عرض مشاركة واحدة

قديم 05-05-26, 04:02 PM

  رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الباسل
المديــر العـــام

الصورة الرمزية الباسل

إحصائية العضو





الباسل غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي حوار في لانغلي.. قصة الصراع الذي غير هوية الاستخبارات الأمريكية للأبد



 

حوار في لانغلي.. قصة الصراع الذي غير هوية الاستخبارات الأمريكية للأبد

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
جيمس أنجلتون (يمين) وويليام كولبي (الجزيرة)


أحمد كامل
5/5/2026


رنَّ الهاتف فتناول جيمس أنغلتون سماعته دون أن يرفع عينيه عن الملف المفتوح فوق سطح مكتبه، لكن شيئا ما في كلمات مُحِدّثه تغلَّب على اهتمامه بالعمل. ففور إنهائه المحادثة نهض أنغلتون وهو يصوِّب نظرة خاطفة عبر النافذة وزجاجها المُغطَّى بطبقة كثيفة من البخار، نتيجة فارق درجة الحرارة بين الغرفة المليئة بأبخرة سجائره والطقس البارد خارج المقر الرئيسي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في "لانغلي"، في صباح شتوي في ديسمبر/كانون الأول 1974.
وبعدما تأكد أنغلتون من إغلاق باب مكتبه توجَّه إلى الطابق السابع، حيث مكتب مدير الوكالة ويليام كولبي الذي طلب حضوره على وجه السرعة. ورغم أن استدعاء مرؤوس إلى مكتب مديره قد يبدو إجراء اعتياديا في ظرفٍ آخر، إلا أن هذا اليوم كان ذروة سنوات من عدم الثقة المتبادلة بين الرجلين.
end of list
فكولبي طالما رأى في جيمس أنغلتون، الذي كان يشغل منصب رئيس قسم مكافحة التجسس في الوكالة آنذاك، رجلا مصابا بالارتياب المفرط بشكلٍ تسبب في شلِّ عمليات الوكالة على مدار سنوات، حيث تحول حذره إلى حالة جمود تعطل المبادرة وتُبطئ كل قرار عملياتي. وبدوره، اعتبره أنغلتون كولبي مجرد "جندي مظلات" سابق، دفعه الحظ إلى رئاسة الجهاز، رغم افتقاره إلى المؤهلات الشخصية اللازمة للمنصب.
"لم يكن أنغلتون مرؤوسا عاديا يمكن التخلص منه بتوقيع بسيط"
كان كولبي قابعا وراء مكتبه حين دخل أنغلتون، ودون مقدمات أبلغه أنه يعفيه من منصبه. بدا ذلك أشبه بإلقاء قنبلة بيدٍ متسرعة نحو الخصم فور ظهوره، متجاهلا أن أنغلتون لم يكن مرؤوسا عاديا يمكن التخلص منه بتوقيع بسيط. إذ شغل الرجل على مدار عقدين (1954-1974) موقعا فريدا داخل الوكالة، جمع فيه بين صلاحيات رسمية واسعة ونفوذ بيروقراطي استثنائي.
فبوصفه رئيس قسم مكافحة التجسس، كان أنغلتون صاحب الكلمة الفصل في تحديد مصداقية المنشقين السوفييت الذين يعرضون خدماتهم على الوكالة، كما كان يتلقى نسخا من جميع البرقيات العملياتية، ويمتلك صلاحية الاعتراض على تجنيد أي عميل. إضافة إلى صلاحية غير مسبوقة للوصول إلى أرشيف الوكالة وملفات موظفيها، واحتفاظه بملفات ضخمة وسرية للغاية خارج نظام السجلات العادي للوكالة، إلى جانب إدارة ملف الارتباط مع الموساد، جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، عبر قناة حصرية، شملت ترتيبات تبادل المعلومات وتمويلا سريا.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
جيمس أنغلتون أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ عام 1975 (أسوشيتد برس)
لم يقتصر نفوذ أنغلتون على مكافحة التجسس الخارجي، بل امتد إلى برامج داخلية شديدة الحساسية. فقد أشرف على برنامج "لينغوال" (HTLINGUAL) السري المختص باعتراض وفتح المراسلات بين المواطنين الأمريكيين وأشخاص في دول شيوعية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي والصين.

كما أدار عبر قسمه عملية "كايوس" التي تابعت أنشطة معارضي حرب فيتنام وناشطين سياسيين داخل الولايات المتحدة، حيث جرى تجميع وفهرسة مئات الآلاف من الأسماء ضمن نظام معلومات داخلي، ما يعني أن أنغلتون شكَّل مركز ثقل قائما بذاته داخل الوكالة؛ لقد كان صاحب إمبراطورية صغيرة في قلب إمبراطورية الاستخبارات الأمريكية.
وعليه، حاول كولبي تخفيف وقع الضربة بعرض منصب استشاري على أنغلتون، لكن الأخير رأى في العرض إقصاء مقنّعا ورفضه بحدة. وتشير المصادر إلى أن اللقاء لم يظل إداريا باردا كما بدأ، فسرعان ما تحوَّل إلى مواجهة مشحونة، تمسَّك فيها أنغلتون بأن مقتضيات مكافحة التجسس تتطلب بقاءه في موقع الفعل لا الظل.
"أنغلتون شكَّل مركز ثقل قائما بذاته داخل الوكالة؛ لقد كان صاحب إمبراطورية صغيرة في قلب إمبراطورية الاستخبارات الأمريكية"
لا تخبرنا المصادر بتفاصيل ما قيل حرفيا داخل المكتب، ولا بكلمات الشجار كما سُمعت. غير أن تاريخ الرجلين واختلاف عقيدتيهما يسمحان لنا بتخيَّل ما دار في العلن وتحت السطح. فلم يكن الخلاف حول منصب يُنتزَع أو صلاحية تُسحَب، بل حول تعريف ماهية الجهاز الاستخباري ذاته: ما الذي ينبغي أن تكونه الاستخبارات؟ أهي عقلٌ يشك في كل شيء حتى يحمي الدولة من اختراق خفي؟ أم مؤسسة منضبطة تُقاس فعاليتها بقدرتها على إنتاج معرفة قابلة للاستخدام السياسي؟ أين ينتهي الحذر المشروع ويبدأ الشلل؟
ومن هنا يمكن أن نبدأ المحاورة الافتراضية بين الرجلين، وهي محاورة بين تصوَّرين متناقضين لطبيعة الاستخبارات، بين من يرى العالم متاهة مرايا لا وضوح فيها، ومن يريد رسم حدِّ واضح بين الحماية والجمود.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ويليام كولبي في اجتماع مجلس الأمن القومي عام 1975 (غيتي)


أسيران لسنوات الطفولة

ما إن تخطى أنغلتون فورة غضبه حتى بادره كولبي: "في يومٍ ما لا بد وأن تُعلِّمني كيف أتذوق الشعر، مع أني أفهم أن هذه الأشياء تحتاج عقلية مُحِّلقة في عوالم الخيال". كان كولبي يشير إلى دراسة مرؤوسه في شبابه للأدب الإنجليزي في جامعة ييل الأمريكية، وتأثره بمدرسة النقد الجديد الأدبية، التي أولت عناية فائقة لبنية النص واللغة المواربة والمعاني المستترة.

لم يبق ذلك التكوين الأدبي في حدوده الأكاديمية، بل تسلل صوب رؤيته الاستخبارية واستحوذ عليها، فصار يعتقد أن ثمة شيئا خفيا يقبع وراء كل إشارة وفعل، إلى درجة أنه استمد من إحدى قصائد الشاعر الإنجليزي "تي إس إليوت" تعبير "برية المرايا"، بوصفه مجازا يُلخِّص عالما من الانعكاسات المتداخلة، حيث تتكاثر الممرات الماكرة والأروقة المفتعلة التي ينسج منها العدو شِراكه، ويغدو التاريخ نفسه سلسلة خداعات متقابلة.
"امتزج الأدب بالاستخبارات في ذهن أنغلتون، فقراءة النص صارت قراءة للخصم، وتأويل الاستعارة صار تفكيكا لخطة تضليل"
هكذا امتزج الأدب بالاستخبارات في ذهن أنغلتون، فقراءة النص صارت قراءة للخصم، وتأويل الاستعارة صار تفكيكا لخطة تضليل. ومن هنا، لم تكن سخرية كولبي مجرد نكتة عابرة، بل طعنا في الفلسفة التي صاغت مسار أنغلتون المهني كله، واتهاما بأن شكوكه ليست إلا أثر خيال أدبي منفصل عن الواقع. ومع ذلك، تلقَّاها أنغلتون في هدوء، مجيبا: "الأدب يُعمِّق فهمك للإنسان؛ السطحي وحده من يراه تسلية خيالية".

مطَّ كولبي شفتيه: "عموما لن أجادلك، فلديك الخبرة الأفضل في ذلك، لكني أيضا أفهم البشر بطريقتي، رغم افتقادي التجربة الأدبية، فقد عشتُ حياة جوَّال. طفولتي مثلا، قضيتها في الصين، مع عائلة أرستقراطية استعمارية، بحسب ما يصفها البعض، حيث كان والدي يخدم في فرقة المشاة الخامسة عشر. وقد امتلكنا هناك قصرا فخما وطاقما من الخدم الصينيين، الذين اعتادوا تلقي أوامري وتنفيذها على الفور، وهو ما يدفعني إلى الاختلاف معك حين تُضفي صفات أسطورية على أجهزة الاستخبارات المُعادية لنا".
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
جيمس أنغلتون (وكالة الاستخبارات الأمريكية)


عملية "الثقة".. فيلم روسي يستحق "الأوسكار"

هزَّ أنغلتون رأسه كعلامة استخفاف ثم نظر في عيني كولبي قائلا: "حسنا، ما رأيك في عملية الثقة؟". كانت عملية الثقة النموذج الأول الذي رسَّخ في ذهن أنغلتون فكرة أن الخداع السوفيتي إستراتيجية طويلة المدى يمكن أن تُدار ببرود لسنوات. وقد بدأت هذه العملية في أغسطس/آب 1921، بتوجيه من فليكس دزيرجينسكي، مؤسس جهاز "التشيكا" (الشرطة السرية السوفيتية).

هدفت العملية إلى إقناع الحكومات الغربية والمعارضة الروسية في المنفى بأن داخل موسكو تنظيما سريا قويا يعمل على إسقاط النظام الشيوعي، بما يدفعهم إلى الاعتقاد بأن النظام هش ويتعرض لضغوط داخلية قد تؤدي إلى تحول الدولة إلى صيغة أكثر اعتدالا، بما يدفع الغرب إلى التطبيع الدبلوماسي وتقديم القروض ونقل التكنولوجيا، ظنا منه أن التحول قادم من الداخل، بدلا من تمويل محاولات إسقاط النظام من الخارج.
"شكلت عملية الثقة دليلا على أن الاستخبارات السوفييتية لا تكتفي باختراق خصومها، بل تبني واقعا كاملا من الخداع المتماسك"
ولتحقيق ذلك، اختلقت الاستخبارات السوفييتية منظمة وهمية تحت اسم "اتحاد الملكيين في وسط روسيا"، كما قُدِّم أحد المسؤولين السوفييت بوصفه منشقا معارضا للنظام، وبدأ في بناء شبكة اتصال مع أجهزة استخبارات غربية. ولإضفاء المصداقية، قدَّم التنظيم خدمات حقيقية للمعارضة في الخارج، من ضمنها تهريب أشخاص إلى الخارج، وتسريب وثائق تبدو حساسة، وتنظيم لقاءات سرية لمعارضين مزيفين، بل وتنفيذ عمليات تخريب محدودة لإقناع المتابعين بأن هناك مقاومة فعلية داخل البلاد.

استمرت العملية نحو ثماني سنوات، واستُدرجت خلالها شخصيات استخبارية غربية بارزة إلى داخل الاتحاد السوفيتي، حيث أُلقي القبض عليهم. وقد انكشفت عام 1929 بعد انشقاق أحد المشاركين، وهو "إدوارد أوبربوت"، وسفره إلى فنلندا، حيث تبيَّن لاحقا أن انشقاقه كان جزءا من الإخراج النهائي للعملية، بعدما ظهر الرجل بعد ذلك في موسكو وعاد إلى عمله في هدوء.
بالنسبة لأنغلتون، شكلت "الثقة" دليلا على أن الاستخبارات السوفييتية لا تكتفي باختراق خصومها، بل تبني واقعا كاملا من الخداع المتماسك، بما رسَّخ في ذهنه أن أخطر المعلومات ليست تلك التي تبدو مشبوهة، بل تلك التي تبدو متماسكة ومُرضية تماما لتوقعاتك.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
فيليكس دزيرجينسكي وسط صفوف التشيكا خلال عرض عسكري في الساحة الحمراء عام 1921 (غيتي)


سوف آخذ "فيلبي" معي إلى القبر

قال أنغلتون: "حدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه دولتهم ناشئة يا كولبي. ما بالك بما وصلوا إليه الآن؟ لا أحد يفهم السوفييت مثلي؛ هذا الجهاز يحتاج لي". أطرق كولبي برأسه بينما استندت يداه إلى سطح المكتب وغمغم: "لا أحد يفهم السوفييت مثلك.. ومع ذلك استمتعت لسنوات برفقة كيم فيلبي!".
كانت علاقة أنغلتون والضابط البريطاني كيم فيلبي واحدة من العلاقات الأكثر تعقيدا وتأثيرا في تاريخ الجاسوسية. فقد بدأت كتلمذة مهنية وانتهت بتحوُّل أنغلتون عمليا إلى "مريض بالارتياب". ولدت هذه الرابطة الأخوية في لندن زمن الحرب، تحديدا في مارس/آذار 1944، حين كان فيلبي ضابطا بارزا في المخابرات البريطانية، ويمتلك خبرة جذبت الشاب الأمريكي أنغلتون الذي كان في بداية مسيرته آنذاك. وقد لعب فيلبي دور المعلم والقدوة، فلقَّنه تفاصيل تشغيل العملاء المزدوجين وكيفية اعتراض المراسلات وصياغة التضليل.

كما تعمَّقت العلاقة حين نُقل فيلبي إلى واشنطن عام 1949 كضابط ارتباط؛ واعتادا اللقاء أسبوعيا في أحد مطاعم واشنطن، حيث كان أنغلتون يفاخر بقدرته على مجاراة فيلبي في الشراب بينما يبوح له بأسرار عملياتية حساسة. في الوقت الذي كان فيه فيلبي ينقل ما يسمعه إلى موسكو في تقارير منتظمة.
وحين تصاعدت الشكوك حول فيلبي عام 1951؛ دافع عنه أنغلتون بإصرار وكتب مذكرة يؤكد فيها نزاهته. لكن الصدمة الكبرى جاءت في يناير/كانون الثاني
1963، حين فرَّ فيلبي من بيروت إلى موسكو وأعلن ولاءه للسوفييت. كان الخبر كاسحا ومحطما لأنغلتون، الذي أدرك أن الرجل الذي اعتبره معلما وصديقا قد خدعه لعقود، وهو تأثير تجاوز الجرح الشخصي، تاركا بصمته على عمل جهاز الاستخبارات الأمريكي لعقود.
"كانت علاقة أنغلتون والضابط البريطاني كيم فيلبي واحدة من العلاقات الأكثر تعقيدا وتأثيرا في تاريخ الجاسوسية"
وعندما أرسل فيلبي له رسالة ودّية من موسكو عبر صديق مشترك، وكأن شيئا لم يحدث، اعتبرها أنغلتون ذروة السخرية. وفي عام 1987، قبل وفاته بأيام، سُئل أنغلتون في غداء وداعي عن الحقيقة كاملة، فاكتفى بابتسامة باهتة وقال: "هناك أشياء يجب أن آخذها معي إلى القبر وكيم واحد منها".
ومع ذلك، أسهمت تلك التجربة في بلورة ما سمَّاه أنغلتون مفهوم "الحلقة". فالتجسس عنده لم يكن مجرد الحصول على معلومات من الخصم، بل عملية يجب أن تُغلق دائرتها، فلا يكفي أن تُرسل معلومة مضللة، بل يجب أن تعرف كيف استقبلها العدو وكيف فسَّرها؟ وهل صدَّقها أم ارتاب فيها؟ هكذا تبدأ الخدعة منك ثم تعود إليك المعرفة بأثرها.
ولذلك، اعتقد أنغلتون أن أي عملية تضليل تحتاج إلى خطَّيْن؛ الأول للإرسال (إرسال عميل مزدوج أو وثيقة تبدو حقيقية أو أحد المنشقين). أما الثاني -وهو الأهم- فهو خطُّ "التغذية المرتدة"، عبر وجود شخص داخل جهاز العدو يخبرك كيف استقبل تلك المعلومة. هذا المفهوم استُلهِم بالأساس من تجربته مع فيلبي، الذي كان يُزوِّد موسكو بتقييمات دقيقة حول مدى تصديق الأمريكيين للروايات السوفيتية وردود فعلهم، من خلال جلساته الدورية مع أنغلتون.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
كيم فيلبي عام 1955 (شترستوك)


حتى أنت يا "تشارلي"

ردَّ أنغلتون بحِدَّة: "هذه تجربة شخصية أضافت لي. قاسية نعم، لكنها تركتني أقوى ولم تكسرني يا كولبي". رد كولبي ساخرا: "إضافة مدهشة إلى حدِّ أنها تفسد عملي.. لكنها مع الأسف لم تصمد أمام مجهود فردي بسيط". كان كولبي يشير إلى نجاحه في اختراق شبكة أنغلتون الحصينة في روما عام 1956، حين حوَّل أحد أهم أصوله السرية إلى جزء من البنية الإدارية العادية للوكالة، مُجرِّدا إياه من هالته الخاصة ومن تأثيره السياسي المباشر.

كان أنغلتون يمتلك عميلا سريا يُعرف باسم تشارلي، يعمل في روما منفردا خارج القنوات الرسمية لمحطة الوكالة، ويرسل تقاريره مباشرة إلى أنغلتون. وقد تمتع تشارلي بعلاقات واسعة في الدوائر السياسية والفكرية الإيطالية، فغدا عين أنغلتون وأذنه هناك، وكانت تقاريره تدعم موقف أنغلتون المتشدد ضد أي تقارب مع اليسار الإيطالي، وتصف الحزب الاشتراكي الإيطالي بأنه "حصان طروادة للشيوعيين".
"نجح كولبي في اختراق شبكة أنغلتون الحصينة في روما عام 1956، محولا أهم أصوله السرية إلى جزء من البنية الإدارية العادية للوكالة"
وعندما عُيِّن كولبي مسؤولا عن العمل السياسي في محطة روما، وسنحت له فرصة لقاء تشارلي، نجح في بناء علاقة ودية مع الرجل إلى أن اكتسب ثقته، وعندئذٍ، استخدم منطق "الحاجة إلى المعرفة"، حيث أقنعه بأن معلوماته ثمينة إلى حدٍّ لا يجوز معه أن تبقى محصورة في دائرة ضيقة. وشيئا فشيئا، نجح في إدخال تقارير تشارلي إلى نظام التوزيع العادي، بحيث تصل إلى السفارة والمحللين في واشنطن ورئيس المحطة.

بهذه الخطوة، جرَّد كولبي أنغلتون من قدرته على استخدام تشارلي كقناة تأثير خاصة تتجاوز البنية الرسمية للوكالة. وتشير المصادر إلى أن أنغلتون انزعج بشدة من هذا التحول، لكنه لم يجد ما يعترض عليه؛ إذ لم يفعل كولبي سوى إعادة المعلومات إلى مسارها المؤسسي الطبيعي.
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
عندما عُيّن كولبي مسؤولًا عن العمل السياسي في محطة روما نجح في بناء علاقة ودية مع تشارلي إلى أن اكتسب ثقته (غيتي)


هل أنت الدرع أم الجاسوس؟

أرخى أنغلتون ظهره على المقعد وقال: "في العام ذاته تمكنت من الحصول على خطاب خروتشوف، لا أحد يكسب دائما". ففي عام 1956، حقق أنغلتون واحدا من أبرز إنجازاته الاستخبارية، حين تمكَّن عبر علاقاته الوثيقة مع جهاز الأمن الإسرائيلي "الشين بيت"، من الحصول على النص الكامل للخطاب السري الذي ألقاه الرئيس السوفيتي نيكيتا خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، والذي أدان فيه جرائم ستالين. وقد وُصف هذا الإنجاز لاحقا بأنه من أعظم انقلابات وكالة الاستخبارات المركزية، إذ أدى نشر الخطاب إلى زعزعة ثقة الأحزاب الشيوعية العالمية في موسكو وأحدث شرخا داخل المعسكر الشيوعي.
" بعد خيانة فيلبي، شرع أنغلتون في مطاردة شبح جاسوس سوفيتي مفترض داخل الوكالة أطلق عليه اسم ساشا"
أجابه كولبي: "بالطبع أذكر. لكن ألا تلاحظ الفارق؟ نجحت حين اتجهت ضرباتك إلى الخارج، حيث الهجوم أفضل وسيلة للدفاع. لكن هجومك الآن يتجه إلى الداخل". بعد خيانة فيلبي، شرع أنغلتون في مطاردة شبح جاسوس سوفيتي مفترض داخل الوكالة أطلق عليه اسم ساشا. وفي سياق هذا الهوس، تضررت مسيرات عشرات الضباط الأبرياء، استنادا إلى تطابقات شكلية في الأسماء أو استنتاجات نظرية لا أكثر. كما انشغل بتسريب معلومات مضللة إلى وحدات بعينها كي يراقب مسارها عبر مراياه ويكتشف إن كانت ستظهر في موسكو لاحقا، بحثا عن الخائن. وكان منطقه دائما أن الحماية الحقيقية تقتضي افتراض أسوأ الاحتمالات.
ويرى المؤرخون وزملاء أنغلتون السابقون أن ساشا كان مجرد شبح، وأن الأضرار التي ألحقها أنغلتون بالوكالة خلال مطاردة هذا الوهم، كانت أكبر بكثير مما يمكن أن يفعله جاسوس حقيقي. ردَّ أنغلتون في نبرة دفاعية: "لكني وفرت الحماية للجهاز، لم يحدث أي اختراق سوفييتي طوال فترة رئاستي للمكتب"». وأومأ كولبي متسائلا: "وماذا لو رأى متشكك مثلك أن درعك الواقي ليس حماية، بل شللا متعمدا؟ ماذا لو اعتبرك عميلا مزدوجا يجُمِّد الجهاز باسم حمايته؟ صدقني، يجب أن تبتعد عن الجهاز يا جيمس. خُذ يومين للتفكير قبل العودة بقرارك".
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
أنغلتون: وفرت الحماية للجهاز ولم يحدث أي اختراق سوفييتي طوال فترة رئاستي للمكتب (أسوشيتد برس)

التضحية بـ "جواهر العائلة"

إلى هنا تنتهي المحاورة الافتراضية المبنية على أحداث تاريخية دقيقة تماما من تاريخ الرجلين، غير أن الوقائع كانت تمضي نحو خاتمة أكثر سخونة. فقد تلقَّى كولبي اتصالا بعد يومٍ واحد من الصحفي سيمور هيرش يُبلغه فيه بعزمه نشر تحقيق مُوسَّع في صحيفة نيويورك تايمز عن برنامج "كايوس"، وهو مشروع سري أطلقته الوكالة في أواخر الستينيات تحت إشراف أنغلتون لمراقبة حركة مناهضة حرب فيتنام وجمع معلومات عن مواطنين أمريكيين، في تجاوز واضح لحدود اختصاصها الخارجي. وقد شمل البرنامج جمع أسماء وملفات عن مئات الآلاف، وأثار لاحقا عاصفة سياسية حول شرعية عمل الاستخبارات داخل الولايات المتحدة، وكان من نتائجه فتح تحقيقات في الكونغرس وإعادة رسم حدود الرقابة على الوكالة.

عندئذٍ أدرك كولبي أن اللحظة مواتية لحسم الصراع. ففي 20 ديسمبر/كانون الأول استدعى أنغلتون مجددا، وأبلغه أن المقال سيصدر قريبا، وأن اسمه سيرتبط مباشرة بهذه العمليات المثيرة للجدل. ثم قال بلهجة قاطعة: "سيكون من الصعب احتواء هذه القصة. ستغادر الآن. نقطة". بعدما ترك أنغلتون الوكالة، شرع كولبي في عملية تطهير واسعة، هدفها تفكيك إمبراطورية أنغلتون وتحويل الوكالة إلى مؤسسة تعمل وفق قواعد بيروقراطية وقانونية أوضح.
"بعد رحيل أنغلتون شرع كولبي في عملية تطهير واسعة بهدف تفكيك إمبراطوريته وتحويل الوكالة إلى مؤسسة تعمل وفق قواعد بيروقراطية أوضح"
كانت أولى خطواته تعيين جورج كالاريس في رئاسة مكتب مكافحة التجسس. كان الاختيار مقصودا، فالأخير ضابط عمليات منظم وعملي، تختلف خصاله عن الطابع الغامض والسري الذي ميَّز أنغلتون. وعندما دخل "كالاريس" وفريقه غرفة أنغلتون، وجدوا أرشيفا مكدسا خارج النظام الرسمي وملفات لم تُسجَّل ضمن قنوات الوكالة المعتادة. ومن بين الاكتشافات المثيرة للدهشة وجود صور أصلية وسرية لتشريح جثة الرئيس جون كينيدي في خزانة أنغلتون، إلى جانب ملفات عن عمليات حساسة وشخصيات سياسية.

اتجه كولبي أيضا إلى تفكيك ما يُعرف بـ"الاستثناء الإسرائيلي". فقد نقل مسؤولية الارتباط مع الموساد من مكتب مكافحة التجسس إلى قسم الشرق الأوسط، لتصبح علاقة مؤسسية تخضع لإشراف جغرافي وتحليلي منتظم، بدلا من كونها قناة شخصية. كما أخضع مشروع التمويل السري للرقابة المالية، مُنهيا أسلوب التسليم النقدي غير الموثَّق. وتحرَّك لإغلاق برامج التجسس الداخلية المثيرة للجدل، فأوقف برنامج فتح الرسائل البريدية وأمر بإتلاف معداته، وبدأ تفكيك البنية التشغيلية لعملية "كايوس" الخاصة بمراقبة النشاط الداخلي، مع تقليص قاعدة البيانات الواسعة التي ضمَّت أسماء مئات الآلاف من الأمريكيين.

أما الخطوة الأكثر إثارة للجدل فجاءت حين قرر التعاون مع لجان التحقيق البرلمانية، فقدَّم تقريرا موسعا عُرف باسم "جواهر العائلة"، تضمَّن سردا تفصيليا لانتهاكات سابقة ومعلومات حساسة. وقد رأى الحرس القديم في ذلك خيانة وتضحية بالأمن القومي في مقابل إظهار الشفافية، لكن كولبي كان يعتقد أن الاعتراف المنضبط والخضوع للقانون هما السبيل الوحيد لحماية الوكالة من خطر التفكُّك في تلك المرحلة.

كان الضوء يدخل أخيرا إلى ممرات الوكالة المُعتمة، لكن أحدا لم يعلم على وجه اليقين ما إذا كان ذلك نتاج قناعة راسخة لدى كولبي بضرورة إخضاع الاستخبارات لسيادة القانون واحترام الدولة، أم أنها كانت طريقته الأذكى لإزاحة خصمه وهزيمته داخل إطار أخلاقي وقانوني مُحكَم، كما فعلها سابقا حين جرَّد أنغلتون من تشارلي دون صدام مباشر.
في نهاية المطاف، تركت تلك المعركة ونتائجها آثارا امتدَّت لعقود على وكالة الاستخبارات المركزية، وغيَّرت طبيعة عملها حتى نهاية الحرب الباردة وبدء الحرب على الإرهاب، حين بدأت كتابة فصل جديد من فصول تاريخ المخابرات الأمريكية عقب حادثة 11 سبتمبر/أيلول، بعد خمسة أعوام فقط على رحيل ويليام كولبي.

المصدر: الجزيرة نت

 

 


 

الباسل

يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية

   

رد مع اقتباس