..[ البســـالة ]..

..[ البســـالة ].. (https://www.albasalh.com/vb/index.php)
-   قســــــم الجغرافيا السياســـــية والعســــــــكرية (https://www.albasalh.com/vb/forumdisplay.php?f=70)
-   -   مضيق هرمز.. عقدة النفط التي تحكم العالم (https://www.albasalh.com/vb/showthread.php?t=15741)

الباسل 04-04-26 06:40 AM

مضيق هرمز.. عقدة النفط التي تحكم العالم
 
مضيق هرمز.. عقدة النفط التي تحكم العالم


https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80
توقف حركة المرور في مضيق هرمز مطلع الشهر الماضي (موقع مارين ترافيك)



محمد الرجوب

2/4/2026


مضيق هرمز.. الجغرافيا التي تحكم الاقتصاد والسياسة
في لحظات التوتر الكبرى، تتعرى قواعد السوق، وتنكشف هشاشتها أمام حقائق القوة والجغرافيا. فالسوق الذي يفترض أنه يتحرك وفق معادلات العرض والطلب، سرعان ما يخضع لإيقاع السياسة حين تتعرض شرايينه الحيوية للخطر.
وفي مضيق هرمز، تتكثف هذه الحقيقة إلى أقصى حدها، حيث تتحول الجغرافيا من مجرد إطار مكاني إلى فاعل اقتصادي وسياسي يعيد تشكيل موازين القوى في العالم.
هنا، لا تمر ناقلات النفط فقط، بل تمر معها رهانات الدول الكبرى، وتوقعات الأسواق، ومخاوف المستثمرين، وحسابات الأمن الدولي. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة تتقاطع عندها المصالح، وتختبر فيها حدود النفوذ.
الواقع في هرمز يقدم نموذجا مختلفا، حيث تلعب السياسة دورا حاسما في توجيه السوق. فمجرد التلويح بإغلاق المضيق، أو حتى تعطيله جزئيا، كفيل برفع أسعار النفط، ليس بسبب نقص فعلي في الإمدادات، بل نتيجة الخوف من هذا النقص
https://www.egyptke.com/UploadCache/...x450o/114.jpeg

من ممر مائي إلى مركز ثقل عالمي

يربط المضيق بين الخليج العربي والمحيط الهندي، وتطل عليه إيران من الشمال وسلطنة عمان من الجنوب، في موقع يمنحه قيمة إستراتيجية استثنائية. هذه الجغرافيا الضيقة، التي لا تتجاوز عشرات الكيلومترات في بعض نقاطها، تحمل على عاتقها عبئا اقتصاديا هائلا، إذ تعبر منها نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.
هذا التركز في نقطة واحدة يجعل من المضيق "عنق زجاجة" للاقتصاد العالمي، حيث يمكن لأي اضطراب، مهما كان محدودا، أن يتحول إلى أزمة تتردد أصداؤها في الأسواق الدولية خلال ساعات.
فالتأخير في عبور ناقلة واحدة، أو ارتفاع كلفة التأمين، قد ينعكس مباشرة على الأسعار العالمية، وعلى سلاسل الإمداد، وحتى على معدلات التضخم في دول بعيدة جغرافيا.
لكن الأهم أن هذا الموقع لا ينتج قيمة اقتصادية فحسب، بل يولد سلطة سياسية. فالدول المطلة عليه، وعلى رأسها إيران، لا تمتلك فقط حدودا جغرافية، بل تمتلك قدرة كامنة على التأثير في تدفقات الطاقة، ومن ثم في استقرار الاقتصاد العالمي. وهنا تتحول الجغرافيا إلى أداة نفوذ، وليس مجرد معطى ثابت.

الاقتصاد السياسي للطاقة: حين تصنع السياسة السوق

في النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، يفترض أن تحدد الأسعار وفق توازن العرض والطلب. غير أن الواقع في هرمز يقدم نموذجا مختلفا، حيث تلعب السياسة دورا حاسما في توجيه السوق. فمجرد التلويح بإغلاق المضيق، أو حتى تعطيله جزئيا، كفيل برفع أسعار النفط، ليس بسبب نقص فعلي في الإمدادات، بل نتيجة الخوف من هذا النقص.

هنا يتحول "التوقع" إلى عامل اقتصادي بحد ذاته، وتصبح السياسة منتجا للأسعار. فالسوق لا ينتظر حدوث الأزمة، بل يتفاعل مع احتمالها، ما يجعل من القرار السياسي عاملا حاسما في تحديد قيمة الطاقة عالميا.
بهذا المعنى، لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق فعليا لتؤثر في السوق، بل يكفي أن تبقيه في حالة "هشاشة محسوبة"، ترفع من كلفة التأمين والشحن، وتدفع الأسواق إلى إعادة التسعير. إنها إدارة دقيقة للتوتر: لا حرب شاملة تغلق الممر، ولا استقرار كامل يفقده قيمته كورقة ضغط.
خطوط الأنابيب لا تستطيع تعويض النقل البحري بالكامل، كما أن كلفتها مرتفعة وقدرتها الاستيعابية محدودة. أما التحول نحو مصادر طاقة بديلة، فرغم تسارعه، لا يزال غير قادر في المدى القريب على إنهاء مركزية النفط الخليجي في معادلة الطاقة العالمية
https://mf.b37mrtl.ru/media/pics/202...a7f08e505.webp

الردع غير المتكافئ: كيف يعاد تعريف القوة؟

في مواجهة التفوق العسكري للولايات المتحدة، لا تسعى إيران إلى مواجهة مباشرة، بل إلى إعادة تعريف مفهوم القوة نفسه. فهي تعتمد على إستراتيجية "الردع غير المتكافئ"، التي تقوم على جعل كلفة أي تصعيد مرتفعة إلى حد يصعب تحمله.
تترجم هذه الإستراتيجية في أدوات بسيطة نسبيا، لكنها فعالة: زوارق سريعة، تهديدات بالألغام البحرية، ومناورات تبقي الملاحة في حالة قلق دائم. هذه الأدوات لا تهدف إلى السيطرة الكاملة، بل إلى خلق بيئة غير مستقرة، تجعل من المضيق مساحة محفوفة بالمخاطر.
وهنا يتحول الضعف النسبي إلى مصدر قوة، ويتحول التعطيل إلى وسيلة توازن. فبدلا من منافسة القوة بالقوة، تستخدم الهشاشة نفسها كسلاح، يربك الخصوم ويقيد خياراتهم.
الاعتماد العالمي.. هشاشة يصعب تفكيكها

تعتمد اقتصادات كبرى مثل الصين، والهند، واليابان على تدفقات الطاقة عبر هرمز، ما يجعل استقرار هذا الممر مسألة حيوية لها. ورغم إدراك هذه الدول لمخاطر الاعتماد المفرط، فإن البدائل المتاحة تظل محدودة.
خطوط الأنابيب لا تستطيع تعويض النقل البحري بالكامل، كما أن كلفتها مرتفعة وقدرتها الاستيعابية محدودة. أما التحول نحو مصادر طاقة بديلة، فرغم تسارعه، لا يزال غير قادر في المدى القريب على إنهاء مركزية النفط الخليجي في معادلة الطاقة العالمية.
لذلك، يبقى المضيق، رغم هشاشته، خيارا لا يمكن تجاوزه بسهولة، ما يعمق من طابعه كـ"نقطة اختناق" في الاقتصاد العالمي، ويمنحه في الوقت ذاته أهمية إستراتيجية مضاعفة.

بين عسكرة الممر ودبلوماسية المصالح

في إدارة هذه العقدة، يتقاطع مساران متباينان. الأول تقوده الولايات المتحدة، ويرتكز على ضمان حرية الملاحة عبر الحضور العسكري، في محاولة لتأمين الممرات الإستراتيجية ومنع أي طرف من التحكم بها.
أما المسار الثاني، فتتبناه قوى آسيوية صاعدة، مثل الصين، والهند، ويقوم على الدبلوماسية والبراغماتية، من خلال الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وتجنب الانخراط في صراعات مفتوحة.
هذا التباين يعكس اختلافا أعمق في فهم الأمن: هل يتحقق عبر القوة الصلبة، أم عبر إدارة المصالح وتقليل التوتر؟ في هرمز، لا يبدو أن أحد النموذجين قادر على الحسم منفردا، ما يترك المجال مفتوحا لتوازن هش بين الردع العسكري والتفاهم السياسي.
يكشف مضيق هرمز أن الاقتصاد العالمي، رغم تعقيده، لا يزال رهينة لنقاط جغرافية محددة. ومن يملك القدرة على التأثير في هذه النقاط، يملك أكثر من مجرد نفوذ إقليمي؛ يملك قدرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية
https://masr360.net/wp-content/uploa...navigation.jpg

المضيق كمرآة لتحول النظام الدولي

لا يمكن فصل ما يجري في هرمز عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. فصعود قوى اقتصادية جديدة، وتزايد اعتمادها على الطاقة، يدفعها إلى البحث عن دور أكبر في تأمين مصالحها، سواء عبر الدبلوماسية، أو عبر إعادة تشكيل قواعد اللعبة.

في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها كضامن رئيسي لأمن الممرات البحرية، في وقت تتزايد فيه التحديات أمام هذا الدور. وهكذا، يصبح المضيق ساحة تلتقي فيها ديناميات التحول العالمي: تراجع نسبي لقوة، وصعود تدريجي لأخرى، وصراع مستمر على من يملك حق إدارة "الشرايين الحيوية" للاقتصاد الدولي.
https://www.reuters.com/resizer/v2/2...920&quality=80

من يتحكم في الممر يتحكم في الإيقاع

في النهاية، يكشف مضيق هرمز أن الاقتصاد العالمي، رغم تعقيده، لا يزال رهينة لنقاط جغرافية محددة. ومن يملك القدرة على التأثير في هذه النقاط، يملك أكثر من مجرد نفوذ إقليمي؛ يملك قدرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل سيبقى المضيق أداة ضغط تستخدم في لحظات الأزمات، أم يتحول إلى مساحة تفرض فيها كلفة الصراع شكلا جديدا من التعاون؟
في عالم تتشابك فيه المصالح إلى هذا الحد، قد لا يكون التحكم في المضيق هو الهدف النهائي… بل التحكم في إيقاع العالم نفسه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الرجوب
مدون، باحث في القضية الفلسطينية


المصدر: الجزيرة نت


الساعة الآن 11:43 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir