أزمة الصواريخ
كان من تداعيات فشل "غزو خليج الخنازير" أن أدى -بشكل غير مباشر- إلى تهيئة الظروف لاندلاع أزمة دولية كبيرة، ارتبطت بذكره وإن كانت أخذت صيتا دوليا أكبر منه وكادت تقود إلى أخطر الحروب في تاريخ البشرية.
فقد أدت عملية الغزو الفاشلة إلى تعزيز مركز كاسترو السياسي فظهر "بطلا عالميا ضد الإمبريالية" في عيون المعسكر الشيوعي بقيادة
موسكو التي عززت هافانا التعاون معها، فزار أخوه
راؤول كاسترو الكرملين واتفق مع القادة السوفيات على نشر صواريخ بالستية سوفياتية متوسطة المدى على أراضي بلاده، لتمكين موسكو من الدفاع عنها وضرب الأراضي الأميركية متى أرادت.
ومن هنا وجه الرئيس السوفياتي آنذاك نيكيتا خروتشوف بنصب قواعد تلك الصواريخ في كوبا قبالة السواحل الأميركية لردع واشنطن عن التفكير في أي محاولة أخرى لغزو الجزيرة وقلب نظام الحكم الشيوعي فيها. وبذلك صارت كوبا قاعدة عسكرية متقدمة للاتحاد السوفياتي في إطار مواجهته الإستراتيجيته مع غريمه الأميركي.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 1962 اكتشفت طائرات تجسس أميركية من طراز (U2) منصات الصواريخ السوفياتية المنصوبة على الأراضي الكوبية، مما أثار ذعر الإدارة الأميركية لكونها أصبحت تشعر بالتهديد المباشر على حدودها لأول مرة.
ردت واشنطن على الخطوة السوفياتية بفرض حصار بحري على كوبا لمنع سفن الشحن السوفياتية من نقل الأسلحة إليها، وبتسيير طلعات استطلاع جوية للمقاتلات الأميركية فوق مواقع منصات الصواريخ.
وفي حين نصبت وزارة الدفاع الأميركية (
البنتاغون) صواريخ أرض/جو حول العاصمة واشنطن كإجراء احتياطي لمواجهة أي هجوم، أوصت أغلبية مستشاري الرئيس كنيدي بشن هجوم استباقي على كوبا لتدمير المنصات السوفياتية، وهو ما كان سيُدخل العالم في حرب عالمية ثالثة غير مسبوقة بسبب استعمال الأسلحة النووية فيها على نطاق واسع.
انتهت الأزمة خلال أسبوعين بحل سلمي عندما أمرت موسكو بسحب صواريخها ذات القدرات النووية الهجومية من كوبا، وذلك إثر استعراض واشنطن للقوة وتهديدها فعلا باستخدامها "وقائيا" إذا لزم الأمر. ويرى مراقبون أن سحب الصواريخ من كوبا كان مقابل سحب واشنطن صواريخ "جوبيتر" التي نصبتها في
تركيا، وتعهدها بعدم غزوها الأراضي لكوبا.
وفي أعقاب عملية الغزو وأزمة الصواريخ؛ فرضت واشنطن عقوبات سياسية واقتصادية قاسية على كوبا عام 1962، كما علقت عضويتها في
منظمة الدول الأميركية بسبب طبيعة النظام الماركسي الكوبي "المخالف للمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان"، قبل أن تـُحكم عليها حصارا شاملا في عام 1967 شمل جميع مرافق الحياة.
يشار إلى أن أزمة خليج الخنازير -التي استمرت 13 يوما وأقامت سلطات هافانا متحفا خاصا بها لتخليد أحداثها بعنوان "متحف خيرون"- كانت موضوعا دسما لمجموعة من الأفلام والكتب والروايات، من أشهرها فيلم هوليودي بعنوان "13 يوما"، وهو من إنتاج وبطولة الممثل كيفن كوسنر الذي أدى دور مستشار الرئيس الأميركي كينيدي.
وقد وُصف فيلم كوسنر إبان عرضه في منتصف يناير/كانون الثاني 2001 بأنه تطرق للأزمة -التي ينظر إليها المؤرخون باعتبارها أكثر مرحلة اقترب فيها العالم من شفا حرب نووية- برؤية جديدة كشفت أحداثا ظلت مجهولة لعامة الناس قرابة أربعة عقود.