للغاية عمليا، بالإضافة إلى أن الاشتباك المباشر سيدفع طهران إلى تكثيف هجماتها على دول الخليج ونقل المعركة إلى مستوى إستراتيجي جديد.