أحد الأمثلة التي يشار إليها كثيرا في هذا النطاق هو الصاروخ الإيراني "خليج فارس" المضاد للسفن، حيث يعتقد أنه يستخدم باحثا حراريا (IR/EO) في مرحلته النهائية، ما يسمح له بتعقب سفينة متحركة وإصابتها بدقة من مسافات قد تصل إلى مئات الكيلومترات. ويعتقد أن هذا الصاروخ دخل الخدمة منذ عام 2014، وهو من أوائل الصواريخ الباليستية الإيرانية المصممة خصيصا لاستهداف السفن. والميزة الرئيسية لهذه الباحثات أنها تجعل الصاروخ قادرا على "رؤية" الهدف فعليا بدلا من الاعتماد فقط على الإحداثيات المسبقة، وهذا يزيد من دقة الإصابة، خاصة عند استهداف أهداف عالية القيمة أو متحركة.
أما الباحثات البصرية (الكهروضوئية)، فهي أنظمة توجيه تستخدم كاميرا أو حساس تصوير لالتقاط صورة لما أمام الصاروخ، ثم يقارنها بما يبحث عنه، فيصحح مساره حتى يصيب الهدف بدقة أعلى، ويمكن أن تعمل هذه الباحثات بالصورة العادية، أو بالصورة الحرارية بالأشعة تحت الحمراء، ولهذا توصف أحيانا بأنها باحثات بصرية/حرارية. وقد برز هذا النوع في إيران مع الصاروخ "قاسم بصير"، الذي كشفت عنه طهران في مايو/أيار 2025. ووفق ما نقلته أسوشيتد برس عن التلفزيون الرسمي الإيراني، فإن الصاروخ يستطيع إصابة هدف محدد من مسافة لا تقل عن 1200 كيلومتر مع تحسينات في التوجيه والمناورة لتجاوز الدفاعات. وقد أوحت اللقطات المعروضة للصاروخ بوجود باحث بصري/حراري في المرحلة النهائية.
"هذه التوليفة الثلاثية المكونة من القصور الذاتي، والتوجيه عبر الأقمار الصناعية، والحساسات رفعت دقة الإصابة لبعض الصواريخ الإيرانية بشكل كبير".
هذه التوليفة الثلاثية (القصور الذاتي، والتوجيه عبر الأقمار الصناعية، والباحثات) رفعت دقة الإصابة لبعض الصواريخ الإيرانية بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، في ضربة إيران الصاروخية على قاعدة عين الأسد في العراق في يناير/كانون الثاني 2020، استطاعت صواريخ إيرانية من طراز "قيام" و"ذو الفقار" كما هو مرجح، ضرب عدة أهداف "نقطوية" داخل القاعدة بدقة، إذ أظهرت صور الأقمار الصناعية أن كل صاروخ أصاب موقعه المقصود تقريبا.
وقد وجد تحليل مفصل استند إلى صور الأقمار الصناعية وبقايا الصواريخ التي سقطت قرب القاعدة أن بعض الصواريخ التي استخدمت كانت في الأصل مشتقات مطورة من عائلة سكود، لكنها أصبحت أدق بكثير من النسخ السوفيتية القديمة، فقد تمكنت من تحقيق دقة تتراوح بين 10 و100 متر عند مدى يقارب 700 كيلومتر.
توجيه ذكي لصاروخ "فتاح"
ولعل أبرز إنجاز حديث هو إدخال الصاروخ الفرط صوتي "
فتاح" إلى الخدمة رسميا، والذي و صف بأنه صاروخ باليستي فرط صوتي. وقد أُميط اللثام عن "فتاح 1" عام 2023 وتلاه "فتاح 2" أواخر عام 2024. وتكمن أهمية هذا الصاروخ في سرعته العالية، التي تبلغ أكثر من 5 ماخ، أي خمسة أضعاف سرعة الصوت (ما يصل إلى 6170 كيلومترا/ساعة)، ثم سرعة الرأس الحربي التي يحتمل أن تصل إلى ضعف هذه السرعة.
يعد "فتاح" صاروخا باليستيا متوسط المدى (1400-1500 كيلومتر) ذا مرحلتين، الأولى تعمل بالوقود الصلب لإطلاق الصاروخ إلى الفضاء القريب، والثانية مرحلة انزلاقية تحمل الرأس الحربي وتناور بهندسة خاصة. ويمكن للرأس الحربي الفرط صوتي تغيير مساره في الغلاف الجوي على ارتفاعات عالية وبسرعات هائلة، ما يجعل مساره غير قابل للتنبؤ بشكل كبير من قبل الرادارات، ويعقد اعتراضه عبر صواريخ الدفاع. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن "فتاح" مزود بنظام ملاحة بالقصور الذاتي مدمج مع استقبال منظومات توجيه بالأقمار الصناعية لتحديث موقعه، وبذلك يحصل على أفضل دقة ممكنة خلال مرحلته الانزلاقية.
"برمجيات تشكيل المسار هي خوارزميات داخل نظام توجيه الصاروخ لا تكتفي بإيصاله إلى الهدف فقط، بل تختار كيف يصل إليه".
عند الاقتراب من الهدف، يحتمل أن يعتمد الصاروخ على برمجيات تشكيل المسار بدلا من باحث تقليدي راداري أو حراري أو بصري، نظرا للصعوبة التقنية في وضع باحث يعمل ضمن الحرارة الشديدة التي تولدها السرعات الفرط صوتية. ولكن لا يُستبعد أيضا أن إيران جربت وضع باحث راداري أو حراري متطور يمكنه تحمل الظروف الصعبة. وبرمجيات تشكيل المسار هي خوارزميات داخل نظام توجيه الصاروخ لا تكتفي بإيصاله إلى الهدف فقط، بل تختار كيف يصل إليه، فبدلا من أن يسلك الصاروخ أقصر طريق مباشر، يمكن لهذه البرمجيات أن تجعله يقترب من الهدف من زاوية معينة أو يطير على ارتفاع أو مسار أقل توقعا أو يناور في لحظات محددة أو يؤخر أو يسرع بعض مراحل الرحلة أو يوزع طاقته وسرعته بطريقة تحسن الدقة أو تصعب الاعتراض.
بمعنى أبسط، هي ليست عقلا يقرر فقط أين الهدف، بل عقلا ينظم شكل الرحلة نفسها، ويمكن تشبيهها بسائق، لا يريد فقط الوصول إلى عنوان ما، بل ويختار طريقا يتجنب الزحام والحواجز، ويصل من الجهة الأنسب. وحتى الآن، تروج إيران لقدرة "فتاح" على إصابة الأهداف بدقة شديدة، وقد أشار تقرير صادر عن "تحالف الدفاع الصاروخي"، مركز أبحاث مقره ولاية فرجينيا الأمريكية، إلى أن دقته النظرية تتراوح بين 10 – 25 مترا، مما يضعه في مصاف أفضل الصواريخ التكتيكية في العالم.
مناورة الدفاعات الأرضية
جدير بالذكر أن توجيه الصواريخ لا يتعلق فقط بإصابة الهدف، بل أيضا بتفادي العقبات والتهديدات أثناء الرحلة، فالصاروخ الموجه قادر على المناورة وتصحيح مساره إذا حاول العدو التشويش عليه أو اعتراضه. هذه الميزة بالغة الأهمية عسكريا، إذ تزيد فرص تجاوز الدفاعات الجوية للخصم. وفي معظم فترات الحرب الباردة، صممت أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي على أساس أن الصواريخ البالستية تتبع مسارا باليستيا ثابتا نسبيا بعد انتهاء مرحلة الدفع. فعندما تكتشف الرادارات الصاروخ، يمكن للحواسيب العسكرية حساب مساره المتوقع بسرعة وتحديد نقطة اعتراض مناسبة. ولهذا طورت أنظمة مثل "باتريوت" الأمريكية و"آرو" الإسرائيلية لاعتراض الصواريخ في مسارها المتوقع قبل وصولها إلى الهدف. وتعتمد هذه المنظومات على القدرة على التنبؤ بمسار الصاروخ بدقة بعد اكتشافه مبكرا.
"بدلا من أن يسقط الرأس الحربي في خط شبه ثابت، يمكن للصواريخ الحديثة إجراء تصحيحات في المرحلة النهائية من الطيران تسمح بتعديل زاوية السقوط أو الاتجاه".
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير مع ظهور أنظمة التوجيه المتقدمة والرؤوس الحربية القابلة للمناورة، فبدلا من أن يسقط الرأس الحربي في خط شبه ثابت، يمكن للصواريخ الحديثة إجراء تصحيحات في المرحلة النهائية من الطيران تسمح بتعديل زاوية السقوط أو الاتجاه في دخول الغلاف الجوي. وقد تكون هذه المناورات محدودة نسبيا، لكنها كافية لخلق انحراف صغير عن المسار المتوقع، وهو ما قد يربك صاروخ الاعتراض الذي يعتمد على توقع نقطة التصادم مسبقا.
في حالة الصواريخ الإيرانية الأحدث، فإن دقة توجيهها تجعل نقطة سقوطها أقل قابلية للتنبؤ مقارنة بالصواريخ البالستية التقليدية، وتزداد هذه المشكلة تعقيدا مع ظهور الصواريخ الفرط صوتية التي تجمع بين السرعة العالية والمناورة. وتشير تقارير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى أن الجمع بين السرعة والمناورة والارتفاعات غير التقليدية يجعل اكتشاف هذه الصواريخ واعتراضها أصعب مقارنة بالصواريخ البالستية التقليدية.
إلى جانب المناورة، تستخدم بعض الصواريخ الحديثة تكتيكات إضافية لتعقيد مهمة الدفاع الجوي. ومن بين هذه التكتيكات إطلاق أهداف خداعية أو شظايا معدنية صغيرة لتضليل الرادارات، أو فصل الرأس الحربي عن جسم الصاروخ في مرحلة مبكرة بحيث يصبح من الصعب تحديد أي جزء هو الهدف الحقيقي. كما قد يبرمج الصاروخ لإجراء انحرافات حادة أو تغييرات مفاجئة في الارتفاع عند اقتراب الصاروخ الاعتراضي منه.
وفي بعض الهجمات، لا تراهن إيران على صاروخ واحد أو هدف واحد، بل على كثافة النيران نفسها، فقد تطلق عشرات، وأحيانا مئات من الصواريخ والمسيرات في وقت متقارب، ضمن أسلوب عسكري يعرف باسم "الإغراق"، والهدف من هذا التكتيك هو إرهاق منظومات الدفاع الجوي، لأن هذه المنظومات، مهما بلغت كفاءتها، تظل محدودة بعدد ونوعية الأهداف التي تستطيع رصدها وتتبعها واعتراضها في اللحظة نفسها. وعندما تتدفق الأهداف بكثافة وفي اتجاهات متزامنة، تزداد احتمالات مرور بعضها واختراقه للدفاعات، ليس بالضرورة لأن كل صاروخ متفوق وحده، بل لأن كثرة الأهداف نفسها تتحول إلى سلاح.
"التطورات في أنظمة التوجيه والمناورة جعلت عملية الاعتراض أكثر تعقيدا وتكلفة".
لا يعني ذلك أن الصواريخ لا يمكن اعتراضها، أو أن الصواريخ الإيرانية استثنائية، لكن التطورات في أنظمة التوجيه والمناورة جعلت عملية الاعتراض أكثر تعقيدا وتكلفة. فمثلا، أظهر مقطع فيديو متداول خلال الحرب الحالية (لم نتحقق من دقته بشكل مستقل) صاروخا إيرانيا يتجاوز أكثر من عشرة صواريخ اعتراض إسرائيلية قبل أن يصيب هدفه. يظهر الفيديو الصاروخ وهو يواصل طريقه رغم إطلاق عدد كبير من الصواريخ الاعتراضية من أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية. وتعكس هذه الحادثة نقطة ضعف محتملة في شبكة الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات لدى إسرائيل، فحتى مع إطلاق عدد كبير من الصواريخ الاعتراضية، لا يوجد نظام قادر على ضمان اعتراض كل صاروخ مهاجم بنسبة 100%.
هذا النمط من الهجمات يفرض معادلة مكلفة على الطرف المدافع، فكل صاروخ إيراني قد يدفع الدفاعات الجوية إلى إطلاق عدة صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، وهو ما يستهلك المخزون الدفاعي بسرعة ويزيد الضغط على إسرائيل. ولكن في المقابل، تتصاعد الضربات التي تستهدف مخازن الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها، ما يقلل تدريجيا من عدد الصواريخ التي تستطيع إيران إطلاقها يوميا.
من هذه الزاوية، تبدو الحرب وكأنها سباق مخازن أكثر من كونها مجرد مواجهة نارية، ففي أحد الطرفين يقف المخزون الباليستي الإيراني، وفي الطرف الآخر تقف مخازن الصواريخ الاعتراضية لدى منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، وبين الطرفين تدور معركة موازية لا تقل أهمية، وهي معركة الاستخبارات والاستطلاع، التي تحاول كشف مواقع منصات الإطلاق والوحدات الصاروخية داخل إيران واستهدافها قبل أن تطلق حمولتها. ومن ينتهي مخزونه أولا ربما يخسر الحرب، أو "يضطر إلى الجلوس على طاولة المفاوضات" ويقبل اتفاقا بشروط لم يكن مستعدا لها في البداية.
المصدر: الجزيرة نت + مواقع إلكترونية