ماذا يعني أن تعلن شركة إفلاسها؟

الإفلاس حالة تُعلن بموجب حكم قضائي صادر عن محكمة مختصة (شترستوك)
الإفلاس مصطلح يصف حالة المَدين الذي يُعلَن قضائيًا عن عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته المالية وسداد ديونه المستحقة عليه.
وتُعلَن حالة الإفلاس بموجب حكم قضائي صادر عن محكمة مختصة، غالبًا ما تكون من المحاكم التجارية، وذلك بناءً على طلب يُقدَّم إما من المَدين نفسه، أو من الدائنين، أو من الجهات المختصة في الدولة.
وتدرس المحكمة طلب الإفلاس وفق مسطرة قضائية محددة، للتحقق من استيفاء جميع الشروط اللازمة، قبل إصدار الحكم الذي تترتب عليه آثار قانونية على المُفلس.
ولا يُستخدم مصطلح الإفلاس في الإشارة إلى الدول، بل تُوصف حالتها بـ"العجز عن السداد"، كما تُعدّ الدولة في حالة "عجز سيادي" (Sovereign Default) عندما تفشل في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالديون الخارجية.
إفلاس الشركات
تكون الشركات في حالة الإفلاس مدينة بمبالغ مالية لأطراف متعددة مثل الموردين، والمصارف، وإدارة الضرائب، لكنّها تعجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه دائنيها.
وإذا تعذّر على الجهة المفلسة ماليًا معالجة أزمتها عبر حلول ودّية مع الدائنين، مثل إعادة جدولة الديون، أو استقطاب مستثمرين جدد لضخ سيولة إضافية، أو تصفية بعض أصولها (كالعقارات)، أو غير ذلك من الوسائل المتاحة، فإن القضاء يصبح مضطرًا إلى إعلان حالة الإفلاس.
وتترتب على هذا الإعلان عدة تبعات قانونية، وتقضي المحكمة -وفقا لحالة المفلس ومدى عسره المالي– بأحد أمرين:
- أن تُعيّن وصيا على الشركة المفلسة (قد يكون محاميا أو خبير حسابات معتمدا عند المحاكم)، كي يدبّر شؤونها أملا في تقويم وضعهاالمالي، والوصول إلى حلول مع الدائنين تضمن استمرارية الشركة وتحول دون فقد العمال وظائفهم.
- أن تأمر بتصفية أصول وممتلكات المفلس، وبيعها في مزاد علني. وتعيِّن لهذه الغاية قاضيا يتكفل بإدارة هذه العملية وسداد مستحقات الدائنين، ويرتب تعويضهم وفق أهمية كل دائن (صاحب امتياز أم دائن عادي) في حال ما إذا كانت الأموال المحصلة من البيع غير كافية لسداد جميع الديون.
- فإذا قضت المحكمة بالخيار الأول، وظهر لها بعد حين من الزمن أن مسطرة التقويم وإعادة الهيكلة تعجز عن تصحيح الاختلالات المالية للشركة المفلسة، فإن القضاء يتجه إلى الخيار الثاني المتمثل في تصفية الشركة.
- ويمكن أن يتعرّض المفلس أو القيمون على إدارة الشركة المفلسة لمتابعات قضائية إذا ثبت تورطهم ومسؤوليتهم المباشرة -من خلال التلاعب أو الاحتيال- في الوضع الذي آلت إليه ذمتهم المالية. وقد تصل هذه المتابعات إلى حد العقوبة بالسجن.

لافتة تُظهر إعلان توقف عمليات شركة سبيريت إيرلاينز في مطار هارتسفيلد جاكسون بمدينة أتلانتا (أسوشيتد برس-2026)
"إعادة التنظيم" في قانون الإفلاس الأمريكي
يتيح الفصل 11 من قانون الإفلاس الأمريكي للشركات المتعسرة إعادة تنظيم شؤونها، بحيث تتجنب إشهار الإفلاس من خلال تقديم خطة تهدف لإبقاء نشاطها التجاري قائمًا وتنظيم تسديد ديونها مع مرور الوقت، تحت حماية قضائية من الدائنين.
وقد تقدّمت شركة جنرال موتورز لصناعة السيارات في يونيو/حزيران 2009 بطلب حماية من الإفلاس بموجب الفصل 11 من قانون الإفلاس الأمريكي، إذ أعلنت مديونيتها بحوالي 173 مليار دولار. وكان الرئيس جورج دبليو بوش قد أعلن عن خطة إنقاذ مالي في السنة السابقة، شملتها ضمن شركات صناعة السيارات الكبرى إلى جانب كرايسلر وفورد.
وقضت الشركة نحو شهر واحد فقط في مرحلة إعادة التنظيم الرسمية، لتخرج منها في يوليو/تموز 2009.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2010، عادت جنرال موتورز إلى سوق الأسهم عبر اكتتاب عام أولي يُعد من بين الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة، وفي العام التالي استطاعت استعادة مكانتها كأكبر شركة لصناعة السيارات في العالم.
وفي سياقٍ معاكس، أعلنت شركة الطيران سبيريت إيرلاينز في 2 مايو/أيار 2026 إيقاف عملياتها، بعد أن كانت قد تقدمت في أغسطس/آب 2025 بطلب حماية من الإفلاس بموجب الفصل 11 من قانون الإفلاس للمرة الثانية خلال عام واحد، وذلك عقب فشلها في تحقيق استقرار مالي بعد خروجها من إجراءات حماية الفصل 11 في مارس/آذار من العام نفسه.
وجاء قرارها بالإغلاق في ظل أزمة مالية تفاقمت نتيجة ارتفاع التكاليف، ولا سيما أسعار الوقود، على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي اندلعت أواخر فبراير/شباط 2026.
ووفقًا لشبكة سي إن إن، فقد سعت الشركة إلى التوصل إلى اتفاق مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحصول على حزمة إنقاذ، إلا أن عددًا من الدائنين رفضوا هذا المقترح.
عجز الدول
الدول لا تفلس وإنما تعجز عن السداد، فلا يصح الحديث عن الإفلاس (Bankruptcy) بالنسبة للدول كما هي الحال في الأفراد والشركات، إذ لا توجد محكمة أو هيئة دولية يمكن أن تضع اليد على ممتلكات الدول وتبيعها من أجل سداد مستحقات الدائنين.
ولا يجوز ذلك بأي حال من الأحوال في القانون الدولي، لما تتمتع به الدول من سيادة يحرم التعدي عليها.
وبدلاً من مصطلح الإفلاس، يُستخدم في حالة الدول تعبير العجز عن السداد (Default). وتُعتبر الدولة في حالة عجز عن السداد عندما تفشل في الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين، أي عدم سداد أقساط أصل الدين أو الفوائد المستحقة ضمن الآجال المُتعاقد عليها.
ويوصف هذا العجز بأنه عجز سيادي (Sovereign Default) إذا تعلق الأمر بدين خارجي. 
صرّاف آلي متضرر في بيروت (رويترز-2021)
ففي عام 2020، أعلن لبنان تخلّفه عن سداد سند دولي (يورو بوند) بقيمة 1.2 مليار دولار، وذلك للمرة الأولى في تاريخه، حيث صرّح رئيس الوزراء آنذاك حسن دياب بأن بيروت ستتجه -بدلًا من السداد- إلى إعادة هيكلة ديونها، وأن هذا القرار اتُّخذ بهدف تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وقد جاءت هذه الخطوة في ظل أزمة اقتصادية حادّة بدأت منذ عام 2019، أدّت إلى فقدان العملة الوطنية جزءًا كبيرًا من قيمتها، وارتفاع أسعار الفائدة، مما دفع المصارف المحلية إلى توظيف مواردها في دعم البنك المركزي بغرض الحفاظ على استقرار النظام المالي. غير أنّ هذا النموذج انهار مع تراجع التدفقات الأجنبية، وعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المالية.
وفي السياق نفسه، تخلفت الحكومة اللبنانية عن سداد سندات دولية تُقدَّر بنحو 30 مليار دولار في عام 2020، فيما واجهت الحكومات اللاحقة تحديات كبيرة في تمرير إصلاحات مالية لسد العجز وإعادة إنعاش القطاع المصرفي.
وفي حالة مماثلة، أعلنت سريلانكا عام 2022 التخلّف عن سداد جميع ديونها الخارجية، والتي تجاوزت 50 مليار دولار، في ظل نقص حاد في احتياطيات النقد الأجنبي. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية مثل الأرز والوقود والحليب، ودخول البلاد في حالة عجز مالي وتدهور اقتصادي حاد.
ولا يترتب على هذا الوضع تبعات قانونية كما هو الشأن بالنسبة للإفلاس الذي يخص الأفراد والشركات، إذ إنه من غير الممكن وضع اليد على أملاك الدول ذات السيادة وتصفيتها كما في حالة الشركات.

العملة الوطنية تدهورت قيمتها نتيجة الأزمة الاقتصادية في لبنان (رويترز)
غير أنّه يترتب على حالة عجز الدول تبعات مالية واقتصادية كبيرة، حيث تؤدي إلى تدهور التصنيف الائتماني للبلد المعني وزعزعة ثقة الدائنين في اقتصاده، فيجد بذلك صعوبة بالغة في الحصول على التمويل مجددا لدى المؤسسات المالية الدولية والمصارف العالمية وأسواق الأوراق المالية في المستقبل.
كما يسيء ذلك إلى قدرة البلد على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وقد يصل الأمر بالمستثمرين الأجانب في البلد إلى حد سحب استثماراتهم إذا أخفقت الحكومة في تدبير حالة العجز وتبدّى لهم أن آفاق الاقتصاد قاتمة.
فضلاً عن اللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بهدف مواجهة العجز، وهو ما قد يترتب عليه تداعيات خطيرة على السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي. إذ تُعرف هذه المؤسسات بمشروطية تمويلاتها وبقدرتها على التأثير في السياسات الاقتصادية للحكومات، التي غالبًا ما تضطر إلى تبنّي سياسات تقشفية غير شعبية، تشمل تقليص الإنفاق العمومي في مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وخفض الأجور، وتقييد التوظيف في القطاع العام، وذلك في إطار برامج الإصلاح أو التقويم الهيكلي المفروضة على الدول التي تواجه حالات العجز عن السداد.
المصدر: الجزيرة نت