ترجع هذه القواعد في أصلها إلى مبادئ أخلاقية ودينية، وأعراف شاعت في الأمم والمجتمعات، إذ سعت الحضارات المختلفة إلى تخفيف ويلات الحروب وترسيخ مبادئ الرحمة وحماية الفئات المستضعفة أو غير المشاركة في القتال.
ففي الشريعة الإسلامية مثلا، ترد العديد من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في الغزوات، ومن بعده وصايا الخلفاء، ومن أشهرها الوصية المروية عن أبي بكر الصديق لجيوش الشام، والتي أصبحت نصا تأسيسيا في محرمات الحروب، إذ يقول فيها: "يا أيها الناس قفوا أوصكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقا. اندفعوا باسم الله…".
واشتمل التراث الإسلامي أيضا على مؤلفات تناولت فقه الحروب وقواعدها، منها كتاب السِّيَر الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني (131-189هـ)، وأعمال معاصرة تناولت علاقة
القانون الدولي بالشريعة الإسلامية.
أما في سياق التقنين الدولي، فقد بدأ التقنين المكتوب في منتصف القرن التاسع عشر، وقد شكّل كلٌّ من إصدار تعليمات ليبر عام 1863 في
الحرب الأهلية الأمريكية وصياغة
اتفاقية جنيف الأولى لعام 1864 محطتين فاصلتين في هذا التطور، إذ مثّلتا أولى المحاولات المنهجية لصياغة قواعد مكتوبة تنظّم سلوك القوات المسلحة في النزاعات المسلحة.
تلا ذلك إعلان سان بطرسبرغ لعام 1868 الذي حظر استخدام المقذوفات المتفجرة ذات الوزن الصغير ضد الأفراد، وأسهم في ترسيخ مبدأ أن الهدف المشروع من الحرب هو إضعاف القوات العسكرية للعدو، مع تجنّب إيقاع معاناة لا لزوم لها. وشهدت اتفاقيات لاهاي لعامي 1899 و1907 تطورا محوريا في تقنين أعراف الحرب البرية، خاصة من خلال لوائحها المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية.
وفي هذا السياق، برز ما عُرف بـ"بند مارتنز" (Martens Clause) الذي صاغه الخبير القانوني الروسي فريدريك مارتنز وأُدرج في ديباجة اتفاقية لاهاي لعام 1899، ثم أعيد إدراجه في صيغ لاحقة.
وينص هذا الشرط في جوهره على أنه في الحالات التي لا تغطيها المعاهدات المكتوبة، يظل السكان والمتحاربون تحت حماية وسلطة مبادئ القانون الدولي كما استقرّت في عُرف الأمم المتمدنة، وكما تمليها قوانين الإنسانية ومقتضيات الضمير العام.
وتكمن أهمية بند مارتنز في تأكيده أن عدم النص الصريح على حظر سلوك أو سلاح معيّن لا يجعله مباحا تلقائيا، بل يظل خاضعا لمعيار الإنسانية والضمير العام، مما يوفر شبكة أمان أخلاقية وقانونية لتقييم مشروعية وسائل وأساليب القتال، بما في ذلك الأسلحة الحديثة.
إلا أن الحربين العالميتين
الأولى و
الثانية وما شهدتاه من استخدام للغازات السامة وأساليب القصف الواسع النطاق، كشفتا قصور القواعد القائمة، فتبنى المجتمع الدولي اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 لحماية ضحايا النزاعات المسلحة، ثم بروتوكولي 1977 اللذين وسعا نطاق الحماية، خاصة للمدنيين وحركات التحرر الوطنية.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، أتى حظر فئات من الأسلحة ذات الطابع العشوائي أو المسببة لآلام مفرطة، فظهرت
معاهدات حظر الأسلحة البيولوجية والكيميائية، ثم
اتفاقية أوتاوا لعام 1997 لحظر الألغام المضادة للأفراد، والاتفاقيات والبروتوكولات التي قيدت استخدام الذخائر العنقودية وغيرها من الأسلحة التي تهدد المدنيين في النزاعات وبعد انتهائها.
وتبقى عملية تحديد محرمات الحروب وتقنينها عملية مستمرة بالتوازي مع تطور التقنيات العسكرية، مثل
الطائرات المسيرة والأسلحة السيبرانية والروبوتات الذاتية و
الذكاء الاصطناعي، وتلتزم الدول بإجراء مراجعة قانونية لأي سلاح جديد قبل استخدامه.
وفي الحالات التي تتقدم فيها التكنولوجيا على النصوص المكتوبة، يظل بند مارتنز مرجعية حاكمة في تقييم مشروعية هذه الأسلحة وضمان خضوعها لمبادئ الإنسانية والضمير العام.
يمكن تعداد الكثير من المحظورات التي يجرّم ارتكابها في الحروب، لكونها تناقض المبادئ الإنسانية العامة، ومن أهمها: