إثيوبيا تشنّ غارة جوية على "الجبهة الغربية" لإقليم تيغراي (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          كتاب : "سيد اللعبة: كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          معركة تالاس (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          طريق الحرير الجديد.. كيف تبسط الصين سيطرتها على العالم؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 2 - عددالزوار : 9 )           »          بذكرى معركة العلمين.. هذا ما فعلته حدائق الشيطان بالتنمية غرب مصر (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 4 - عددالزوار : 12 )           »          تعرف على أشكال الاحتجاج الدبلوماسي بين الدول (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          سلالة جديدة من دلتا كورونا تظهر وإصابات ترتفع.. ما الذي حدث؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 4 - عددالزوار : 12 )           »          ملف خاص بكل تفاصيل الأحداث والمعلومات والتطورات لفيروس كورونا (كوفيد 19 ) (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 263 - عددالزوار : 77506 )           »          في سابقة من نوعها.. سفن حربية روسية وصينية تقوم بدوريات مشتركة في المحيط الهادي (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          اليمن.. اغتيال قيادي بارز بحزب الإصلاح برصاص مجهولين في تعز (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          انقلاب المعادلة.. فلسطينيون يلتفون حول جنود الاحتلال ويمطرونهم بالحجارة (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          نيوزيلندا (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 4078 )           »          باتسي ريدي - حاكم عام نيوزلندا (28 سبتمبر 2016 – 28 سبتمبر 2021 ) (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 13 )           »          كيف يتم تعيين حاكم عام نيوزيلندا ؟ (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          سيندي كيرو - الحاكم العام لنيوزلندا (اخر مشاركة : الباسل - عددالردود : 2 - عددالزوار : 19 )           »         



 
العودة   ..[ البســـالة ].. > جـناح التــاريخ العسكــري و القيادة > قســـــم التــاريخ العـســــكــري
التعليمـــات قائمة الأعضاء وسام التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
 


الحرب الأمريكية البريطانية ضد العراق

قســـــم التــاريخ العـســــكــري


إضافة رد
 
أدوات الموضوع

قديم 19-03-09, 09:24 PM

  رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
جيفارا
Guest

إحصائية العضو



رسالتي للجميع

افتراضي الحرب الأمريكية البريطانية ضد العراق



 

الحرب الأمريكية البريطانية ضد العراق في المنظور القانوني
بقلم د. حسب الرسول الشيخ الفزاري
كبير المستشارين القانونيين بالإدارة القانونية
بالشؤون الصحية


تعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على العراق من أكثر حروب العصر الحديث إثارة للمشكلات القانونية، حتى إنه يمكن القول إن هذه الحرب كانت حرباً قانونية قبل أن تكون عسكرية. ورغم أن الحرب القانونية سبقت العمليات العسكرية وحاصرتها بعد ذلك، فإن العمليات العسكرية توقفت والحرب القانونية ما تزال مستعرة، ولربما استمرت كذلك لأزمنة أخرى طويلة لا يعلم مداها إلاّ الله. وترجع هذه الظاهرة في رأينا إلى ما انطوت عليه تلك الحرب من تعقيدات استراتيجية، وما لامسته من قضايا سياسية واقتصادية شائكة على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وحتى نضع هذه الحرب في المنظور القانوني السليم الذي يتلاءم مع كل مرحلةٍ من مراحلها، نقسّم هذا البحث إلى ثلاثة عناوين رئيسة، هي: مرحلة ما قبل الحرب، ومرحلة الحرب، ومرحلة ما بعد الحرب.

أولاً: مرحلة ما قبل الحرب
في أعقاب الحرب التي شنها مجلس الأمن لتحرير الكويت في يناير عام 1991م، خضعت دولة العراق للإجراءات والتدابير المنصوص عليها في المادة الحادية والأربعين من الميثاق بسبب عدم تنفيذها لجانبٍ من مقررات الأمم المتحدة كموضوع أسرى الحرب الكويتيين، وإزالة أسلحة الدمار الشامل ولقد كانت تلك المقررات أساس شروط الصلح ووقف الحرب. ومن الإجراءات والتدابير التي فرضت على العراق بموجب المادة المذكورة تعيين مفتشين تابعين لمجلس الأمن تنحصر مهمتهم في التأكد من امتلاك العراق أو عدم امتلاكه لأسلحة دمار شامل، أو حتى لقدرات علمية وتكنولوجية تمكّنه من إنتاج أسلحة دمار شامل، وذلك على أساس أن تلك الأسلحة محرّمة دولياً. وهي تنقسم إلى ثلاث فصائل: نووية وبيولوجية وكيميائية.
وكانت تجربة المفتشين بالعراق تجربةً مثيرةً اكتنفتها مشاعر العداء وانعدام الثقة بين الطرفين، إلى الحد الذي اتهمت فيه السلطات العراقية المفتشين بأنهم جواسيس يعملون لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، فقامت بطردهم وطالبت بتعيين مفتشين من جنسيات أخرى غير الجنسية الأمريكية. وبسبب تمسك كل طرفٍ بموقفه، خرج المفتشون من العراق لاستحالة إتمام مهمتهم إزاء رفض العراق التعاون معهم. واستمر الحال هكذا لبضع سنين، إلى أن جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001م التي دقت نواقيس الخطر، ونبّهت الأمريكيين هذه المرة إلى أن الإرهاب الدولي لم يعد مقصوراً كما كان الاعتقاد آنذاك على دول ما وراء البحار (
Over-seas)، وإنما بات يسدد ضرباته القوية في عقر دارهم، بل ولمبنى قيادة الجيش الأمريكي ذاته (The Pentagon) وتدمير جانب كبير منه.
وبسبب هذا الحادث الكارثي المرعب، سارعت أمريكا إلى بناء استراتيجية أمنية جديدة تجاه ما يعرف بشبكة الإرهاب الدولي، ويأتي في مقدمتها تنظيم القاعدة الذي يترأسه ويديره (أسامة بن لادن) بمعاونة حكومة طالبان بأفغانستان، وارتكزت هذه الاستراتيجية الأمنية الجديدة على مبدأ "الهجوم خير وسيلة للدفاع"، فقامت القوات الأمريكية بمعاونة بعض الدول الحليفة استناداً إلى هذا المبدأ، بمهاجمة أفغانستان والإطاحة بحكومة طالبان وتشتيت شمل "القاعدة"، فانتشر أفرادها وقادتها يلتمسون الملاجئ الآمنة لهم في كهوف وشعاب الجبال، وهي لا تزال تطاردهم، وهم مازالوا يستهدفونها بتفجيرات صغيرة هنا وهناك، أو بضربات متفرقة من قنّاصتها المنتشرين في بعض أنحاء أفغانستان وباكستان المجاورة لها.
وأمريكا الآن مقتنعة بأنها لم تكسر شوكة "القاعدة" فحسب، وإنما كسرت كذلك ظهرها، ولكن ما أرّقها ويؤرقها إلى الآن، وهو المغزى أو الرسالة الحقيقية التي يتعيّن فهمها جيداً لأحداث الحادي عشر من سبتمبر. لقد تمكّن عددٌ قليل ومحدود من الانتحاريين، الذين حملوا رؤوسهم على أيديهم، من الارتطام بطائراتهم بمبانٍ شاهقة، فأحدثوا ذلك الدمار المخيف وقضوا على آلاف البشر في ثوانٍ معدودات، فكيف يكون الحال لو أنهم استخدموا في ذلك الهجوم أسلحةً نووية، أو بيولوجية، أو كيميائية!! بدأ هذا الهاجس الأمني ينمو ويتعاظم بمرور الوقت لدى القادة الأمريكيين، فهم يعلمون بأن هناك أنظمة شمولية تطمح في بناء برامج التسلح النووي، أو البيولوجي، أو الكيميائي. ولهذه الأنظمة عداء تقليدي لأمريكا. ونذكر منها العراق وإيران وسوريا؛ فليس ببعيد إذن أن تقوم هذه الأنظمة إن عاجلاً أو آجلاً، بوضع مثل تلك الأسلحة الفتّاكة في يد الإرهاب الدولي لاستخدامها ضد أهدافٍ أمريكية، هكذا كانوا يفكرون، وهكذا كانوا في سباقٍ مع الزمن.
لقد كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشرارة الأولى التي انطلقت منها نيران الحرب على العراق، بوصفها الدولة التي توفّر للمسؤولين الأمريكيين مبررات جاهزة ومقنعة، أو على الأقل تبدو مقنعة في نظر الرأي العام الأمريكي. فمن جهة، أضحى من المؤكد لدى الجميع أن العراق لم يتوصل فقط إلى صنع أسلحة كيميائية، وإنما كذلك استخدمها في إبادة ما يقارب عشرة آلاف من أفراد شعبه من الأكراد بمدينة "حلبجة". أما من الجهة الأخرى، فكانت الولايات المتحدة ترجح بقوة، ولكن دون دليل، بأن للعراق صلة ما بتنظيم القاعدة، وبالتالي بأحداث الحادي عشر من سبتمبر. ومن الأدلة الظرفية التي استندت إليها أمريكا في هذا الترجيح، قضاء محمد عطا زعيم الفريق الذي نفّذ عمليات الحادي عشر من سبتمبر حوالي شهرين بالمخابرات العراقية ببغداد قبل أن ينتقل منها إلى ألمانيا، ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ الضربة. ولعل مازاد من شكوك، بل ومن رعب أمريكا حرب الجمرة الخبيثة (
Anthrax) التي قامت بشنّها بوسائل البريد جهة غير معلومة بطريقة غامضة محيّرة. ولم تكن السلطات الأمريكية تملك أي دليل على أن العراق وراء هذه الحرب السرية، إلاّ أنها مع ذلك أطلقت دعاوى مدوية للعالم أجمع بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، ولابد لمجلس الأمن من التحرّك السريع لانتزاع تلك الأسلحة، وكانت تلك حرب أخرى دبلوماسية شرسة، أرادت أمريكا من خلالها تدمير قدرات العراق العسكرية من أسلحة الدمار الشامل أو من الأسلحة الأخرى التقليدية، وأرادت كذلك وهذا هو المهم تحقيق أجندة أخرى سرية تنطوي على جوانب استراتيجية في غاية الخطورة والتأثير العميق على المنطقة العربية والمنطقة الإسلامية، بل وعلى أوروبا نفسها، التي هبّت مذعورة لدى هذا الخطر الأمريكي القادم قبل فوات الأوان.
في تلك الحرب الدبلوماسية الشرسة، كان واضحاً منذ البداية أن أمريكا تريد من مجلس الأمن إصدار قرار موقوت بمدة محددة، بحيث إذا لم يعلن العراق خلالها امتلاكه لأسلحة دمار شامل أو لبرنامج خاص بها، فتكون أمريكا مفوضة نظاماً من قِبَل مجلس الأمن باستخدام القوة ضد العراق لنزع أسلحته تلك تلقائياً، ودون الرجوع إليه لاستصدار قرار آخر بالحرب. غير أن كلاً من فرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، عارضت هذا التوجيه وقررت بأنه في جميع الحالات يجب أن يكون قرار الحرب ضد العراق صادراً من مجلس الأمن.

 

 


 

   

رد مع اقتباس

قديم 19-03-09, 09:25 PM

  رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
جيفارا
Guest

إحصائية العضو



رسالتي للجميع

افتراضي



 

وبعد مناورات وممارسة ضغوط رهيبة من كلا الفريقين، أصدر مجلس الأمن قراره الشهير رقم (1441)، الذي جاء غامضاً في صياغته ولم يحدد بوجه قاطع بأن عدم التقيّد به من جانب العراق يعني إعلان الحرب ضدها، وإنما اكتفى بالقول فقط بأن ذلك سيؤدي إلى عواقب وخيمة. ولسدّ هذه الثغرة في هذا القرار، حاولت أمريكا عرض مشروع قرار آخر على مجلس الأمن يخولها صراحةً باستخدام القوة ضد العراق تلقائياً في حالة فشلها في تنفيذه. وكان الوضع قد تأزّم بين الجبهة الأوروبية وأمريكا إلى الحد الذي توعدت فيه فرنسا جدياً بأنها سوف تستعمل ضد مشروع القرار الأمريكي حق الاعتراض التوقيفي (VETO) ولن تسمح بتمريره. وإزاء هذا الموقف المتصلّب، اضطرت أمريكا إلى سحب مشروع قرارها من مجلس الأمن، معتمدةً على تفسيرها الخاص لقرار مجلس الأمن رقم (1441)، وهو التفسير الذي لم تقبل به غالبية أعضاء مجلس الأمن دائمي وغيردائمي العضوية، وكذلك غالبية الشعوب والأمم التي عبّرت عن معارضتها لذلك التفسير بالمظاهرات الغاضبة في كل بقعة من الكرة الأرضية.
والآن نتساءل عن مدى شرعية ما قامت به الولايات المتحدة من تصرفات خلال مرحلة ما قبل الحرب، وأول ما يطالعنا في هذا الخصوص مسألتان قانونيتان، أولاهما: مطالبة أمريكا للعراق بإثبات أنها لا تملك أسلحة دمار شامل، ولا حتى برامج لإنتاج مثل تلك الأسلحة. أما المسألة الثانية: فهي مدى مشروعية الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد العراق، وما إذا كانت أمريكا مخوّلة في ذلك تخويلاً قانونياً سليماً من قِبَل مجلس الأمن الدولي.
1. إثبات امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل:
قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1441) اقترن بإيفاد لجنة من المفتشين الدوليين بغرض البحث عن أية أدلة تثبت امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، أو لبرامج تهدف إلى إنتاج أو تصنيع مثل هذه الأسلحة، وإيفاد مثل هؤلاء المفتشين إلى العراق ينسجم مع قواعد قانون الإثبات (
Law of Evidence)، على أساس أن من يدعي أمراً فعليه إثباته: he who alleges must prove his allegationس. وفي الحقيقة أن أمريكا عندما أعلن المفتشون عدم عثورهم على أسلحة دمار شامل في العراق تصرفت على نحوٍ لا يتفق مع نظرية الإثبات، سواءً في القانون الدولي أو في القوانين الوطنية، وأتت بدعاً حينما طلبت من حكومة العراق إثبات أنها لا تملك أسلحة دمار شامل. إن الإثبات عمل إيجابي لإبراز أدلة مادية أو ظرفية تثبت الوجود، ولكن يستحيل إبراز أدلة مادية تثبت العدم، ومن تلك المفارقة القانونية كان واضحاً أن أمريكا كانت مصممة على ضرب العراق، والإطاحة بنظامه، مهما كان ضعف المبررات التي تذرعت بها، لأنها كانت تخفي أجندة ليس من مصلحتها الكشف عنها أو نشرها في العلن.
2. مدى مشروعية شن الحرب على العراق:
ذكرنا بأن أمريكا لجأت إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار آخر يخولها استخدام القوة ضد العراق حينما قررت كلٌ من فرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، بأن القرار رقم (1441) لا يعطي مثل ذلك التفويض في شن الحرب بشكلٍ تلقائي، ومع ذلك، اعتمدت أمريكا على هذا القرار في حربها ضد العراق، وهدمت بذلك حجتها دون أن تشعر في مشروعية أعمالها الحربية ضد العراق. إن قيام أمريكا دون تفويض من مجلس الأمن بتبعات حفظ السلم والأمن الدوليين، يعد خرقاً صريحاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.
لقد نصّت المادة الأولى من الفصل الخامس من ميثاق الأمم المتحدة على أن يتألّف مجلس الأمن من أعضاء دائمي العضوية هم: الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا العظمى، وفرنسا، واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية (روسيا الاتحادية حالياً)، والصين. وتختص هذه الدول مجتمعةً حسب نص المادة الرابعة والعشرين من الميثاق بالتبعات الرئيسة فيما يتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين. وفي سبيل ذلك أصبح لمجلس الأمن قوات مسلحة يشكلها من جيوش الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، لتوقيع العقوبات أو اتخاذ التدابير العسكرية وغير العسكرية ضد الدول التي تقوم بأي أفعال تهدد السلم والأمن الدوليين، وذلك وفقاً لأحكام الفصل السابع من الميثاق.
وباستعراض أحكام الميثاق، يتضح جلياً بأن ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا من حربٍ على العراق لا يتفق مع تلك الأحكام، فقد تناول الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة طائفة من الأحكام التي تنظم تدخل مجلس الأمن عن طريق استخدام القوة العسكرية في حالة ارتكاب أية دولة لأفعال تهدد السلم والأمن الدوليين، فلمجلس الأمن بناءً على أحكام المادة (40) من الميثاق أن يدعو الأطراف المتنازعة أولاً إلى الأخذ بما يشير به من تدابير مؤقتة (في حالة العراق: إرسال مفتشين للبحث عن أسلحة الدمار الشامل)، فإذا لم تفلح هذه التدابير المؤقتة في حفظ السلم والأمن الدوليين، جاز لمجلس الأمن طبقا للمادة (41) من الميثاق اتخاذ تدابير أخرى غير عسكرية (في حالة العراق: فرض الحصار وتوقيع عقوبات اقتصادية) للضغط على الدولة المعنية لتنفيذ قراراته.
فإذا رأى مجلس الأمن كما تقول المادة (42) من الفصل السابع من الميثاق إن التدابير المنصوص عليها في المادة (41) غير كافية، أو ثبت أنها لا تفي بالغرض، جاز له أن يتخذ عن طريق استخدام القوات البرية والبحرية والجوية من العمليات العسكرية ما يراه ضرورياً لحفظ السلم والأمن الدوليين، وقد نصت الفقرة الأولى من المادة (47) من الميثاق على أنه يجوز لمجلس الأمن تشكيل لجنة أركان حرب، مهتها إسداء النصح وتقديم المساعدة إلى مجلس الأمن في كل الأمور المتعلقة باستخدام القوات العسكرية الموضوعة تحت تصرف مجلس الأمن. أما الفقرة الثالثة من المادة المذكورة، فقد نصّت على مسؤولية لجنة أركان الحرب أمام مجلس الأمن عن التوجيه الاستراتيجي لأية قوة عسكرية توضع تحت تصرفه، علماً بأنه وفقاً لنصوص الميثاق تتعهد كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بأن تضع تحت تصرف مجلس الأمن، وبناءً على طلبه، قوات مسلحة ومساعدات وتسهيلات في الحدود التي تتطلبها المقتضيات العسكرية.
لقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية ذريعة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وانتهاك حكومته لحقوق الإنسان في غزوها للعراق، متقمصة بذلك شخصية مجلس الأمن الدولي بغير سند من القانون، فالقانون الدولي كما سبق أن أوضحنا أعطى حق استخدام القوة العسكرية في هاتين الحالتين فقط لمجلس الأمن وحده نيابة عن المجتمع الدولي، ولما لم يكن هناك تفويض لأمريكا بذلك، فإن الحرب التي شنتها أمريكا وجرّت إليها معها بريطانيا ضد العراق، تعتبر حرباً غير مشروعة ولا مبررة من وجهة نظر القانون الدولي، ومع ذلك فهي تعتبر بعد أن حدثت حرباً فعلية (
de facto bello
) يجب أن تخضع عملياتها لكافة قوانين الحرب التي صدرت مجموعاتها في جنيف أو في لاهاي.
ثانياً: مرحلة الحرب
بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في حربها ضد العراق، برزت إلى السطح تساؤلات عن بعض التصرفات الحربية، سواء من جانب القوات المتحالفة أو من جانب القوات العراقية، وعما إذا كانت تلك التصرفات يجيزها القانون أم أنه يحرمها. من ذلك مثلاً: الحرب النفسية، واتخاذ دروع بشرية من المدنيين، والجاسوسية، والوقوع في الأسر الحربي، وحصار وضرب المدن والحصون.
1 الحرب النفسية أو حرب الأكاذيب:
تعمّدت الجيوش الأمريكية والبريطانية في حربها ضد العراق استخدام بعض وسائل التحريض، أو القيام بأعمال تدخل ضمن مفهوم الحرب النفسية أو حرب الأكاذيب. من ذلك مثلاً: إلقاء منشورات من الجو في أراضي العراق، أو إذاعتها بأية وسيلة أخرى، وذلك بهدف حث الجنود العراقيين على إلقاء سلاحهم، ومن ذلك أيضاً تخويفهم بالقيام بأعمال انتقامية ضدهم إذا لم يستسلموا، أو اللجوء إلى التشجيع أو التحريض على إثارة الفتن والثورات في صفوف المدنيين العراقيين من عرب وأكراد وشيعة وسنة من أهل الجماعة، أو حض هؤلاء الرعايا من العراقيين على التخريب أو القيام بحركات مقاومة سرية ضد حكومتهم، فما هو حكم القانون بالنسبة لهذه الوسائل الحربية؟
في الواقع، لا تتضمن قوانين الحرب الدولية أحكاماً تعالج هذا الأمر، ومع ذلك، يرى معظم فقهاء القانون الدولي بأن أعمال التحريض أو وسائل الحرب النفسية حتى ولو لم تكن ترتكز على معلومات صحيحة تعتبر وسائل مشروعة في الحرب. فما دام القانون لم يحرّمها صراحة، فليس هناك ما يمنع الدول المتحاربة من استخدامها، وقد تأيّد هذا الرأي بما سارت عليه الدول فعلاً في حروبها المتعاقبة.
2 اتخاذ دروع بشرية من المدنيين:
لإحراج القوات الأمريكية والبريطانية، يبدو من مجريات الحرب أن الجيش العراقي لجأ في بعض المدن العراقية إلى خطف المدنيين أو إجبارهم بالقوة ليصطفوا أمام الجنود المقاتلين ليصبحوا بذلك دروعاً بشرية بالنسبة لهم، فما مدى مشروعية هذا التصرّف العسكري في ضوء القانون الدولي؟
كان خطف المدنيين وأخذهم كرهائن أو استخدامهم كدروع بشرية من الأمور المشروعة في الحروب السابقة، وعندما أُبرمت اتفاقية جنيف في أغسطس من عام 1949م، المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في زمن الحرب، تم التوصّل إلى تحريم هذه الوسيلة، واعتبر استخدامها مخالفةً خطيرة لقوانين الحرب الدولية؛ فوفقاً للمادة الثالثة من هذه الاتفاقية يعتبر أخذ الرهائن عملاً محظوراً في وقت الحرب. وقد حرمت هذه المادة أعمالاً أخرى كذلك: كالقتل بكل أنواعه، وبتر الأعضاء، والمعاملة القاسية، والتعذيب، والاعتداء على الكرامة الشخصية، والتحقير، والمعاملة المزرية، وإصدار الأحكام، وتنفيذ عقوبات الإعدام دون محاكمة سابقة.


 

 


   

رد مع اقتباس

قديم 19-03-09, 09:27 PM

  رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
جيفارا
Guest

إحصائية العضو



رسالتي للجميع

افتراضي



 

أعمال الجاسوسية خلال الحرب:
لجأت القوات الأمريكية والبريطانية في الحرب العراقية إلى وسيلة الجاسوسية بغرض اختراق استحكامات المدن للتعرّف على مواقع وطبيعة دفاعاتها وأماكن الحشود العسكرية والمباني التي يوجد بها القادة العراقيون، فما هي كلمة القانون بالنسبة لهذه الوسيلة الحربية؟
القانون الدولي لا يحظر استخدام الجواسيس كوسيلةٍ من وسائل الحرب، فيجوز لأي طرفٍ من أطراف الحرب أن يجمع المعلومات المتعلقة بجيوش الأعداء ودولتهم، فقد صرحت المادة (24) من لائحة لاهاي للحرب البرية، بأن اتخاذ التدابير الضرورية للحصول على معلومات عن العدو وأقاليمه يعتبر أمراً مشروعاً. وبالرغم من مشروعية الجاسوسية في قوانين الحرب الدولية، وبالرغم من أن الجاسوس الحربي قد لا يختلف من بعض الوجوه عن بقية المقاتلين، فإنه طبقاً للقوانين الوطنية للدول المحاربة لا يتمتع بالحماية التي يتمتع بها المقاتلون، فإذا سقط الجاسوس الحربي في يد الأعداء مثلاً، فإنه لا يعامل معاملة أسرى الحرب، وإنما يعامل معاملة المجرمين، وتوقع عليه عقوبة التجسس، التي غالباً ما تكون الإعدام.
وقد عرّفت المادة (29) من لائحة لاهاي الجاسوس بقولها: "يعتبر الشخص جاسوساً حربياً، إذا قام أو حاول القيام بجمع معلومات في منطقة العمليات الحربية لإحدى الدول المحاربة بطريقة خفية، أو باتخاذ مظهر خادع لا يطابق الواقع، وكان يقصد من وراء ذلك توصيل هذه المعلومات إلى الدولة الأخرى المعادية".
فالشخص الذي يجمع المعلومات متخفياً عن الأعين، أو يجمعها وهو يرتدي زي الرعاة مثلاً، حتى يوهم الأعداء بخلاف الواقع، يعتبر جاسوساً حربياً إذا انطبقت عليه بقية الشروط الأخرى، وعلى ذلك، إذا عمد أحد المقاتلين إلى جمع معلومات سرية في منطقة العمليات الحربية للأعداء بطريقة علنية وهو غير متخفٍ، أو كان مرتدياً لزيه العسكري، فإنه لا يعتبر جاسوساً من الناحية القانونية، حتى وإن كان يقصد فعلاً إيصال هذه المعلومات إلى الطرف الآخر المعادي.
4 الوقوع في الأسر الحربي:
تمكنت الدول المشاركة في مؤتمر جنيف الذي انعقد في أغسطس عام 1949م، من إبرام أربع اتفاقيات دولية، اختصت الثالثة منها بمعاملة أسرى الحرب. ويلاحظ على هذه الاتفاقية أنها جاءت أكثر شمولية من غيرها، حيث ضمت بين دفتيها ما يقارب المائة وخمسين مادة، كما أنها راعت في نصوصها كافة الجوانب الإنسانية المتصلة بمعاملة الأسير. وتعتبر أحكام هذه الاتفاقية مكملةً لما جاء في الفصل الثاني من لائحة لاهاي للحرب البرية لسنة 1907م، أما بروتوكول جنيف الأول الذي تم التوقيع عليه في 12 ديسمبر سنة 1977م، فيعتبر مكملاً لاتفاقية جنيف لسنة 1949م الخاصة بمعاملة أسرى الحرب.
ويعتبر أسير حرب كل شخص يقع في يد العدو في أي وقت تكون فيه حالة الحرب قائمة، ويؤدي فعل الأسر إلى تحويل صفة الأسير من مقاتل (
combatant) إلى غير مقاتل، فيصبح بذلك خارج دائرة القتال (hors de combat) فلا يصح قتله أو مهاجمته. ونظام الأسر الحربي ليس القصد منه القبض على مقاتلي العدو ورجاله لمعاقبتهم على أفعالهم الحربية، وإنما فقط إخراجهم من دائرة القتال بقصد إضعاف المركز الحربي لدولتهم. ولذا وجب أن تتفق معاملة الأسرى وهذه الغاية بالذات، وتسأل الدولة الآسرة مسؤولية دولية عن تطبيق الأحكام الخاصة بالأمر في تعاملها مع الأسير.


ومن مشاهداتنا ليوميات الحرب رأينا حالات لوقوع أسرى لدى الطرفين المتحاربين، ولقد شدّ انتباهنا بصفة خاصة اتهام أمريكا للعراق بتعريض الأسرى الذين سقطوا في يده للإهانة والاحتقار عن طريق عرضهم في بعض القنوات التلفزيونية الفضائية، وتوعّدت أمريكا بتقديم المسؤولين عن ذلك للمحاكمة أمام المحاكم الجنائية الدولية بعد نهاية الحرب، فما هو حكم القانون بالنسبة لهذه المسألة، وعلى الأخص في ضوء ما سلكه كل فريق في مواجهة الأسرى الذي وقعوا في يده؟
ونبدأ بالجانب العراقي، حيث أننا رأينا في المشهد الأول بضعة من الأسرى الأمريكيين بينهم سيدة مقاتلة وقد أحاط بهم عدد من الضباط العراقيين الذين وجهوا إلى كل واحد منهم عدداً من الأسئلة التي كان القصد منها معرفة اسم الأسير وجنسيته وسنه والفرقة التي يتبع لها، ثم رأينا في مشهد آخر طيارين أمريكيين سقطا في يد القوات العراقية، وقد وجّهت لهما الأسئلة نفسها، وكان بيد كل منهما كأس من الشاي يحتسيه بهدوء مع قطع من البسكويت أثناء الاستجواب. وفي المشهدين، لم نلاحظ أي اعتداء أو إهانة وجّهت إلى هؤلاء الأسرى الأمريكيين، باستثناء سؤال واحد وجّه لبعضهم وما كان يجب توجيهه وفقاً لقوانين الحرب الدولية، والسؤال هو: لماذا جئت هنا .. هل جئت لقتل العراقيين؟ وكان الرد: لقد جئت إلى هنا لأنني أُمرت بذلك.
وبالرجوع إلى اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م، نجد أن تعامل الجيش العراقي مع أسرى الحرب تم بمهنية عالية، خلافاً لما كان يتوقعه الكثيرون، فطبقاً لأحكام تلك الاتفاقية يجب على القوة الآسرة، حال وقوع الأسير في قبضتها، أن تتخذ بعض الإجراءات الأولية لإتمام عملية الأسر، وأول هذه الإجراءات هو استجوابه للوقوف على حقيقة أمره، ويدخل في هذا الاستجواب قانوناً: معرفة اسمه، واسم عائلته، ورتبته العسكرية، وتاريخ ميلاده، ورقمه الشخصي في الجيش أو في الفرقة التابع لها أو رقمه المتسلسل. وقد نصت المادة (17) من اتفاقية جنيف المذكورة على حق الأسير في عدم إعطاء أية معلومات أخرى، إذا سئل خلاف ما ذكر.
أما عن الجانب الأمريكي، فقد رأينا في أحد المشاهد، خلال المعارك التي دارت حول ميناء أم قصر وشبه جزيرة الفاو، سقوط أسرى عراقيين في يد القوات الأمريكية والبريطانية، كانوا يجرونهم ويسحبونهم بعنف إلى الشاحنات بغرض ترحيلهم إلى الخطوط الخلفية و رؤوسهم مطأطأة إلى أسفل، وأحياناً يضعون عليها أكياس القمامة الفارغة وهم مكتوفو الأيدي، وفي أحد المشاهد قام أحد الجنود الأمريكيين بضرب الذين أُجبروا على الركوع، بكعب البندقية على رأسه حتى تدفق منه الدم وسال على الأرض، وفي مشهدٍ آخر نزع أحد الجنود الأمريكيين البزة العسكرية وعليها علامة الرتبة من أحد الأسرى بقوة وفي شيء من الغلظة، علماً بأن قوانين الحرب الدولية لا تجيز تجريد الأسير من رتبته العسكرية.
ومما تقدم، يتضح بأن القوات الأمريكية والبريطانية على العكس هي التي يجب أن تسأل عن إساءة معاملة أسرى الحرب أمام المحاكم الجنائية الدولية بعد انتهاء الحرب، بل وأن تسأل بالأساس عن الحرب بكاملها لكونها حرباً عدوانية (
aggression) لا يسندها القانون، وبالنسبة لمسألة الأسرى تحديداً، فإنه لا يجوز وفقاً لاتفاقية جنيف السابق ذكرها عند الاستجواب، إخضاع الأسير للتعذيب البدني أو النفسي، أو لأي شكلٍ آخر من أشكال الإكراه، ويجب عدم تهديده أو إهانته أو تعريفه لأية معاملة مزرية أو غير لائقة، فقد نصّت المادة (13) من هذه الاتفاقية على وجوب حماية الأسرى في كل الأوقات ضد الأفعال التي يقصد بها إرهابهم أو إهانتهم، أو تحقيرهم. أما المادة (14) فقد نصت على أن لأسرى الحرب الحق في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال.

 

 


   

رد مع اقتباس

قديم 19-03-09, 09:28 PM

  رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
جيفارا
Guest

إحصائية العضو



رسالتي للجميع

افتراضي



 

5 حصار وضرب المدن والحصون:
قبل أن نتكلم عن حصار وضرب المدن والحصون، نبحث ظاهرة كررها في أكثر من مرة بعض جنود الجيش العراقي، وهي الجنوح إلى التسليم للقوات الأمريكية أو البريطانية، وما أن تتقدم تلك القوات نحوهم حتى يفاجئونها بإطلاق النار عليها، ولاشك أن هذا التصرّف يعدّ انتهاكاً خطيراً يستوجب العقاب وفقاً لقوانين الحرب الدولية، فطبقاً للمادة (35) من لائحة لاهاي للحرب البرية لا يجوز لأي مقاتل أن يقوم بهجوم.
أما عن حصار وضرب المدن والحصون، فنعرِّف أولاً المقصود بالحصار، فنقول: إن الحصار هو تطويق مدينة أو قرية أو قلعة أو أي موقع آخر حصين لحمل العدو الموجود فيها على التسليم. والحصار قد لا يتخذ شكل التطويق في جميع الحالات، وإنما قد يكفي لفرضه أحياناً أن يتم إغلاق جميع المنافذ المؤدية إلى هذه المناطق المذكورة، ومنع دخول أي فردٍ فيها أو خروجه منها. والحصار هو أحد أنظمة الحرب البرية في الاستيلاء على المدن والمواقع المقاومة، وقد أجازت قوانين الحرب البرية ضد النظام من قديم.
ويعتبر ضرب المدن والحصون المدافع عنها أيضاً من الوسائل المشرعة في الحرب البرية، ومع ذلك، فضرب المدن والحصون لا يكون مشروعاً إلاّ إذا تحققت فيه بعض الشروط، ومن أهم تلك الشروط حماية بعض المباني والمنشآت، فعند البدء بالهجوم أو الضرب، يتعين على قائد القوة المهاجمة اتخاذ كافة الخطوات الضرورية لتفادي إصابة بعض المباني والمنشآت إصابة مباشرة أو مقصودة. وقد حددت هذه المباني والمنشآت المادة (27) من لائحة لاهاي للحرب البرية، والمادة الرابعة من اتفاقية لاهاي لسنة 1954م، الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح. وطبقاً لهاتين المادتين، فإن المباني والمنشآت هي: دور العبادة، والمستشفيات، والمدارس، والجامعات، والمنشآت العلمية والثقافية والفنية والخيرية، ودور الآثار، والأماكن التاريخية، والمتاحف. وقد أضافت المادة (60) من بروتوكول جنيف الأول سنة 1977م مناطق أخرى إلى تلك المباني والمنشآت، هي المناطق المنزوعة السلاح (
demilitarizedzones) أياً كان الغرض من إنشائها.
وقد أسرفت القوات الأمريكية في ضرب عدد من تلك المباني والمنشآت، فضلاً عن تدمير بعض المنازل الموجودة بأحياء يقطنها سكان مدنيون، وأمام احتجاج السلطات العراقية وقطاع كبير من الرأي العام العالمي، دافعت القوات الأمريكية عن هذا التصرّف بحجة أن السلطات العراقية تنشر جنودها وتقيم منصات إطلاق صواريخها ومدافعها داخل هذه المباني والمنشآت أو وسط هؤلاء السكان المدنيين، مما يعطيها الحق في ضرب هذه الأهداف باعتبارها أهدافاً عسكرية لصعوبة التفريق فيها بين المقاتلين والمدنيين، والسؤال هو: هل هذه الحجة يؤيدها قانون الحرب؟
وفقاً لقانون الحرب، تستمر تلك الحماية طالما بقيت هذه المباني والمنشآت بمنأى عن أي استخدامٍ في الأغراض العسكرية أو الحربية، فإذا ثبت للقوات المهاجمة بأن أحد هذه المباني أو المنشآت يُستخدم في أغراض عسكرية أو حربية، فإن الحماية المقررة لها تسقط فوراً، وبالتالي يصبح من الجائز للقوات المهاجمة أن توجّّه نيرانها نحوها، ويظهر ذلك الجواز في الحكم الشرطي (
proviso) الذي ورد في المادة (27) من لائحة لاهاي للحرب البرية.
وقد شهدت الحرب العالمية الأولى احتراماً من المتحاربين لتلك المباني والمنشآت، فلم يمسسها التدمير إلاّ في حدود ضيقة، وحتى ضمن هذه الحدود، كان القصف ناتجاً بالأساس عن حالات ادعت فيها القوات المهاجمة بتمركز قوات معادية في بعض هذه الأبنية المحمية، فألمانيا مثلاً قامت بتدمير عدد من أبراج الكنائس الفرنسية للحجة نفسها. أما أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد تجاهلت القوات المحاربة هذا الخطر، ويرجع السبب في ذلك إلى ما اعتادت عليه الدول المتحاربة من نصب بطاريات المدافع في أو بالقرب من الأبنية المحمية، حتى تنال قسطاً من الحماية المسبوغة على تلك الأبنية.
ثالثاً: مرحلة ما بعد الحرب
ما إن أشرفت الحرب على نهايتها، حتى نشطت الولايات المتحدة الأمريكية في تجميع قوى المعارضة لنظام صدام حسين، وتحديد شكل الحكومة الجديدة على أساس أن تكون "حكومة فيدرالية ديمقراطية". وقد ذهبت أمريكا أبعد من ذلك حين عيّنت "جاي غارنر" الصهيوني العالمي الذي يحمل الجنسية الأمريكية، على رأس تلك الحكومة الجديدة المقترحة، وبعد القضاء على كل مقاومات الجيش العراقي وفرض السيطرة على كامل الإقليم، تلكأت القوات الأمريكية والبريطانية عن عمد في ممارسة سلطات الاحتلال، حمايةً للشعب وانفلات الأمن، تحقيقاً لبعض أجندتها السرية الأخرى غير المعلنة. فما حكم القانون بالنسبة لهاتين الحالتين المذكورتين؟
أسباب الحرب (
causa belli) على العراق حسب تصريحات الحكومتين الأمريكية والبريطانية هي: الإطاحة بنظام صدام حسين، وتحرير شعب العراق، ونزع أسلحة الدمار الشامل. والمفروض أن تنسحب القوات الأمريكية والبريطانية من العراق حال تحقق تلك الأسباب الثلاثة التي دعت إلى شن الحرب، ما لم تكن هناك أجندة أخرى سرية تستلزم بقاء تلك القوات الأجنبية بالعراق بعد الفراغ من مهمتها المعلنة، لقد تحقق من هذه الأسباب حتى الآن أهم سببين، وهما: سقوط النظام، وتحرير الشعب، وحتى بالنسبة للسبب الثالث، وهو نزع أسلحة الدمار الشامل، فقد ثبت حتى هذه اللحظة عدم امتلاك العراق لأي أسلحة من هذا النوع. فلو أن الحكومة العراقية كانت تملك هذه الأسلحة لما ترددت ولو لبرهة في استعمالها حين أصبح لا خيار أمامها سوى البقاء والاستمرار أو الموت والزوال إلى الأبد.
تنص الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على وجوب أن تمتنع الدول الأعضاء في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها بالفعل ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة؛ فحتى لو سلمنا بمشروعية الحرب التي شنتها أمريكا وبريطانيا على العراق، فإنه لا يجوز لهاتين الدولتين استخدام القوة الحربية ضد سلامة أراضي العراق أو استقلاله السياسي. فيجب أن يكون احتلالهما للعراق احتلالاً مؤقتاً (
interim) وفقاً لنظام الاحتلال الحربي المنصوص عليه في القانون الدولي. فقد نصت المادة (42) من لائحة لاهاي للحرب البرية على أن الإقليم يعتبر محتلاً عندما يتم إخضاعه بالفعل بواسطة جيش معاد. ولما كان الاحتلال وضعاً مؤقتاً، فإنه يجب أن ينتهي بإعادة الإقليم المحتل إلى الدولة التي تملكه بعد انتهاء الحرب مباشرة.
والاحتلال الحربي كسلطة فعلية مؤقتة يجب ألا يؤثر على السيادة الإقليمية (
territorialsovereignty) ولا على الاستقلال السياسي للشعب العراقي، فبالرغم من قيام الاحتلال، فإن الدولة مالكة الإقليم تحتفظ بسيادتها على الإقليم المحتل، كما أن الشعب يملك وحده تشكيل حكومته الجديدة وتحديد نظامها السياسي، وكنا ننتظر، لو أن الأمور سارت حسب مقتضيات القانون، أن تبقى القوات الأمريكية والبريطانية في العراق كسلطات احتلال للمدة الكافية فقط للتفتيش على أسلحة الدمار الشامل المزعومة، ولكن في مدة زمنية محددة، ويترك للشعب العراقي وحده اختيار حكومته الجديدة دون تدخل من أحد. ولذا، فإن ما قامت به أمريكا وبريطانيا حالياً من تدخلٍ سافر في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وحشدٍ للعناصر المعارضة للنظام القديم، وترشيحٍ لحاكم للبلاد من جنسية أمريكية، وتحديدٍ لملامح النظام السياسي المنتظر، هو خرق صريح لقوانين الحرب الدولية، ويراه كل مراقب على أنه خطوة تمهد لخطوات أخرى استراتيجية في المنطقة على جانبٍ كبير من الخطورة.
لقد انهار نظام صدام حسين، وتوقفت الحرب، ومع ذلك لازلنا نسمع في كل من أمريكا وبريطانيا وفي بعض الدول الغربية الأخرى نقاشاً يدور حول الكيفية التي سوف يتم من خلالها تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء، وحملات لجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة للبحث عن أسلحة الدمار الشامل بالعرق. إن برنامج النفط مقابل الغذاء كان جزءاً من عقوبات دولية فرضت على حكومة عراقية لم تعد موجودة. وكان من المنطقي أن توقف هذه العقوبات وأن تتصرف الحكومة العراقية الجديدة في نفطها بحرية ودون أية قيود أياً كانت، أما عن أسلحة الدمار الشامل، فقد خاضت القوات الأمريكية والبريطانية الحرب من أجل انتزاعها وتدميرها، ويمكنها الآن بعد أن صمت دوي المدافع، وهدير الطائرات أن تبحث عنها وتدمرها حيث كانت، فليست هذه قضية الحكومة العراقية الجديدة ولا أظنها تعارض ذلك.
تنص المادة (43) من لائحة لاهاي للحرب البرية من جهة أخرى على أنه "حالما تفلح قوات الاحتلال في فرض سيطرتها على الإقليم المحتل، يقع عليها واجب اتخاذ التدابير اللازمة لحفظ الأمن واستتباب النظام، فلا يجوز لها أن تسمح باستباحة الأرواح أو سلب ونهب الأموال أو الاعتداء على السكان والإساءة إليهم بأي شكل من الأشكال"، فهل تقيدت القوات الأمريكية والبريطانية بهذا النص؟
لقد شاهدنا وشاهد العالم معنا في معظم القنوات الفضائية كيف أن الجنود الأمريكيين والبريطانيين وقفوا موقف المتفرّج من عمليات النهب والسلب للبنوك والمتاحف والمحال التجارية والمنازل وكل المرافق الحكومية، وقد أمعن بعض هؤلاء الناس في عمليات التخريب إلى الحد الذي أشعلوا فيه النار في كثير من تلك المرافق والمنشآت الحكومية بما فيها المصرف المركزي نفسه. وتعد من بين الخسارات الجسيمة التي لا تعوض سرقة المقتنيات الأثرية بالمتاحف والكتب القيّمة والمخطوطات النادرة بالمكتبات العامة.
ونحن نرى بأن قوات الاحتلال الأمريكية البريطانية تعتبر مسؤولة مسؤولية قانونية كاملة عن ضياع تلك الملكيات الثقافية، فقد نصت المادة الرابعة من اتفاقية لاهاي لسنة 1954م، الخاصة بحماية الملكية الثقافية في حالة النزاع المسلح، على أن "يتعهد الأطراف بالامتناع عن القيام بأي عمل حربي موجه ضد الملكية الثقافية .. وبحظر ومنع ووقف أية عمليات سرقة أو نهب أو احتلال لأية ملكية ثقافية، وكذلك بوقف أية أعمال تخريب موجهة ضد هذه الملكية الثقافية".
وتعرِّف الفقرة (أ) من المادة الأولى من الاتفاقية المذكورة الملكية الثقافية بأنها: "الملكية المنقولة أو الثابتة التي تعتبر ذات أهمية عظيمة للموروث الثقافي لكل شعب، من ذلك: الآثار المعمارية أو الفنية أو التاريخية، سواء أكانت دينية أو غير دينية، والأماكن الأثرية، ومجموعة الأبنية التي تعتبر في مجملها ذات أهمية تاريخية أو فنية، والأعمال الفنية، والمخطوطات، والكتب، والأشياء الأخرى ذات الأهمية الفنية أو التاريخية أو الأثرية، وكذلك المجموعات العلمية ومجموعات الكتب أو الوثائق أو النسخ المأخوذة من الملكية الثقافية التي تم تعريفها على النحو السابق". ويدخل في مفهوم الملكية الثقافية أيضاً "المباني التي يكون الغرض الأساسي والجوهري منها هو حفظ أو عرض الملكية الثقافية .. كالمتاحف، والمكتبات الكبيرة، ودور الوثائق، والمخابئ التي يقصد منها في وقت النزاع المسلح حماية الملكية الثقافية".
ونعيد طرح السؤال من جديد: هل تقيّدت القوات الأمريكية والبريطانية بهذا النص؟ والإجابة: لا تعليق !! لأن العالم بأسره كان يشاهد على شاشات التلفزيون كيف وقفت القوات الأمريكية والبريطانية موقف المتفرج فيما اللصوص ينهبون بقايا حضارة عريقة ترجع لآلاف السنين
أولاً: المصادر:
(1) 1907
Hague Convention IV Respecting the lawsand Customs of War on Land.
(2) 1949
Geneva Convention III Relative to theTreatment of Prisoners of War.
(3) 1949
Geneva Convention IV Relative to theProtection of Civilian Persons in Time of War.
(4) 1954
Hague Convention forthe Protection of Cultural Property in the event of Armed Conflict.
(5) 1977
Geneva Protect I Additional to the Geneva Convention of 12 August 1949, andrelating to the Protection of Victims of International ArmedConflicts.
ثانياً: المراجع:
(1) د. حسب الرسول الشيخ الفزاري: قوانين الحرب الدولية: دراسة في القانون الدولي في زمن الحرب، الرياض، 1412ه 1992م.
(2) مفهوم سيادة الدولة في ظل التغيرات الدولية المعاصرة، د. حسب الرسول الشيخ الفزاري، مجلة كلية الملك خالد العسكرية، العدد (68) ذو الحجة 22ه، الموافق مارس 2002م، ص 64 69.
(3) الاتجاهات الجديدة في القانون الدولي العام، د. حسب الرسول الشيخ الفزاري، مجلة كلية الملك خالد العسكرية، العدد (61)، صفر 1421ه، الموافق مايو 2000م، ص 62 68.

 

 


   

رد مع اقتباس

إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الأمريكية, البريطانية, الحرب, العراق

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:05 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
 

شبكـة الوان الويب لخدمات المـواقع