يعد ماجار محافظا من الناحية الاجتماعية مثله مثل أوربان، فأفقده بذلك ورقة لعبه الأهم، وركز بدلا من ذلك على قضايا الاقتصاد والفساد. ولكن في الوقت نفسه يشارك ماجار أوربان معارضته الشرسة لحصص الاتحاد الأوروبي للمهاجرين وأكد أنه يرغب في تقليل الهجرة إلى المجر أكثر حتى مما كان عليه الحال في عهد أوربان. ويشارك ماجار أوربان الإيمان بالقيم المسيحية التقليدية، ومن ثم فقد كان قادرا على الوصول لقاعدة حزب "فيدس" الريفية وإقناعهم بخطابه حول الفساد الاقتصادي، والبنية التحتية المتهالكة في البلاد، ونقص السلع الأساسية، وتردي حال المستشفيات والسكك الحديدية، وإقناعهم بوعوده التي ركزت على الإنعاش الاقتصادي وتحسين الرعاية الصحية وخفض تكاليف المعيشة.
وبحسب "واشنطن بوست" فإن ماجار بنى قاعدة دعم شعبية كبرى نتيجة جولاته المكثفة في مختلف أنحاء المجر، وحتى في البلدات والقرى الصغيرة التي يهيمن عليها حزب "فيدس"، إذ كان يلقي ما يصل إلى سبعة خطابات يومية. وفي العام الماضي، كان ماجار قد قطع مسافة نحو 300 كيلومتر سيرا على الأقدام من بودابست إلى الحدود الرومانية سعيا لكسب أصوات ناخبي حزب "فيدس"، كما أنه أجاد بشدة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للوصول للناس وتوسيع قاعدته الشعبية.
"في العام الماضي قطع ماجار مسافة 300 كيلومتر سيرا على الأقدام من بودابست إلى الحدود الرومانية سعيا لكسب أصوات الناخبين"
وقد لعبت الأموال الأوروبية أيضا دورا كبيرا في فوز ماجار، فمنذ عام 2022 كان الاتحاد الأوروبي قد جمد مليارات الدولارات من التمويل المخصص للمجر، وذلك بسبب انتهاك أوربان للقيم الديمقراطية الأساسية وفق تعريف الاتحاد لها، وهو أمر جعل الناس يزدادون غضبا تجاه أوربان. وقد كان من أهم عوامل فوز ماجار تعهده بالابتعاد عن سياسة أوربان المشككة في الاتحاد الأوروبي، والنأي بالمجر عن روسيا.
ماجار ومستقبل المجر
ترك أوربان إرثا معقدا في المجر، إذ حولها إلى ما يسميه الكثيرون دولة "ديمقراطية غير ليبرالية"، فقد أعاد رسم ملامح البلاد على نحو خاص، ليس دكتاتوريا محضا، لكنه يصب في مصلحة استمرار نظامه. فقد اعتمد أوربان على الأغلبية البرلمانية التي يمتلكها في تمرير مئات القوانين ذات الأثر العميق في النظام السياسي المجري، كما ألغى مجلس القضاء الوطني المنوط بالإشراف على السلطة القضائية، وقلص سلطة المحكمة الدستورية، وألغى سلطتها الخاصة بمراجعة الميزانية، وجعل البرلمان هو من يعين قضاتها بأغلبية الثلثين. وألغى أوربان أيضا سن التقاعد الخاص بالقضاة المعينين في المحكمة الدستورية، ومدد ولايتهم من 11 إلى 15 عاما، وقام بإقالة 274 قاضيا، فاستطاع بذلك السيطرة على السلطة القضائية.
على صعيد السلطة التنفيذية، وزع أوربان مناصب كان يعهد بها للتكنوقراط من قبل، مثل وظائف المالية ورئاسة الدولة والمناصب العليا في المؤسسات الثقافية والجامعات، ومنحها للموالين لنظامه. أما على صعيد الإعلام فقد عمل أوربان وحزبه على السيطرة على أغلب وسائل الإعلام الهامة، وحول معظمها إلى أبواق للحكومة، وأنشأ هيئة تنظيمية لمراقبة الإعلام، وعين أنصاره في تلك الهيئة.
"سيطر أوربان على وسائل الإعلام، وحول أغلبها إلى أبواق للحكومة، وأنشأ هيئة تنظيمية لمراقبة الإعلام، وعين أنصاره في تلك الهيئة"
وينتظر الآن قطاع عريض من الجماهير المجرية من ماجار أن يبدل هذا الإرث، ويقضي على ملامح دولة أوربان المناهضة لليبرالية ولفكرة الفصل بين السلطات، وهو ما يستطيع ماجار فعله بعد أن حصل على أغلبية ساحقة، مما يمكنه من إلغاء القوانين التي مررها أوربان وحزبه، والتي دشنت سابقا ملامح الديمقراطية غير الليبرالية، وألهمت قطاعات واسعة من اليمين الغربي.
وعد ماجار المجريين بأن تكون حكومته سريعة في تطبيق إجراءات مكافحة الفساد، واستعادة استقلال القضاء، وضمان حرية الإعلام، ووقف الدعاية الممولة من الدولة، وتعليق بث الأخبار من التلفزيون والإذاعة العامة الخاضعة لسيطرة الدولة إلى حين ضمان نزاهة التغطية من قبل مجالس إشراف جديدة.
هذا بالإضافة إلى وعوده باستعادة سيادة القانون والديمقراطية التعددية ونظام التوازن بين السلطات، وإنشاء مكتب وطني لاسترداد الأصول، والهدف منه محاسبة من اعتبرهم ماجار "المجرمين السياسيين والاقتصاديين الذين سرقوا البلاد". وقد أكد ماجار أيضا أن المجر ستنضم لمكتب المدعي العام الأوروبي، مما يمنح محققي الاتحاد صلاحيات التحقيق والفحص في كيفية استخدام أموال الاتحاد في عهد أوربان.
"تعهد ماجار بتعديل الدستور لينص على عدم جواز أن يشغل شخص منصب رئيس الوزراء أكثر من فترتين، على أن تطبق تلك المادة بأثر رجعي، بهدف منع أوربان من العودة للسلطة"
من جهة أخرى، تعهد ماجار بتعديل الدستور بحيث ينص على أنه لا يجوز لأي شخص أن يشغل منصب رئيس الوزراء أكثر من فترتين، على أن تطبق تلك المادة بأثر رجعي، كي تشمل أوربان وتمنعه من الترشح مرة أخرى. ودعا ماجار رئيسي أعلى محكمتين في البلاد، ورئيس مكتب التدقيق الحكومي (أعلى هيئة رقابة مالية في البلاد)، ورؤساء هيئات المنافسة والإعلام، والمدعي العام، ورئيس المجر، إلى الاستقالة، واصفا إياهم بـ"الدمى"، في محاولة منه لتفكيك دولة أوربان.
ويمكن القول إن التغيير الأهم الذي ينتظره المجريون في عهد ماجار هو الإصلاحات الدستورية والقانونية المتعلقة بسيادة القانون التي يطلبها الأوروبيون، والتي تمهد للإفراج عن 17 مليار يورو (نحو 18.5 مليار دولار) من أموال الاتحاد الأوروبي المجمدة. وبحسب وكالة رويترز فإن أموال الاتحاد الأوروبي تلك تمثل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للمجر، مما يضيف حوالي 1-1.5 نقطة مئوية إلى النمو إذا وصلت تلك الأموال للمجر. وجدير بالذكر أن الفورنت (عملة المجر) قد واصل مكاسبه بعد فوز ماجار مسجلا أعلى مستوى له أمام اليورو في 3 سنوات، وذلك نتيجة تفاؤل المستثمرين بانتعاش الاقتصاد بعد هزيمة أوربان، وتوجه ماجار للتصالح مع أوروبا وتحرير تمويل الاتحاد الأوروبي المجمد.
من أوروبا إلى إسرائيل: كيف يؤثر فوز ماجار؟
كانت الانتخابات المجرية محط أنظار قوى عديدة حول العالم لأسباب مختلفة، ففي أوروبا نُظر إلى "مجر أوربان" عادة بوصفها سدا منيعا أمام تمرير العديد من السياسات الأوروبية وأمام تطبيق التكامل الأوروبي بشكل عام. وفي الولايات المتحدة كان الحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترمب ينظرون على نطاق واسع إلى أوربان باعتباره مرجعا في كيفية القضاء على الدولة العميقة وجعل المؤسسات طيعة في يد الحزب الحاكم، ومن ثم كانت ردود الفعل مختلفة في شتى أنحاء العالم تجاه فوز ماجار.
بعد النتيجة، سرعان ما تلقى ماجار مكالمات هاتفية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والأمين العام لحلف الناتو مارك روته، والمستشار الألماني فرديريش ميرتس، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، فيما احتفل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بانتصار ماجار قائلا: "اليوم تنتصر أوروبا والقيم الأوروبية"، وهي نبرة احتفالية شاركها أيضا رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إذ كتب: "المجر، وبولندا، وأوروبا معا من جديد. نصر مجيد أيها الأصدقاء الأعزاء"، في حين قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن هذه لحظة تاريخية ليس للمجر وحدها، بل للديمقراطية الأوروبية كلها.
"في حين كانت العديد من المؤسسات الأوروبية تحتفل بهزيمة أوربان، لم يصدر عن البيت الأبيض الذي أيد أوربان بشدة أي ردة فعل"
وفي حين كانت العديد من المؤسسات الأوروبية تحتفل بهزيمة أوربان، لم يصدر عن البيت الأبيض الذي أيد أوربان بشدة أي ردة فعل، علما بأن تأييد الإدارة الأمريكية لأوربان وصل إلى حد أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس قام بجولة دعم انتخابي لصالح أوربان في بودابست، واتهم حينها الاتحاد الأوروبي بالتدخل في ديمقراطية المجر.
من جهتها، كانت قوى أقصى اليمين في أوروبا هي الأكثر أسفا على هزيمة أوربان، فقد اعتبرت كتلة "الوطنيون من أجل أوروبا" في البرلمان الأوروبي، التي يندرج تحتها حزب "فيدس" وأحزاب يمينية أخرى مثل التجمع الوطني الفرنسي، والحرية الهولندي، وحزب الرابطة الإيطالي، أن النتيجة بمثابة انتكاسة لما أسموه بالقوى الساعية لحق تقرير المصير الديمقراطي والقيم الأوروبية التقليدية داخل الاتحاد الأوروبي.
في الواقع تمثل هزيمة أوربان وانتصار ماجار تغييرا هاما بالنسبة للسياسة الأوروبية، فهي تفتح الباب أمام دعم أوروبي أكبر لأوكرانيا، إذ كان أوربان دائما ما يقف حجر عثرة أمامه، مثلما حدث حين عرقل مؤخرا قرضا بقيمة 90 مليار يورو (نحو 98 مليار دولار) لأوكرانيا، في حين وعد ماجار صراحة في حملته الانتخابية بالإفراج عن هذا القرض لتمويل جهود أوكرانيا الدفاعية.
ويعتبر فوز ماجار دفعة قوية للتكامل الأوروبي، وتقويضا لواحدة من أهم أوراق روسيا داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، إذ كانت المجر في عهد أوربان هي من تعارض العقوبات على روسيا وتتحفظ على دعم أوكرانيا، ومن ثم قد يؤدي فوز ماجار، الذي وعد بإنهاء النفوذ الروسي في بلاده، إلى فرض أوروبا حزمة عقوبات جديدة على روسيا، وهي عقوبات كان أوربان قد استخدم حق النقض ضدها سابقا.
"بسقوط أوربان، فقدت إسرائيل واحدا من أهم داعميها في أوروبا"
يبدو إذن أن روسيا الخاسر الأكبر من هزيمة أوربان وانتصار ماجار على المستوى الدولي، لكن توجد دولة بعيدة جغرافيا عن أوروبا منيت بالخسارة أيضا، وهي إسرائيل، التي دعمت أوربان بشدة في الانتخابات الأخيرة. فقد توطدت العلاقة بين أوربان ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على مدار 15 عاما، ووصلت في عهد أوربان إلى حد أن المحكمة الجنائية الدولية حين أصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو بسبب حربه الإبادية على قطاع غزة، أعلنت المجر انسحابها من عضوية المحكمة، ومن ثم أصبحت المجر واحدة من الوجهات العالمية القليلة التي يستطيع نتنياهو زيارتها دون التعرض لخطر الاعتقال. وكذلك بذل أوربان الكثير من الجهد لعرقلة إصدار الاتحاد الأوروبي أي إدانات لدولة الاحتلال الإسرائيلي أو اتخاذ إجراءات عقابية ضدها، إذ تتطلب تلك الإجراءات إجماعا كان أوربان يخرقه دوما لصالح تل أبيب.
باختصار، فقدت إسرائيل داعما قويا ومهما لها داخل الاتحاد الأوروبي، وجاء ماجار الذي أعلن عن تبنيه لسياسة مختلفة، فقد تعهد بإعادة المجر إلى المحكمة الجنائية الدولية، كما أكد أن حكومته ستسعى إلى إقامة علاقات "براغماتية" مع تل أبيب وستدرس بعناية كل قرار للاتحاد الأوروبي المتعلقة لها، وهذا يعني ببساطة أن حكومته لن تتبع نهج "الانحياز الأعمى" لإسرائيل؛ الذي استفادت منه الدولة العبرية بشدة، خاصة خلال العامين الأخيرين.