تتعلق الأزمة بدولة إريتريا، وهي دولة ساحلية، وجارتها الأكبر إثيوبيا، وهي دولة حبيسة، فقد فقدت إثيوبيا إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر بعد استقلال إريتريا عام 1993. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، صرَّح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر أصبح مسألة وجودية لإثيوبيا، وبالتحديد، زعم أن إثيوبيا يجب عليها السيطرة على ميناء عَصَب، وهو ميناء حيوي في جنوب إريتريا.
منذ ذلك الحين، تصاعدت التوترات بين البلدين، ولعل إثيوبيا تستعد بالفعل لدفع قواتها مباشرة نحو عَصَب، التي تبعد نحو 60 كيلومترا فقط عن الحدود الإثيوبية. ورغم أن آبي نفى أن بلاده تملك خططا لنزاع عسكري، فإن البلدين يشتريان معدات عسكرية متنوِّعة منذ فترة، بما في ذلك المُسيَّرات، وأنظمة الدفاع ضد المُسيَّرات، والصواريخ، والذخيرة الميكانيكية، والمركبات المدرعة المخصصة للتضاريس الصحراوية.
وفي الأسابيع الأخيرة، حرَّك الطرفان قوات عسكرية نحو الحدود القريبة من عَصَب، وانخرطا في تصعيد الخطاب العدائي بينهما.
إن اندلاع معركة حول ميناء عَصَب بالبحر الأحمر سيكون أمرا خطيرا، لكن ما يجعل الصراع الوشيك تهديدا أكبر مما نتصوَّر هو احتمال امتداده بسرعة إلى إقليم تيغراي المُضطرب في إثيوبيا، المُتاخِم لإريتريا، الذي كان مسرحا لحرب مدمرة بين عامي 2020-2022 بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية في أديس أبابا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. في أعقاب الحرب، التي راح ضحيتها ما يصل إلى 600 ألف إنسان بينهم مئات الآلاف من المدنيين، وخلَّفت إرثا من النزوح والدمار.
كان من المفترض أن يجلب اتفاق السلام بين أديس أبابا
وجبهة تيغراي استقرارا جديدا للمنطقة، لكن معظم بنوده لم تُنفَّذ، فلا تزال القوات الإريترية موجودة في المنطقة، كما أن أجزاء واسعة من تيغراي قد ضُمَّت بحكم الأمر الواقع إلى إقليم أمهرة المجاور في إثيوبيا.
ولا يزال أكثر من مليون من أبناء تيغراي عاجزين عن العودة إلى منازلهم. أما الأكثر إثارة للقلق فهو أن قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي انقسمت إلى فصائل متناحرة، تعقد تحالفات متنافسة مع كلٍّ من إثيوبيا وإريتريا، وتبني أجنحة مسلحة منفصلة.
إذا اندلع قتال بين إثيوبيا وإريتريا، فإن تيغراي ستصبح مجددا ساحة المعركة الرئيسية، مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب كارثية على تيغراي وعلى كامل منطقة القرن الأفريقي. فكلا البلديْن يملك جيشا كبيرا ومجهزا ومستعدا لإلحاق الخسائر وتحمُّلها على نطاق واسع، وسيؤدي أي صراع إلى تمزيق ما تبقى من بنية السلام والأمن الهشة في المنطقة، وقد يجرُّ معه الصومال والسودان إلى دوامة عنف إقليمية واسعة.
يمكن منع اندلاع حرب جديدة بضغط دولي مناسب، بحيث تُدفَع الحكومة الإثيوبية إلى تنفيذ اتفاق السلام لعام 2022، وهو مطلب طالما تمسَّك به التيغرانيون، كما يجب على قادة التيغراي أنفسهم اتخاذ خطوات لتجنُّب تحوُّلهم إلى بيادق في صراع إثيوبي-إريتري أوسع.
في الواقع، إذا بقيت تيغراي على الحياد، فسيكون من الصعب على آبي شن هجوم على ميناء عَصَب بمفرده. في العقود السابقة، كان احتمال اندلاع حرب كبرى في القرن الأفريقي يدفع الدبلوماسيين في واشنطن، والعواصم الأوروبية، والأمم المتحدة، وكذلك
الاتحاد الأفريقي، إلى التحرُّك، أما اليوم، فإن قادة الغرب مشتتون، في حين تداعت المنظمات الدولية، والجهة الوحيدة التي تمتلك النفوذ الكافي لجمع الأطراف إلى طاولة حوار هي الولايات المتحدة.
يعود الدور المحوري لإقليم تيغراي في التوترات بين إثيوبيا وإريتريا إلى ما بعد حرب التيغراي الأخيرة. فعندما اندلعت الحرب، كانت إثيوبيا وإريتريا في صف واحد، حيث جمعتا قواتهما لهزيمة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. وقد سعى آبي إلى فرض إرادته على الجبهة، التي رفضت أن تحل نفسها وتندمج في حزبه الحاكم الجديد في أديس أبابا.
وبدوره، كان الرئيس الإريتري أسياس أفورقي يحمل ضغينة قديمة ضد الجبهة، ولم يكن عازما على تفكيكها فحسب، بل وعلى إلحاق ضرر بالغ بقوات الإقليم بحيث لا تتمكن قواته من تحدي إريتريا مجددا. وقد استعان الزعيمان بميليشيات من إقليم أمهرة المجاور في إثيوبيا، التي كانت لها أسبابها الخاصة للانخراط في الصراع، إذ سَعَت إلى ضمِّ أجزاء من تيغراي كانت تزعم أنها أراضٍ أمهرية تاريخيا.