..[ البســـالة ]..

..[ البســـالة ].. (https://www.albasalh.com/vb/index.php)
-   قســــم الشـــخصيــات العســــكريــة (https://www.albasalh.com/vb/forumdisplay.php?f=84)
-   -   جنرالات إيران الجدد (https://www.albasalh.com/vb/showthread.php?t=16078)

الباسل 16-05-26 06:53 PM

جنرالات إيران الجدد
 
جنرالات إيران الجدد.. هل استدعت أمريكا "عفريتا" لا يمكن صرفه؟

https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80
من اليمين: حسن زاده وأحمد وحيدي وعلي فدوي ومحسن رضائي (شترستوك)



أحمد كامل
16/5/2026


في الثالث من يناير/كانون الثاني 2020، حين سقط قاسم سليماني بضربة مسيرة أمريكية في طريق مطار بغداد، اعتقد كثيرون أن الحدث استثناء، ولحظة تجاوز واحدة في حرب الظلال الطويلة بين إيران وأعدائها. غير أن ما لم يكن واضحا وقتها أن مقتل سليماني ليس نهاية مرحلة، بل بداية حقبة تحول فيها استهداف الجنرالات الإيرانيين من استثناء إلى قاعدة.
فقد تكرر المشهد ذاته مع اغتيال العميد رضي موسوي، المستشار البارز في فيلق القدس، في ديسمبر/كانون الأول 2023 إثر قصف إسرائيلي على منزله في منطقة السيدة زينب بالعاصمة السورية، ثم في أبريل/نيسان 2024، حين استهدفت طائرات "إف-35" إسرائيلية مبنى ملحقا بالسفارة الإيرانية في حي المزة بدمشق، ما أسفر عن مقتل العميد محمد رضا زاهدي، القيادي البارز في فيلق القدس الذي يعتقد أنه كان مسؤولا عن ملف سوريا ولبنان، ومساعده محمد هادي حاج رحيمي، إلى جانب خمسة آخرين من ضباط الحرس.
https://www.aljazeera.net/wp-content...433&quality=80
قاسم سليماني لم يكن مجرد قائد عسكري لكنه تحول إلى "ممثل سياسي غير رسمي" لطهران في ساحات نفوذها الإقليمي (مواقع التواصل)

لكن ما جرى حتى ذلك الحين بوصفه تصفيات فردية متباعدة، سرعان ما اتخذ شكلا أوسع وأكثر انتظاما. ففي حرب يونيو/حزيران 2025، انتقلت الضربات من اصطياد الأفراد إلى ضرب طبقات قيادة بأكملها. ففي غضون الساعات الأولى من الهجوم الإسرائيلي، قُتل عدد من أبرز رجال الصف العسكري الإيراني، في مقدمتهم القائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، إلى جانب رئيس هيئة الأركان محمد باقري، وقائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري أمير علي حاجي زاده، أحد العقول المركزية في برنامج الصواريخ، وقائد مقر خاتم الأنبياء المركزي غلام علي رشيد.
"في ست سنوات فقط، من اغتيال قاسم سليماني إلى مقتل خامنئي، فقدت الجمهورية الإسلامية طبقات متعاقبة من قياداتها"
وبعد ثمانية أشهر فقط، عاد النمط نفسه أثناء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية في فبراير/شباط 2026، مع استهداف القائد الجديد للحرس الثوري محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وأمين مجلس الدفاع علي شمخاني، فيما لم تقف الضربة هذه المرة عند حدود القيادات العسكرية والأمنية، بل امتدت إلى رأس النظام السياسي نفسه مع اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.

تكشف الأرقام التراكمية حجم الاستنزاف الذي تعرضت له المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية بفعل الحرب، وإن ظلت موضع تضارب بين الروايات، حيث أفاد موقع "إيران إنترناشيونال" المعارض أن 4700 من قيادات وأفراد الحرس والباسيج والشرطة سقطوا خلال الحرب. غير أن جوهر المسألة لا يتوقف عند الرقم الدقيق للخسائر بقدر ما يتصل بدلالته؛ ففي ست سنوات فقط، من اغتيال قاسم سليماني إلى مقتل خامنئي، فقدت الجمهورية الإسلامية طبقات متعاقبة من قياداتها، من جيل المؤسسين الذي خرج من رحم ثورة 1979 وصاغ عقيدتها العسكرية في أتون الحرب العراقية-الإيرانية، إلى الجيل الثاني الذي تتلمذ على أيديهم وحافظ، بدرجة ما، على الانسجام الفكري والإستراتيجي مع من سبقوه.

مؤسسون وورثة

لا تقف نتائج هذا الاستنزاف المتدرج عند حدود الفجوة القيادية المؤقتة، بل تتجاوزها إلى ما هو أعمق. فالجيل المؤسس للحرس الثوري لم يكن مجرد طبقة عسكرية محترفة يمكن استبدالها بتراتبية بيروقراطية عادية، بل تشكل بوصفه "حارسا لعقيدة" وُلدت في ظرف تاريخي محدد، من الثورة الإسلامية إلى الحرب مع العراق.
وكما تبين الباحثة آني تريسي صمويل في دراستها بعنوان "التاريخ غير المكتمل للحرب الإيرانية العراقية"، لم يقرأ الحرس الثوري تلك الحرب على أنها سلسلة وقائع عسكرية فحسب، بل بوصفها أداة حيوية في تشكيل هويته المؤسسية ورؤيته لنفسه ودوره داخل الدولة. وكانت الحرب، بهذا المعنى، المختبر الذي حول الحرس من تشكيل ثوري مشتت إلى تنظيم أكثر تماسكا، يملك سرديته الخاصة عن التضحية والتهديد والشرعية والبقاء.
"كانت الحرب مع العراق هي المختبر الذي حول الحرس من تشكيل ثوري مشتت إلى تنظيم أكثر تماسكا، يملك سرديته الخاصة عن التضحية والتهديد والشرعية والبقاء"
ويتقاطع ذلك مع ما خلصت إليه مؤسسة راند في دراستها المعنونة "صعود الباسدران"، من أن قادة هذا الجيل ارتبطوا برباط وثيق نشأ من الخبرة المشتركة في الميدان. فلم يكن الرابط بينهم إداريا أو وظيفيا فقط، بل كان رابط جبهة وذاكرة ودم، جعلهم يتبنون رؤية حازمة للجمهورية الإسلامية بوصفها التجسيد الأصدق لقيم الثورة، لا مجرد نظام سياسي يمكن التفاوض على ثوابته أو إعادة تعريفها.
في هذه التربة وُلدت عقيدة "الدفاع غير المتماثل" وهي طريقة لمواجهة خصم أكثر قوة من خلال الالتفاف على نقاط قوته واستغلال نقاط ضعفه، والتي يقول جواد بهجت وأنوشيروان احتشامي، في كتابهما "الدفاع عن إيران"، إن جذورها تعود إلى حالة العزلة الدولية الحادة التي وجد القادة الإيرانيون أنفسهم داخلها خلال الحرب، وما ترتب عليها من حرمان إيران من أساسيات التكنولوجيا العسكرية بفعل العقوبات، في مواجهة عدو مجهز بالكامل.
وتمثل معارك مدينة خرمشهر تحديدا اللحظة المؤسسة لمنهج الدفاع غير المتماثل. فالمدينة الواقعة في جنوب غرب إيران على الضفة الشرقية لشط العرب، قبالة الحدود العراقية مباشرة، سقطت في الأيام الأولى من الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988)، غير أن إيران استعادتها لاحقا في عملية "بيت المقدس" في مايو/أيار 1982، فيما عُد أحد أبرز الانعطافات الكبرى في مسار الحرب.
https://www.aljazeera.net/wp-content...527&quality=80
سيارة جيب إيرانية مدمرة ودبابة عراقية بعد المعارك الضارية للسيطرة على خرمشهر 1980 (أسوشيتد برس)


ومن هول ما شهدته المدينة من دمار وضحايا، أطلقت عليها الذاكرة الشعبية الإيرانية اسم "خونين شهر"، أي "المدينة الدامية"، في تحوير صوتي لاسمها الأصلي (خرمشهر) الذي يعني حرفيا "مدينة الفرح". وبحسب آني تريسي صمويل، تبلورت في هذه اللحظة التأسيسية ملامح "تقليد الصراع غير المتماثل" في الوجدان العسكري الإيراني. ففي خرمشهر تعلم المقاتلون الإيرانيون ضرورة الاشتباك مع العدو في كل شبر، وبإمكانات تقترب من الصفر، في مواجهة جيش نظامي مجهز بأحدث الأسلحة السوفيتية والغربية. ومن هنا ترسخ مبدأ يقدس التضحية والابتكار التكتيكي بوصفهما الأداتين البديلتين عن "القوة النارية" المفقودة.
"في خرمشهر تعلم المقاتلون الإيرانيون ضرورة الاشتباك مع العدو في كل شبر، وبإمكانات تقترب من الصفر، في مواجهة جيش نظامي أفضل تسليحا"
يفسر لنا هذا التاريخ لماذا امتلك قادة هذا الجيل في إيران رصيدا رمزيا يفوق مواقعهم الرسمية. فلم يكن قاسم سليماني مجرد قائد لفيلق القدس، بل تحول إلى "ممثل سياسي غير رسمي" لطهران في ساحات نفوذها الإقليمي، ومنحه خامنئي لقبا استثنائيا هو "الشهيد الحي للثورة". وعلى المنوال ذاته، مثل أمير علي حاجي زاده الوجه العلني للترسانة الصاروخية الإيرانية، بينما شكل محمد باقري وغلام علي رشيد عقلي التخطيط والتنسيق داخل البنية العسكرية.
https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80
إسماعيل قاآني (يمين) وحسين سلامي (شترستوك)


أما الجيل الذي ملأ الفراغ بعدهم، فلم يكن بعيدا عمريا بقدر ما كان مختلفا في موقعه داخل السردية المؤسسية؛ إذ كان في معظمه جيل نواب رُقوا اضطرارا. على سبيل المثال، ورث إسماعيل قاآني موقع سليماني في فيلق القدس من دون أن يرث كاريزمته أو شبكة علاقاته المباشرة مع الفصائل الحليفة، وصعد حسين سلامي في هرم الحرس دون أن يمتلك الرصيد الرمزي نفسه لأسلافه.
ومع ذلك، خاض هذا الجيل في عمليتي "الوعد الصادق" الأولى والثانية عام 2024 (وهي ضربات صاروخية إيرانية ضد إسرائيل)، ثم في حرب يونيو/حزيران 2025، ما لم يخضه الجيل السابق قط، وهو الانتقال من الردع غير المباشر عبر شبكة الوكلاء إلى الضربة المباشرة من الأراضي الإيرانية على إسرائيل لأول مرة في تاريخ المواجهة بين الدولتين. ومع أن هذا التحول لم ينبع من اختيار إستراتيجي مدروس بقدر ما فرضته سلسلة الاغتيالات التي طالت كبار القادة وضربت قلب المنظومة العسكرية، غير أنها دفعت جيل النواب نحو عتبة جديدة.

العائد من الظل

اليوم للمفارقة، لا يصعد إلى قيادة الحرس الثوري جيل شاب أو غريب عن لحظة التأسيس، بل يعود النظام جزئيا إلى بعض وجوهه القديمة. ففي مارس/آذار الماضي، وبينما كانت طهران تستوعب صدمة الضربة الأمريكية-الإسرائيلية، أُعلن تنصيب أحمد وحيدي قائدا عاما للحرس الثوري خلفا لمحمد باكبور.
يعد وحيدي ابن الحرس الثوري منذ بداياته الأولى، وقد تدرج داخله خلال الثمانينيات في مواقع استخبارية وعسكرية حساسة، قبل أن يتولى قيادة فيلق القدس بين عامي 1988-1997، ثم يسلم هذا الموقع لاحقا إلى سليماني. بهذا المعنى، لا يمثل وحيدي قطيعة مع الجيل المؤسس، بل امتدادا مباشرا له؛ فهو رجل تشكل داخل اللحظة نفسها التي صاغت عقيدة الحرس، بما يشمل شبكته الموازية من الاستخبارات والوكلاء والعلاقات العابرة للحدود.
"ما يميز وحيدي عن كثير من أسلافه من قادة الحرس الثوري هو أنه ليس عسكريا خالصا، فقد انتقل بين المؤسسة العسكرية ومراكز الدولة المدنية"
على أن ما يميز وحيدي عن كثير من أسلافه هو أنه ليس عسكريا خالصا. فقد انتقل بين المؤسسة العسكرية ومراكز الدولة المدنية، فشغل منصب وزير الدفاع في عهد محمود أحمدي نجاد، ثم وزير الداخلية في عهد إبراهيم رئيسي. وهذه الخبرة المزدوجة تمنحه ما لم يكن متاحا لقائد ميداني صرف؛ المعرفة بجسد الدولة من الداخل، والقدرة على إدارة الحرس بوصفه جهازا عسكريا وأمنيا وسياسيا في آن واحد. ولذلك لا يبدو تعيينه مجرد محاولة لسد فراغ قيادي، بل محاولة لإعادة ربط الأجزاء المتناثرة داخل المنظومة، أو حسبما يصفه الباحث علي ألفونه من معهد دول الخليج العربية بأنه "بيروقراطي قدير" ومرشح مثالي لقيادة "ما هو أكثر من مجرد تنظيم عسكري".
وتزداد أهمية هذه الخبرة بالنظر إلى درايته القديمة بالخصمين الأمريكي والإسرائيلي. ففي منتصف الثمانينيات، شارك وحيدي في اتصالات سرية بين ممثلين إيرانيين ووسطاء قريبين من إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، ضمن ما عُرف لاحقا بقضية إيران كونترا. وتتلخص القضية في أن مسؤولين أمريكيين سهلوا سرا إيصال أسلحة إلى إيران رغم الحظر المفروض عليها، ثم استُخدم جزء من عائدات تلك الصفقات لدعم متمردي "الكونترا" المناهضين للحكومة اليسارية في نيكاراغوا في ثمانينيات القرن الماضي، بغرض الالتفاف على القيود التي فرضها الكونغرس. وبحسب ألفونه، فإن مشاركة وحيدي في تلك القنوات جعلته على معرفة وثيقة بآليات التفكير والتفاوض لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي خبرة نادرة في لحظة يعود فيها الحرس الثوري إلى مواجهة مباشرة معهما.

جيل جديد.. قديم


غير أن وحيدي لا يقف بمفرده، فقد ظهرت معه خلال الأسابيع الأولى من قيادته شبكة متماسكة من الجنرالات، يصفها ألفونه بـ"القيادة الجماعية غير الرسمية" التي تتقاسم رسم الخطوط الحمراء وإدارة الصراع. ضمن هذا الصف يبرز اسم علي أكبر أحمديان، القائد السابق للقوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني وأمين مجلس الأمن القومي الأسبق.
ظهر أحمديان في وفد المفاوضات الإيراني في إسلام آباد، إلى جانب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. هذا الحضور المباشر لرموز الحرس داخل وفد التفاوض يكشف أن المكون العسكري الإيراني بات شريكا معلنا في إدارة الدبلوماسية، لا رقيبا خارجيا عليها فحسب.
"حضور رموز الحرس داخل وفد التفاوض يكشف أن المكون العسكري الإيراني بات شريكا معلنا في إدارة الدبلوماسية، لا رقيبا خارجيا عليها فحسب"
يستحق صعود أحمديان الحالي قراءة أعمق. فالرجل ابن قديم للحرس الثوري، وبخلاف قيادته للقوات البحرية، قاد لسنوات طويلة مركز الدراسات الإستراتيجية التابع للحرس، وأسهم في تأسيس "معهد معين فجر الإستراتيجي" التابع لجامعة الدفاع الوطني، ويُنسب إليه دور بارز في تطوير عقيدة الحرب غير المتماثلة وتطبيقها في العراق.
والأهم من ذلك، أنه يُصنف على أنه "خامنئي خالص"، بحسب تعبير الباحث دانيال برومبرغ، زميل المركز العربي بواشنطن، أي من أولئك الذين لا يرون في الثورة الإسلامية نظاما سياسيا قابلا لإعادة التأويل، بل عقيدة يجب حراستها من قبل الإصلاحيين والمحافظين والمتشددين على السواء. وهكذا فإن صعوده الحالي لا يعني فقط ملء مواقع إدارية شاغرة، بل ترسيخ حضور تيار يرى أن أمن إيران لا يتحقق إلا بتوسيع نفوذ الحرس، وتعميق برنامجي التخصيب والصواريخ، ومواجهة الوجود الأمريكي في المنطقة لا التكيف معه.
https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80
علي أكبر أحمديان (رويترز)


ويتقاطع مع هذا التيار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الحالي، اللواء محمد باقر ذو القدر، الذي شغل منصب نائب القائد العام للحرس بين أعوام 1997-2005. ويُستكمل هذا المسار مع عودة اسمين آخرين من الجيل المؤسس إلى واجهة المشهد. الأول هو القائد السابق للحرس يحيى رحيم صفوي، أحد مهندسي عقيدة الردع الصاروخي وتوسيع شبكة محور المقاومة، والذي ظل حاضرا في موقع المستشار العسكري للقيادة العليا. أما الثاني فهو القائد المؤسس للحرس الثوري محسن رضائي، والذي استُدعي مجددا من هامش التقاعد السياسي والعسكري بحكم علاقته بالمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وفق ما أوردته نيويورك تايمز.
https://www.aljazeera.net/wp-content...515&quality=80
من اليمين: آية الله علي خامنئي وحسين سلامي ومحسن رضائي ويحيى رحيم صفوي عام 2015 (أسوشيتد برس – أرشيف)


مرحلة المبادأة بالرد

لم يكن التحول في بنية القيادة منفصلا عن التحول الأعمق في فلسفة الحرب نفسها. ففي 6 يناير/كانون الثاني 2026، قبل أسابيع من الحرب الأخيرة، أعلن مجلس الدفاع الإيراني في بيان مقتضب أن إيران "لم تعد تعتبر نفسها مقيدة بالرد بعد الهجوم"، وأنها ستتعامل مع "العلامات الموضوعية للتهديد" بوصفها جزءا من معادلتها الأمنية.
وكما هو واضح، جنحت صياغة البيان إلى الدبلوماسية؛ حيث تجنبت الإشارة الصريحة إلى مفهوم "الضربة الاستباقية"، لكنها عمليا فتحت الباب أمامه. وبهذا المعنى، مثل البيان نهاية حقبة "الصبر الإستراتيجي" التي أرساها خامنئي الأب على مدى عقود، حيث ظلت العقيدة الإيرانية تقوم على امتصاص الضربة الأولى، ثم الرد عبر مزيج من الصواريخ والوكلاء والاستنزاف طويل النفس.
ويرى الباحث وخبير الشأن الإيراني في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حميد رضا عزيزي، أن هذه الصياغة تمثل تحولا لأن إيران لم تمتلك من قبل عقيدة استباقية واضحة لقواتها المسلحة؛ فقد ظل خطابها العسكري، تاريخيا، قائما على الدفاع والضربة الثانية، لا على المبادرة. بذلك، لا يعبر البيان عن تعديل لغوي في قاموس الأمن الإيراني فحسب، بل عن انتقال محتمل من عقيدة "الردع بالصبر" إلى عقيدة "الردع بالمبادأة".
"لم تمتلك إيران من قبل عقيدة استباقية واضحة لقواتها المسلحة وظل خطابها العسكري، تاريخيا، قائما على الدفاع والضربة الثانية"
ولا يمكن عزل هذا البيان عن ركائزه التشغيلية التي بوسعنا رصدها في إدارة إيران للصراع الحالي. ففي أعقاب الإعلان، تعاملت طهران مع مفهوم الردع الاستباقي بوصفه غطاء لتوسيع نطاق عملياتها في الإقليم، لا مجرد تعديل لفظي في خطابها الأمني. وبالمقارنة مع يونيو/حزيران 2025، تبدو إيران اليوم أكثر "عدوانية" في خطابها وسلوكها أيضا؛ حيث تتبنى رسميا الاستخدام الموسع للصواريخ الإقليمية والمسيرات والهجمات الإلكترونية واستهداف البنية التحتية للطاقة.
إلى جانب ذلك، استبدل القادة الحاليون بالورقة النووية المتآكلة ورقة جيو-اقتصادية أكثر نجاعة وأسهل في استخدامها. فبعد الضربات الأمريكية على منشآت نطنز وفوردو وأصفهان، بدا أن البرنامج النووي لم يعد ورقة ضغط فعالة بقدر ما صار هدفا مكشوفا. ومن هنا اتجهت طهران إلى ما يمكن وصفه بـ"تسليح الجغرافيا"؛ عبر إغلاق مضيق هرمز وضرب أسواق النفط العالمية. وما يميز هذه الإستراتيجية أنها لا تتطلب مواجهة عسكرية مفتوحة بقدر ما تستثمر في الموقع الجغرافي الإيراني ليس فقط لرفع كلفة الحرب على الخصوم، ولكن لإيلام الاقتصاد العالمي كله.

دفاع فسيفسائي.. ولا مانع أمام النووي

في الوقت ذاته، فعلت طهران عقيدة "الدفاع الفسيفسائي"، بوصفها نموذج بقاء لمواجهة سيناريو ضرب مركز القيادة. وتقوم هذه العقيدة التي تبلورت خلال العقدين الماضيين على تقسيم البلاد إلى 32 قيادة إقليمية مستقلة، تمتلك كل قيادة مقرها وشبكة اتصالاتها ومخزونها من السلاح وقدراتها الاستخبارية، بما يسمح لها بالعمل حتى إذا انقطع الاتصال بالمركز، ما يعني أن بقاء النظام لا يجب أن يتوقف على سلامة العاصمة أو استمرار القيادة العليا في إصدار الأوامر لحظة بلحظة. ومن هنا جاء ما يُعرف بـ"بروتوكول الخليفة الرابع"، الذي يحدد مسبقا 3 إلى 7 بدلاء مختارين مسبقا لكل منصب حساس، بحيث لا يؤدي مقتل قائد أو تعطل مقر إلى شلل كامل في سلسلة القيادة.
ومع أن هذه العقيدة منعت انهيار النظام في مارس/آذار 2026، بعد مقتل المرشد الأعلى وعشرات القادة الكبار، غير أن لها وجها آخر سلبيا، إذ إنها تضعف التماسك الإستراتيجي وقدرة المركز على ضبط الإيقاع العام للتصعيد. فكلما زادت استقلالية القيادات الإقليمية، تراجعت قدرة القيادة السياسية على التحكم الدقيق في توقيت الضربات وحدودها. وهكذا قد يتحول نموذج البقاء نفسه إلى مصدر خطر جديد، إذ باتت بعض العمليات تُنفذ بمبادرة محلية من وحدات إقليمية لا يمكن الوصول إليها أو ضبطها في اللحظة المناسبة.
"باتت بعض العمليات تُنفذ بمبادرة محلية من وحدات إقليمية لا يمكن الوصول إليها أو ضبطها في اللحظة المناسبة"
جدير بالذكر أن عقيدة "الدفاع الفسيفسائي" أُقرت رسميا داخل الحرس الثوري عام 2005، على يد العميد محمد علي جعفري، قبل أن يُعاد تنظيمها عام 2008. وقد صُممت هذه العقيدة بوصفها درسا مستخلصا من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ إذ رأت طهران أن أحد أسباب الانهيار السريع لنظام صدام حسين كان فرط المركزية في القيادة، لذلك سعت إلى بناء نموذج لامركزي يضمن استمرار القتال وإدارة الدولة حتى لو ضُربت العاصمة أو قُطعت القيادة المركزية.

غير أن أهم تحول يرافق صعود الوجوه الجديدة في طهران، يتمثل في إعادة فتح ملف العتبة النووية. فعلى مدى عقدين، استند الموقف الرسمي الإيراني إلى فتوى خامنئي بتحريم أسلحة الدمار الشامل. لكن بعد اغتياله لم يعد السؤال هل تستطيع إيران امتلاك السلاح النووي، بل ما الذي يمنعها الآن؟ فغياب خامنئي أزال الحاجز الفقهي والسياسي الأبرز أمام هذا الخيار، والفتوى كانت مرتبطة بشخصه أكثر مما كانت مرسوما حكوميا ملزما. وفي ظل وجود مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة مرتفعة، تصبح المسافة بين القدرة التقنية والقرار السياسي أقصر من أي وقت مضى.
وبالتوازي يظهر تناقض إستراتيجي أكبر. فقد افترضت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية أن إضعاف القيادة "المتشددة" في نظرهم قد يفتح الباب أمام قيادة أكثر براغماتية في طهران. غير أن ما حدث قد يكون العكس تماما، وفقا لما يشير إليه الباحث ومؤلف كتاب "إيران والقنبلة" سينا أزودي، إذ قال إن "أحد أسباب الإحجام النووي السابق كان الخوف من ضربات إسرائيلية وأمريكية. أما الآن، بعد أن ضربوا على أي حال، فقد انتهت كل الحسابات. وبهذا لعل الضربات التي أرادت منع إيران من امتلاك القنبلة قد منحت دعاة التسلح النووي حجتهم الأقوى".
" الجيل الراهن في القيادة الإيرانية يتعامل مع أدوات القوة بمرونة أكبر، وبقدر أقل من القيود التي حكمت سابقيه"
على هذا النحو، تكشف فلسفة إدارة الصراع الجديدة في إيران أن الجيل الراهن يتعامل مع أدوات القوة بمرونة أكبر، وبقدر أقل من القيود التي حكمت سابقيه. فهو لا يكتفي بوراثة الصواريخ والوكلاء والبنية اللامركزية والعتبة النووية، بل يعيد تعريف طريقة استخدامها، وينقلها من موقع الرد المؤجل إلى موقع المبادأة والضغط المبكر وتوسيع كلفة المواجهة.
ومن هنا يبرز سؤال أعمق من مجرد رصد تبدل الأسماء داخل هرم القيادة: هل أنتجت محاولة كسر القيادة الإيرانية، من حيث لا تقصد، نسخة أكثر تصلبا وأقل تقيدا وأكثر استعدادا للتصعيد، من تلك التي أُريد كسرها؟ بحسب التشكيل القيادي الراهن والعقيدة التي تتبلور حوله، تبدو الإجابة أقرب إلى نعم.

المصدر: الجزيرة نت


الساعة الآن 10:05 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir