لكن "مشروع ميفين" لم يأت نتاج عمل مؤسسة عسكرية فقط، بل نتيجة تعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى في
الولايات المتحدة، وهو تعاون أثار جدلا واسعا حول دور الذكاء الاصطناعي في الحروب.
في البداية، كانت
شركة غوغل المزود الرئيسي للتكنولوجيا في "مشروع ميفين"، بعدما وقعت عقدا مع البنتاغون لتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي تساعد في تحليل صور المسيّرات.
غير أن الشركة واجهت احتجاجات داخلية عام 2018، عندما وقع أكثر من ثلاثة آلاف موظف رسالة مفتوحة تندد بمشاركة الشركة في هذا المشروع العسكري. كما استقال عدد من المهندسين اعتراضا على إبرام هذا العقد مع البنتاغون، معتبرين أنه يتجاوز الحدود الأخلاقية.
وتحت ضغط هذه الاحتجاجات، قررت غوغل الانسحاب من المشروع، وأعلنت لاحقا مبادئ جديدة تحظر المشاركة في تطوير أنظمة أسلحة. لكن هذا القرار فتح الباب أمام شركات أخرى لتولي المهمة.
ففي عام 2024، برزت شركة بالانتير -التي تأسست بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية- كمزود رئيسي للنظام، ووفرت البنية التشغيلية الأساسية التي يعتمد عليها "ميفين" في تحليل البيانات وإدارة العمليات.
وبحسب رئيس شركة بالانتير التنفيذي ألكس كارب، فقد بات العالم مقسوما بين شقّين: أولئك الذين يملكون هذه التكنولوجيا، والآخرين الذين لا يملكونها.
وفي الوقت نفسه، دُمج نموذج ذكاء اصطناعي متقدم يعرف باسم "كلود" من شركة أنثروبيك، مما سمح للمستخدمين بالتفاعل مع النظام عبر اللغة الطبيعية، وطرح أسئلة مباشرة للحصول على توصيات عسكرية.
ومع الوقت، رفضت أنثروبيك استخدام تقنياتها في تطوير أسلحة تعمل بشكل كامل دون تدخل بشري، أو في برامج مراقبة جماعية، مما دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ قرار باستبدال تقنياتها تدريجيا، مع دخول شركات أخرى مثل "أوبن أيه آي" و"إكس أيه آي" التابعة
لإيلون ماسك في سباق للحصول على عقود مستقبلية.
وبرز دور "مشروع ميفين" في العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران. فبحسب تقارير إعلامية غربية، ساعد النظام في تحديد مئات الأهداف خلال وقت قصير، وتوفير إحداثيات دقيقة للقوات العسكرية، مما سمح بتنفيذ ضربات متزامنة على نطاق واسع.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن هذا النوع من الأنظمة يمنح الجيوش ميزة إستراتيجية كبيرة، لأنه يقلل زمن اتخاذ القرار، ويزيد قدرة القوات على الاستجابة السريعة، خاصة في بيئات قتالية معقدة.
كما يستخدم النظام في تقييم نتائج الضربات بعد تنفيذها، من خلال تحليل الصور الجديدة ومقارنتها بالبيانات السابقة، لتحديد ما إن كان الهدف قد دُمّر بالكامل أم يحتاج إلى ضربة إضافية.
لكن الضربة التي استهدفت مدرسة للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران في اليوم الأول من الحرب شكلت مثالا قاسيا على كلفة الخطأ عندما تدخل الخوارزميات في مسار القرار العسكري. فقد أسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 165 طفلة.
ورجحت صحيفة
نيويورك تايمز أن موقع المدرسة كان ضمن قائمة أهداف حددها "مشروع ميفين" خلال بداية الحرب، فيما أعلن البنتاغون فتح تحقيق لمعرفة ملابسات الاستهداف، وكيفية إدراج الهدف ضمن بنك الضربات.
وتشير تقديرات داخل المؤسسة العسكرية إلى أن القادة أصبحوا يعتمدون على النظام إلى درجة يصعب معها الاستغناء عنه، حتى مع الخلافات مع الشركات المطورة، وهو ما يزيد احتمالية ارتكاب "أخطاء كارثية" أخرى، وفق واشنطن بوست.
ومع تطور أنظمة مثل "ميفين"، يتجه العالم نحو مرحلة جديدة من الصراعات يمكن وصفها بـ"حرب الخوارزميات"، فالجيوش التي تمتلك القدرة على تحليل البيانات بسرعة أكبر، واتخاذ قرارات أسرع، ستمتلك ميزات إستراتيجية، مما يعني أن التفوق التكنولوجي قد يحدد النتائج الحاسمة.