أديس أبابا على حافة السقوط.. هل يدمِّر آبي أحمد إثيوبيا؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          على وقع احتدام المعارك.. إثيوبيا تنشد الدعم الأفريقي والأمم المتحدة تجلي رعاياها الدوليين (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          أفضل برامج قفل التطبيقات لهواتف آيفون وأندرويد (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          تحجب الرؤية الأميركية عن إستراتيجية بوتين.. من هي الشخصيات المؤثرة في السياسة الروسية؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          أستراليا توقع اتفاقية بشأن التزود بغواصات مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          طريق الحرير الرقمي.. هل بدأت الصين حرب الشبكات؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 26 )           »          المستعرب التشيكي ألويس موسيل (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 35 )           »          الحبوب المضادة للفيروسات.. هل تغير العلاجات الفموية الجديدة قواعد اللعبة بالنسبة لكورونا؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 3 - عددالزوار : 30 )           »          5 قتلى وعشرات الجرحى بسبب اقتحام سيارة حشدا في ويسكونسن بأميركا (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          ملف خاص بكل تفاصيل الأحداث والمعلومات والتطورات لفيروس كورونا (كوفيد 19 ) (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 268 - عددالزوار : 80397 )           »          العرض العسكري بمناسبة العيد الوطني 51 المجيد عام ٢٠٢١م بسلطنة عُمان (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 62 )           »          توتر روسي أميركي في البحر الأسود.. أزمة برائحة البارود (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 71 )           »          بأسلحة أميركية ومروحيات روسية.. طالبان تستعرض عسكريا (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 70 )           »          "النمر الطائر".. وحش الحرب الذي صنع تفوق سلاح الطيران الفرنسي (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 78 )           »          معركة السموع (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 77 )           »         



 
العودة   ..[ البســـالة ].. > جـناح التــاريخ العسكــري و القيادة > قســـــم التــاريخ العـســــكــري
التعليمـــات قائمة الأعضاء وسام التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
 


ظهير الدين بابُر.. حفيد جنكيز خان الذي أعاد نهضة الإسلام إلى الهند

قســـــم التــاريخ العـســــكــري


إضافة رد
 
أدوات الموضوع

قديم 15-10-21, 08:52 PM

  رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الباسل
المديــر العـــام

الصورة الرمزية الباسل

إحصائية العضو





الباسل غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي ظهير الدين بابُر.. حفيد جنكيز خان الذي أعاد نهضة الإسلام إلى الهند



 

ظهير الدين بابُر.. حفيد جنكيز خان الذي أعاد نهضة الإسلام إلى الهند

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

15/10/2021

لا تُذكر الهند إلا ويُذكر معها تاريخ من الشعوب والأجناس واللغات، وحضارة عريقة جمعت بين المادي والمعنوي، وحاصلات زراعية حوت سحر الشرق من البهارات التي كانت بمثابة نفط العصور الوسيطة، جعلت القوى العالمية تتصارع على التجارة معها تارة، ثم تحاول الاستيلاء عليها تارة أخرى. أما أهل الهند فظلوا طيلة قرون "يعتقدون في الأرض أنها أرضهم، وفي الناس أنهم جنسهم، وفي الملوك أنهم رؤساؤهم، وفي الدين أنّه نحلتهم، وفي العلم أنه معهم، فيترفَّعون ويتبظرمون ويعجبون بأنفسهم فيجهلون"، كما يقول العلامة البيروني (ت 440هـ/1047م) في كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة".

لذلك، رغم انتصار الإسلام على فارس، وبلوع أقدام المسلمين أرض إيران، ثم خراسان على مشارف أفغانستان، واقترابهم من حدود الهند؛ ظل الهنود غير عابئين بهذه الدولة العالمية الجديدة التي اقتربت من ديارهم وممالكهم، بل إنهم عاملوا المسلمين باستهانة، وهاجموا سُفنهم ونساءهم في تجارتهم مع جزيرة "سيلان" (سريلانكا) جنوبي الهند، ولم يقبلوا تحذيرات الأمويين وقائدهم الشهير في العراق والشرق الإسلامي "الحجاج بن يوسف الثقفي" بإطلاق سراح الأسرى حيّهم وميّتهم.

حينها قرر الحجاج أن الأمر تخطى مسألة التأديب، وأنه بات ينبغي فتح هذه الأقطار وإدخال الإسلام إليها، ولم يجد لهذه المهمة إلا ابن أخيه القائد "محمد بن القاسم الثقفي" الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عُمره حين انطلق على رأس ستة آلاف جندي وعشرات الآلاف من الإمدادات العسكرية لفتح شبه القارة الهندية، واستطاع تحقيق هذه المعجزة العسكرية التي أشرنا إليها في تقريرنا "كيف دخل المسلمون بلاد الهند والسند؟".
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ولئن كان تبدل الأوضاع السياسية في دمشق -عاصمة الأمويين- بارتقاء "سليمان بن عبد الملك" إلى الخلافة سنة 96هـ سببا في سحب ابن القاسم الثقفي من السند والهند، وتوقف عمليات الفتوح، فإن الإسلام قد بقي في مناطق مهمة من بلاد السند حتى جاءها الفتح الثاني الذي ثبَّت أركان المسلمين في البلاد على يد القائد التركي "محمود بن سَبُكْتيكين الغزنوي"، إذ غزا الهند 17 مرة على مدار 34 عاما هي مدة حُكمه التي بدأت عام 391هـ/1000م، واتخذ أبناؤه وأحفاده من بعده مدينة "لاهور" عاصمة لهم، حتى اضمحلت دولتهم عام 547هـ/1152م.

من رحم الغزنويين خرج حكام ونشأت دول أكملت مسيرة الإسلام وحضارته في الهند، مثل الدول الغورية والخِلجية والطُغلُقية، فضلا عن الحكام المسلمين المحليين الذين راحوا يستقلون بأقاليمهم مع ضعف الدول الإسلامية المركزية، وظلوا على هذه الحالة من الضعف والتشرذم حتى استطاع الهندوس العودة بمرور الزمن واستئصال شأفة الدول الإسلامية، مستغلين صراعات المسلمين الداخلية.

استمر ذلك الوضع جاء القرن السادس عشر الميلادي/العاشر الهجري، ليفتح القدرُ صفحة جديدة من تاريخ الإسلام في الهند، بتأسيس واحدة من أعظم دولهم وإمبراطورياتهم على يد الفاتح حفيد الأباطرة العظماء ظهير الدين محمد بابُر، مؤسس دولة المغول في الهند التي استمرت حتى عام 1857، حين قضى الإنجليز عليها بمدافعهم، وسحقوا ثورتها ببنادقهم، وتحول المسلمون تحت احتلالهم من حكام متبوعين إلى أقلية تابعة تخشى من التهميش الديني والسياسي حتى يومنا هذا. فمن ظهير الدين بابُر؟ وكيف استطاع بسط سلطانه من وسط آسيا نحو السيطرة على أفغانستان والهند؟

من "فرغانة" إلى "كابل"

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ظهير الدين بابُرفي 16 محرم 888هـ/14 فبراير 1483م، وُلد "ظهير الدين محمد بابر" في مدينة "فرغانة" (في أوزباكستان اليوم)، وبابُر في الهندية تعني "النمر"، وكان والده "عمر شيخ ميرزا"، حفيد "تيمورلنك"، يحكم هذه الرقعة بجانب إخوته وأقربائه من بقايا الإمبراطورية المغولية الثانية التي أنشأها "تيمورلنك" واتخذت من "سمرقند" عاصمة لها على مدار عقود. أما والدته "قُتلُق نكار خانيم" فكانت هي الأخرى من أرومة عريقة؛ فهي ابنة "يونس خان" حاكم مغوليستان، ومن سلالة "جنكيز خان"، ومن ثَم جمع "ظهير الدين" في نسبه بين قائدين من أعظم من عرفتهم آسيا آنذاك.

وقد قضى والده "عمر ميرزا" حياته محاولا توسيع ملكه على حساب إخوته في "طشقند" و"سمرقند" وغيرهما، لكن وفاته المفاجئة وارتقاء ابنه "ظهير الدين" إلى كرسي مُلكه وهو لا يزال في الثانية عشرة من عُمره، جعلت أعمامه يطمعون في مُلك "فرغانة"، غير أن جند هذه المملكة دافعوا عنها باستماتة، ولم يمر وقت طويل حتى تُوفي عمّاه "أحمد ميرزا" و"محمود ميرزا"، اللذان مثَّلا الخطر الأشد على مُلكه. ثم شرع "ظهير الدين" في استعادة مناطق الأطراف التي سيطروا عليها من قبل، بل استطاع ضم "سمرقند" عاصمة جدِّه "تيمورلنك" عام 903هـ[1].

وبعد سلسلة من الصراعات الداخلية بين التيموريين أنفسهم، وبين "بابر" وخان الأوزبك "شيباني"، قرر "ظهير الدين بابر" التوجه صوب "كابل" و"غزني"، اللتين شملتا آنذاك معظم مساحة أفغانستان الحالية، فاستغل صراعات الأفغان الداخلية واستولى عليهما، وتمكن من توسيع رقعة مملكته حتى أصبحت تجاور الهند. ويتضح من سيرة "بابر"، التي كتبها بنفسه بعنوان "بابر نامه"، أنه كان رجلا مثقفا يشتاق إلى استرداد مُلك الأتراك والمغول في الهند، واستعادة ملك الغزنويين والتيموريين الذين أسسوا للوجود الإسلامي والتركي هناك.

أشرنا سلفا إلى أن مجموعة من السلطنات والممالك المتعاقبة ظهرت بعد سقوط دولة الغزنويين في منتصف القرن السادس الهجري، آخرها سلاطين اللوديين الأفغان الذين سيطروا على الهند في ذلك الوقت، بعدما تمكن "بهلول لودهي" الأفغاني من مدِّ دولته حتى "دهلي" (دلهي) القديمة، وقد خلفه ابنه "إسكندر اللودهي" بعده، حتى وصلت مملكته حدود البنغال[2].

لكن في أوائل القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، سقطت مملكة اللوديين في صراع داخلي في قلب الأراضي الهندية، واستغل أمير الهندوس الأقوى آنذاك "رانا سانغا" هذه الفرصة وراح يوحد قوة الهندوس وأمراء "الراجبوت"، فعقدوا حلفا للقضاء على سلطان المسلمين في شبه القارة الهندية واستعادة أمجادهم القديمة، وأمام هذه التهديدات المتتابعة، أرسل فريق من الأمراء اللوديين رسائل الاستغاثة إلى جارهم "ظهير الدين بابر"، الأمير التركي المغولي حاكم أفغانستان.

الانطلاق

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
استغل "ظهير الدين بابر" هذه الفرصة وانطلق عام 925هـ/1519م، وبدأ السيطرة على شمال الهند بمنطقة تسمى "بهيرة"، قبل أن يعيد الكرة عليها في العام التالي. ويروي "بابر" في مذكراته مدى خيرات الهند وخزائنها وثرواتها ومزروعاتها، قائلا: "ومن عطايا الهند أنعمنا على ستة رجال من أكابر أفغان… لكل واحد منهم مئة مثقال من الفضة وملابس وجاموس، وأنعمنا على الآخرين بنقود من الفضة وأقمشة وثيران وجاموس كل حسب مكانته"[3].

ظل "بابر" طوال الأعوام الستة التالية يتقدم سنويا بخطة محسوبة في بلاد الهند، وكانت خطته هي التقدم ببطء خوفا من أي هجوم مباغت لأعدائه الأوزبك من الخلف، خصوصا أن حروبه معهم في نواحي "بلخ" وما حولها لم تتوقف، ولم يكد يُؤمِّن مؤخرته عند "بلخ" حتى بدأ يعد العدة ليتمَّ ما بدأه من فتوحاته الهندية، فخرج من العاصمة "كابل" في صفر 932هـ/1525م في جولة عدّها المؤرخون غزوة الفتح.

في تلك الجولة، اجتمع لـ"ظهير الدين محمد بابر" 12 ألفا من الجند وعتاد عسكري متقدم من البنادق والمدافع الحديثة التي لم يستخدمها اللودهيون في الهند إلا قليلا، بخلاف خبرته بطرق الهند ومسالكها التي استخلصها على مدار 7 سنوات متوالية، وهو ما أعطاه ميزات لم يحزها خصومه الذين اعتمدوا على كثرة عددية بلغت 100 ألف مقاتل وعشرات الفيلة، وهو التكتيك العسكري الهندي الراسخ منذ مئات السنين.

التقى الجيشان في رجب 932هـ/أبريل 1526م عند منطقة "باني بَت"، ولم تنفع الكثرة شيئا أمام "بابر" ومدافعه وبنادقه الحديثة، وسرعان ما انهزم السلطان "إبراهيم اللودهي"، وكان كما يقول المؤرخ عبد المنعم النمر في "تاريخ الإسلام في الهند": "رجلا متكاسلا مترددا غير معني بتنظيم جيشه، فدارت الدائرة عليه، وقُتل، وقُتل معه آلاف من جيشه وفر الباقون، ودخل بابر دهلي [دلهي عاصمة الهند الحالية] ظافرا، حيث نودي به ملكا على البلاد في يوم الجمعة 15 من رجب 932هـ/أبريل 1526م، وسار ابنه همايون على رأس جيش إلى أغرا فاستولى عليها، وغنموا الغنائم الكثيرة التي حرص بابر على توزيعها على الجنود وإرسال بعضها إلى كابل"[4].

النصر.. وتأسيس الإمبراطورية المغولية في الهند

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
كان استيلاء "بابر" على "دهلي" و"أغرا" -أهم عواصم الهند وحواضرها- وقضاؤه على اللودهيين، سببا كافيا لبث الرعب في قلوب ملك الهندوس، بل وبقايا اللودهيين، فاتحدوا جميعا على مواجهة السلطان الجديد الذي "رأوا فيه قوة إسلامية جديدة ربما تقضي عليهم في الوقت الذي اطمأنوا فيه على ملكهم بجانب ملوك المسلمين الضعاف"[5]، كما يصف "عبد المنعم النمر" في تاريخه.

أدرك "بابر" خطورة المواجهة القادمة، فألقى في جنوده خطبا حماسية ترفع من روحهم المعنوية، وتعدهم بالخير الوفير في بلاد الهند، وذكرهم بأن مواجهة الهنود إنما تهدف إلى نشر الإسلام ورفع رايته، وأن الهزيمة أمامهم تعني فناء الإسلام والمسلمين من الهند، فقد استطاع الهندوس استعادة 100 مدينة كبرى قبل مجيئه، فهدموا ما بها من مدارس ومساجد، وسبوا نساء المسلمين وأطفالهم، ثم شكر "بابر" اللهَ على الفتوحات التي منَّ بها عليه، وأصدر قراره برفع "التمغة"، وهي ضريبة مرهقة قديمة وقعت على كاهل المسلمين، وألغى أيضا كل ما يخالف الشرع مثل شرب الخمر والمسكرات وغيرها[6].

التقى الجمعان يوم 13 جمادى الآخرة 933هـ/ 16 مارس 1527م، في منطقة "خانْوَه" الواقعة غرب "أغرا"، وخاضا غمار معركة عُدَّت واحدة من الوقائع الحاسمة في تاريخ الهند، إذ استطاع الهندوس جمع ما يفوق 100 ألف مقاتل. ويقول السلطان "بابر" في مذكراته عن أجواء تلك المعركة: "هنالك أجمع أهل الخبرة على تغطية موضع حملَة البنادق وستر مكانهم، فصفَّت العربات أمامهم، وقد شُدَّ بعضها إلى البعض الآخر بالسلاسل… وكانت جيوش الإسلام تنتظم في إحكام تام والحرس الشاهاني قد توسط الجناحين… وحين تقابل الجيشان وكأنهما الليل والنهار، بدأ الاشتباك عند الجناحين، واشتد أوار الحرب"[7].

اتخذت جيوش "ظهير الدين بابر" أسلوبا متقدما في الحرب مقارنة بجيوش الهندوس، صحيح أنها انتظمت على نفس هيئة الميمنة والميسرة والقلب والمؤخرة، لكنها في الوقت عينه جعلت المدفعية في المقدمة، ومن خلفها حملة البنادق، ومن خلفهم حملة السهام، ثم من خلفهم الفرقة العسكرية الأقوى في الجيش المغولي الإسلامي وهي الفرقة "الشاهانية". وبدأت الحرب بانطلاق الأسهم صوب الأعداء، ثم باشر رُماة البنادق عملهم بالتزامن مع تقدم المدفعية، ثم التحمت الجيوش، واستمرت المعركة من الضحى إلى المغرب، لتنتهي بهزيمة الهندوس الراجبوتيين هزيمة ساحقة، وهروب زعيمهم "رانا سانغا" إلى أحد حصونه مثقلا بجراحه، فلم يمتد به الأجل إلا عاما وبعض عام[8].

وفاة بابر وبعض من آثاره

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
كان انتصار "ظهير الدين بابر" على اللودهيين والراجبوتيين في معركتين متتاليتين في عام واحد فقط فاتحة عصر جديد، وكما يقول الدكتور "أحمد الساداتي" في كتابه "تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية": "لئن مكِّن للبادشاه (السلطان بابر) انتصاره عند "باني بَت" من الجلوس على عرش أكرا (أغرا)، فقد تم له في وقعة خانْوَه القضاء التام على الخطر الراجبوتي الذي ظل يتهدد سلطان المسلمين بالهند قرونا كثيرة، فلم تقم لهم قائمة من بعد ذلك أبدا، وبهذا النصر الذي لم يؤته أحد من سلاطين الهند المسلمين منذ أيام محمود الغزنوي ومحمد الغوري طار صيت بابُر، وازدادت هيبته بين المسلمين في الهند، وأرسى الأساس الذي قامت عليه الدولة المغولية"[9].

شرع "بابر" بعد استقرار الأوضاع الداخلية له في إصلاحات عدة مادية وأدبية، فمهَّد الطرق، وحفر الترع، واهتم بالزراعة، وأقام محطات للبريد، ونشر السلام والأمن. ونلحظ في مذكراته مدى نبوغه العسكري، واطلاعه على أحدث أساليب القتال عند العثمانيين والصفويين والأوزبك وغيرهم، وتطبيقها في معاركه بالهند. وكان مع نبوغه العسكري عالما بالمذهب الحنفي واللغة العربية والنحو والعَرُوض، فألف كتابا في الفقه الحنفي أسماه "المبين"، كما اخترع خطا باسمه كتب به مصحفا وهو الخط المغولي الهندي، وأهداه إلى الحرم الشريف في مكة المكرمة.

لكن أهم ما تركه "ظهير الدين بابُر" هي مذكراته التي أسماها "بابر نامه"، وفيها لا تبرز حوادث التاريخ اليومية والسنوية والوقائع والأشخاص الذين شاركوا في سيرته ومسيرته فحسب، بل تظهر فيها كذلك كما يقول الفيلسوف الفرنسي "رينان" "مسحة الصدق في الرواية، وعندما يفكر الإنسان أن محرر تلك الوقائع بذلك البيان والبلاغة هو مؤسس أعظم دول العالم، لا يعود قادرا على ترك الكتاب من يده، فتجد في تلك الأسطر كلاما معقولا مع أصالة الرأي، ورقة الطبع، وشدة الجلد، وبالإجمال يتجلى من كلامه حرية الفكر والدهاء والعدل وعدم الانقياد إلى الأوهام"[10].

وتُعد كذلك وصيته السرية التي تركها لولي عهده وابنه "هُمايون" من أهم الآثار التي تنضح بحكمة هذا القائد الكبير، وفهمه لثقافات الهند وشعوبها، ففيها يقول: "أي بُني، إن دولة الهند مليئة بالعقائد المتباينة، والحمد لله الحق العلي المجيد أن وهبك مُلكها، وإنه لمن الصواب أن تقدم بقلب خال من كل تعصب ديني على نشر العدل تبعا لعقائد كل جماعة، وبوجه خاص أن تمتنع عن ذبح البقر فإن هذا هو السبيل لامتلاك قلوب الشعب في هندستان… والهياكل وأماكن العبادة التابعة لكل فرقة دينية تحت حكمك يجب أن لا تخربها، وانشر العدل بين الناس حتى يعيش الحاكم سعيدا مع رعاياه"[11].

في عام 937هـ/1530م، وبعد 5 سنوات فقط على فتحه الهند، وعن عُمر يناهز السابعة والأربعين، لقي "ظهير الدين بابر" ربَّه، ورغم أن الرجل لم يكن ذا عمر عريض، فإن حياته كانت زاخرة بالانتصارات والفتوحات، إذ امتدت مملكته من وسط آسيا إلى جنوب الهند، وقد أوصى أن يُدفن في "كابل"، وهو ما نفَّذه ابنه وولي عهده الأمير "هُمايون". ترك السلطان "بابر" سيرة لافتة في تاريخ الإسلام بالهند، وتاريخا نجمت عنه حضارة حوت آثارا مادية وعمرانية مثل "تاج محل" و"مسجد بابُر الكبير"، ومخطوطات بالهندية والفارسية بل والعربية في ميادين العلوم والمعرفة كانت ولا تزال شاهدا على إسهام الهند في حضارة الإسلام طيلة قرونه الخمسة الأخيرة.
————————————————————————————–
المصادر

[1] مذكرات بابر شاه "بابر نامه"، وقائع فرغانة ص171.
[2] أحمد محمود الساداتي: تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية 2/14.
[3] بابر نامه: وقائع الهند ص452.
[4] عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند ص176.
[5] النمر: السابق ص177.
[6] الساداتي: السابق 2/32.
[7] بابر نامة.
[8] الساداتي: السابق 2/44.
[9] الساداتي: السابق 2/45.
[10] نقلا عن حاضر العالم الإسلامي 4/298.
[11] جمال الدين الشيال: تاريخ دولة أباطرة المغول في الهند ص33-35.

المصدر : الجزيرة نت -
محمود خالد

 

 


 

الباسل

يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية

   

رد مع اقتباس

إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:55 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
 

شبكـة الوان الويب لخدمات المـواقع