فيديو يهز أيرلندا الشمالية.. كيف أشعل اليمين المتطرف شوارع بلفاست؟

اضطرابات واسعة وأعمال عنف تستهدف مهاجرين وممتلكاتهم في أيرلندا الشمالية (غيتي إيميجز)
11/6/2026
تشهد أيرلندا الشمالية واحدة من أكثر موجات التوتر الاجتماعي والأمني حدة خلال السنوات الأخيرة، عقب حادثة طعن خطيرة وقعت في منطقة كينارد أفينيو شمال مدينة بلفاست، وأسفرت عن إصابة رجل يدعى ستيفن أوغيلفي بجروح بالغة.
وبسرعة -كما أفادت صحيفة نيويورك تايمز – تحولت حادثة الطعن إلى شرارة أشعلت اضطرابات واسعة وأعمال عنف استهدفت مهاجرين وممتلكاتهم في أيرلندا الشمالية، وسط تصاعد الخطاب المناهض للهجرة وتدخل شخصيات محسوبة على اليمين المتطرف في تأجيج الغضب الشعبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتعود بداية الأحداث -كما نقلت الصحيفة- إلى مساء الاثنين، عندما تعرض ستيفن أوغيلفي، وهو رجل في الأربعينيات من عمره لهجوم عنيف أفقده البصر في عينه اليسرى وأدخلته المستشفى في حالة خطيرة.
وأظهرت مقاطع فيديو انتشرت بسرعة كبيرة على الإنترنت مشاهد دموية للهجوم، حيث بدا المهاجم جاثما فوق الضحية الذي كان غارقا في الدماء، قبل أن يتدخل أحد المارة ويهاجم المعتدي بعصا خشبية مستخدمة في رياضة الهيرلينغ الأيرلندية، حسب الصحيفة.

لا دوافع إرهابية
وألقت السلطات القبض على المشتبه به هادي العوضيد، وهو لاجئ سوداني يبلغ من العمر 30 عاما، ويقيم بصورة قانونية في المملكة المتحدة منذ عام 2023 بعد حصوله على صفة لاجئ وتصريح إقامة يمتد حتى عام 2028، وتشير المعلومات الرسمية إلى أنه وصل إلى أيرلندا الشمالية عبر جمهورية أيرلندا المجاورة قبل أن يستقر في المنطقة التي شهدت الهجوم.
وقد مثل العوضيد أمام القضاء بتهمة الشروع في القتل، وخلال جلسة عقدت عبر تقنية الاتصال المرئي أمام محكمة بلفاست -حسب مجلة نيوزويك – رفض العوضيد الاستعانة بمحامٍ أو تقديم أي دفوع بشأن التهم الموجهة إليه.
من جانبها، أكدت الشرطة أنها لا تملك حتى الآن أي مؤشرات تربط الهجوم بدوافع إرهابية، وأن التحقيقات لا تزال مستمرة لتحديد ملابسات الحادث وأسبابه، كما أوضحت أنها لا تبحث عن مشتبه بهم آخرين في القضية، معتبرة أن التحقيق يركز على المتهم الذي تم توقيفه.
ولكن القضية سرعان ما تجاوزت إطارها الجنائي، وتحولت إلى مادة للتحريض السياسي والإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي -كما تقول نيويورك تايمز- وذلك بعد أن استغلت شخصيات وجماعات من اليمين المتطرف الحادثة لنشر روايات ومعلومات غير مؤكدة حول خلفية المشتبه به، والدعوة إلى تشديد السياسات تجاه المهاجرين واللاجئين.
كما انتشرت دعوات للنزول إلى الشوارع وتنظيم احتجاجات واسعة، مما ساهم في رفع مستوى الاحتقان داخل المجتمع المحلي، وبالفعل اندلعت أعمال شغب في بلفاست ومناطق أخرى من أيرلندا الشمالية. 
فرق الطوارئ اظطرت إلى إجلاء عائلات كاملة من منازلها بعد تعرضها للحرق أو التهديد (الفرنسية)
اليمين يدعو للاحتجاج
وشهدت المدينة -حسب نيوزويك- قيام مجموعات من الأشخاص المقنعين بإحراق عدد من المنازل والسيارات وحاويات النفايات، كما أُضرمت النيران في حافلة عامة، فيما تعرضت قوات الشرطة للرشق بالمقذوفات خلال محاولتها السيطرة على الوضع.
وأصبحت الجاليات المهاجرة في قلب الأزمة -حسب نيويورك تايمز- وتحدث قادة من المجتمع عن حالة من الخوف والقلق تسود بين الأسر الأجنبية المقيمة في أيرلندا الشمالية، واضطرت فرق الطوارئ في بعض الحالات إلى إجلاء عائلات كاملة من منازلها بعد تعرضها للحرق أو التهديد.
وفي خضم هذه التطورات، برز دور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها عاملا رئيسيا في تسريع انتشار الغضب الشعبي -حسب الصحيفة- إذ جرى تداول مقاطع الفيديو الخاصة بالهجوم على نطاق واسع، بالتزامن مع نشر منشورات تحريضية ومعلومات مضللة حول الواقعة وهوية منفذها.
كما شاركت شخصيات معروفة من اليمين المتطرف في بريطانيا محتوى يدعو إلى الاحتجاج والتصعيد، في حين ساهمت إعادة نشر بعض هذه المواد من قبل شخصيات ذات تأثير جماهيري كبير في توسيع نطاق التفاعل معها، كما تقول نيويورك تايمز.
وتأتي هذه الأحداث في سياق أوسع من تصاعد الجدل حول قضايا الهجرة واللجوء داخل المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة، إذ شهدت البلاد عدة حوادث جنائية بارزة استُخدمت لتغذية خطاب معادٍ للمهاجرين، أعقب بعضها موجات احتجاج وأعمال عنف. 
أعمال العنف في بلفاست أدت إلى إحراق باص ومنازل وسيارات (أسوشيتد برس)
بلطجة وعنصرية
ويرى مراقبون أن حادثة بلفاست تمثل أحدث حلقة في سلسلة من الأزمات التي تكشف حجم الاستقطاب المتزايد حول ملف الهجرة، خصوصا في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها بعض المناطق البريطانية.
وفي المقابل، سعت شخصيات سياسية من مختلف الاتجاهات إلى احتواء التوتر، فقد دان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر حادثة الطعن ووصفها بأنها مروعة وصادمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن استهداف الأشخاص بسبب أصولهم أو خلفياتهم العرقية أمر غير مقبول ولن تتسامح معه السلطات، كما تعهد بملاحقة جميع المتورطين في أعمال الشغب والعنف وتقديمهم إلى العدالة.
وكذلك صدرت إدانات من مختلف القوى السياسية في أيرلندا الشمالية، ووصفت رئيسة الحكومة المحلية ميشيل أونيل الهجمات على منازل المهاجرين بأنها أعمال "بلطجة وعنصرية"، مؤكدة أن الجريمة الأصلية لا يمكن أن تبرر الاعتداء على أبرياء أو تهجير عائلات من مساكنها.
أما نائبة رئيس الحكومة إيما ليتل بينغيلي فاعتبرت أن العنف لا يخدم أي قضية سياسية أو اجتماعية، بل يفاقم الانقسامات ويضر بالمجتمع بأكمله، مشيرة إلى أن الشرطة تجمع الأدلة المصورة والمعلومات اللازمة تمهيدا لملاحقات قضائية متوقعة خلال الأيام المقبلة. 
متظاهرون في ساحة البرلمان عقب هجوم بسكين في بلفاست (رويترز)
عائلة الضحية تهدئ
وسعت عائلة الضحية ستيفن أوغيلفي إلى تهدئة الأجواء المتوترة، ودعت إلى عدم استغلال المأساة لإثارة الكراهية أو الانقسامات، وأصدرت بيانا أكدت فيه أن أولويتها الوحيدة تتمثل في تعافي ابنها من الإصابات الخطيرة التي تعرض لها.
وأعربت العائلة عن امتنانها للأشخاص الذين تدخلوا أثناء الاعتداء وساهموا في إنقاذ حياته، وكذلك لفرق الطوارئ والطواقم الطبية التي تواصل رعايته، مؤكدة أن العديد من المهاجرين يساهمون بصورة إيجابية في المجتمع البريطاني وفي قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والخدمات.
وبينما تواصل الشرطة تحقيقاتها في حادثة الطعن وملاحقة المتورطين في أعمال الشغب، تبقى أيرلندا الشمالية أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على احتواء التوترات الاجتماعية ومنع تحول حادث جنائي منفرد إلى أزمة أوسع تمس التعايش المجتمعي والعلاقات بين السكان المحليين والجاليات المهاجرة.
وتخشى الأوساط السياسية والأمنية من أن يؤدي استمرار التحريض وانتشار المعلومات المضللة إلى تأجيج مزيد من الاضطرابات خلال الأيام المقبلة، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى التهدئة والحفاظ على السلم الأهلي.
المصدر: نيوزويك + نيويورك تايمز + الجزيرة نت