![]() |
جحيم في ديمونة وعراد.. كيف استباحت إيران سماء إسرائيل؟
جحيم في ديمونة وعراد.. كيف استباحت إيران سماء إسرائيل؟ https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80 كرة نارية تضيء سماء تل أبيب بعد ضربة صاروخية إيرانية (الفرنسية) شادي عبد الحافظ 24/3/2026 في صحراء النقب، الهادئة عادة، كسرت صمت الليل انفجارات عنيفة في مدينة ديمونة، على مقربة من أهم معاقل الترسانة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، ومن بعدها في شوارع مدينة عراد شرق بئر السبع. كان هذا تصعيدا إيرانيا جديدا من نوعه، وقد أتى ردا على الضربة الإسرائيلية الأمريكية التي استهدفت مدينة نطنز حيث يقع مفاعل نووي إيراني. في ديمونة، أفلت الصاروخ الإيراني من القبة الحديدية، وسقط على بعد نحو 20 كيلومترا من مركز للبحوث النووية، وفي عراد، سقطت القذائف الإيرانية ودمرت أكثر من 8 مبان سكنية. في غضون ساعات، سقط نحو 200 إسرائيلي جريحا، واصطفت سيارات الإسعاف، وامتلأت أسرة المستشفيات بالجرحى. لم تكن أهمية الضربة في حجم الدمار والإصابات فحسب، بل وفيما كشفته عن استباحة إيران للسماء الإسرائيلية وقدرة الصواريخ الإيرانية على اختراق الدفاعات والوصول إلى بيئة شديدة التحصين سياسيا وأمنيا. كيف إذن تطورت منظومات التوجيه الإيرانية إلى درجة تجعل صواريخها أدق وأقدر على المناورة في الحرب الحالية؟
الإجابة البسيطة تتلخص في كلمة واحدة، وهي "التوجيه". إن الصاروخ ليس مجرد مقذوف يلقى به إلى الحدود العليا للغلاف الجوي في مسار قوسي (باليستي)، ثم ينزل إلى الهدف على مسافة مئات أو آلاف الكيلومترات، ولكنه أداة موجهة في الوقت نفسه. فقد باتت الصواريخ الحديثة مزودة بأنظمة توجيه تجعلها أشبه بـ "عقول إلكترونية" قادرة على معرفة موقعها وإجراء تصحيحات على مسارها أثناء الطيران للوصول إلى الهدف المحدد. وتشمل هذه الأنظمة أجهزة استشعار وحواسيب تقيس حركة الصاروخ واتجاهه، وتقارنه بالمسار المطلوب، فترسل أوامر للمحركات أو أسطح التحكم لتعديل المسار إذا انحرف الصاروخ عن طريقه. ولفهم الفكرة تخيل أنك تقود سيارة إلى مكان ما اعتمادا على تطبيق يعتمد بدوره على نظام الملاحة العالمي "جي بي إس" (GPS)، وفي الطريق أخذ الجهاز يحدد موقعك باستمرار ويرشدك متى ما حدت عن الطريق الصحيح. تؤدي أنظمة توجيه الصواريخ وظيفة مشابهة، فهي تستخدم بيانات داخلية أو خارجية لمعرفة مكان الصاروخ وتصحح مساره نحو الهدف، والنتيجة النهائية هي زيادة دقة الإصابة وتقليل نسبة الخطأ بشكل كبير، مما يحول الصواريخ إلى أسلحة استراتيجية تستطيع ضرب منشأة معينة أو هدف عسكري محدد بدقة كبيرة. من "سكود بي" إلى "القصور الذاتي" خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، تعرضت المدن الإيرانية لهجمات صاروخية عراقية مكثفة باستخدام صواريخ سكود السوفيتية. وفي تلك الفترة لم تكن إيران تملك بنية تحتية لتطوير صواريخ موجهة أو حتى صواريخ بالستية متقدمة، فكان رد الفعل الأول هو استيراد صواريخ جاهزة مثل "سكود-بي"، التي كانت تفتقر إلى أنظمة توجيه متطورة، إذ بلغ معدل الخطأ الدائري (CEP) فيها ما يقارب الكيلومتر أو أكثر على مدى نحو 300 كيلومتر، ما يعني أنها كانت تصيب محيط الهدف وليس الهدف نفسه بشكل دقيق. لفهم الفكرة تخيل أن هناك نقطة في منتصف لوحة دائرية تمثل الهدف الحقيقي. إذا رميت 100 سهم، فلن تصيب كلها المركز، بل ستتناثر حوله. هنا يأتي معدل الخطأ الدائري، حيث يمثل نصف قطر دائرة نرسمها حول الهدف بحيث يقع داخلها نصف السهام تقريبا، أي 50 من أصل 100. وإذا كان الصاروخ يمتلك معدل خطأ يساوي 1 كيلومتر، فهذا لا يعني أنه يخطئ دائما بمقدار 1 كيلومتر بالضبط، بل يعني أنه عند إطلاق عدد كبير من الصواريخ نحو الهدف نفسه، فإن نحو نصفها يسقط داخل دائرة نصف قطرها 1 كيلومتر، بينما قد يسقط النصف الآخر خارج هذه الدائرة، وأحيانا بمسافة بعيدة. هذه الدقة المحدودة جعلت الصواريخ فعالة كأداة ترهيب لا أكثر، حيث استهدفت المدن أو التجمعات السكانية الكبيرة. وبحلول نهاية الحرب في عام 1988، ظهرت باكورة الإنتاج الصاروخي الإيراني المحلي بإطلاق أول صاروخ محلي بمدى حوالي 130-160 كيلومترا. وكان ذلك الصاروخ أشبه بمدفعية صاروخية مطورة ولم يمتلك توجيها متقدما، لكنه جسَّد أول خطوة نحو بناء خبرات ذاتية. وقد تزامن ذلك مع مساع إيرانية للحصول على دعم تقني خارجي، فقد أبرمت طهران اتفاقيات علمية وعسكرية مع الصين وكوريا الشمالية أواخر ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي للحصول على المعرفة اللازمة في مجال الصواريخ. https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80 وتشير مصادر أمريكية إلى أن الصين زودت إيران عام 1996 بعشرات من أنظمة التوجيه ومكوناتها الإلكترونية، بما في ذلك جيروسكوبات ومقاييس تسارع ووحدات حاسوبية، وهي المكونات الأساسية لأي نظام ملاحة بالقصور الذاتي، إضافة إلى معدات اختبار ومكونات أنظمة رادار متقدمة، وهو دعم كان حاسما لأنه أتاح للمهندسين الإيرانيين تجاوز عقبة افتقاد الخبرة في تقنيات التوجيه الدقيق. نظام الملاحة بالقصور الذاتي هو ببساطة وسيلة تسمح لجسم متحرك، مثل الطائرة أو الصاروخ أو المسيرة، بأن يعرف موقعه واتجاهه وسرعته من دون الاعتماد الدائم على إشارات الأقمار الصناعية لتحديد الموقع، إذ إن الجسم يمكنه استشعار حركته بنفسه، ثم استخدام الحسابات لمعرفة موقعه. وتبدأ العملية عادة من نقطة معروفة مسبقا، أي من موقع أولي واتجاه أولي معلومين. وبعد ذلك تسجل الحساسات كل تغير صغير يحدث في الحركة، ثانية بثانية. فإذا رصدت الجيروسكوبات أن الجسم انعطف، وسجلت مقاييس التسارع أنه ازداد سرعة أو تحرك في اتجاه معين، تقوم الوحدة الحاسوبية بدمج هذه التغيرات المتتالية وحساب أثرها التراكمي، ومن هنا تستنتج أين يوجد الجسم الآن. يمكن تشبيه الأمر بشخص يسير في غرفة وهو مغمض العينين، لكنه يعرف أنه بدأ من الباب، ثم مشى خطوات مستقيمة، ثم انعطف، ثم تحرك مسافة أخرى. حتى من دون أن يرى، ومن ثم يمكنه أن يقدر مكانه اعتمادا على إحساسه بحركته وعدد خطواته واتجاه انعطافه. ويفعل نظام الملاحة بالقصور الذاتي شيئا مشابها، لكن بدقة إلكترونية وسرعة حسابية كبيرة. تظهر أهمية هذا النظام في أنه مستقل عن العالم الخارجي، ولذلك يظل مفيدا في البيئات التي قد تنقطع فيها إشارات الملاحة أو تتعرض للتشويش، كما يحدث أثناء الحرب الإلكترونية، أو في بعض الظروف العسكرية المعقدة. ولهذا يعد من العناصر الأساسية في كثير من المنصات التي تحتاج إلى استمرار التوجيه حتى عند فقدان الاتصال بالأقمار الصناعية.
لكن لهذا النظام نقطة ضعف معروفة، وهي أن أي خطأ صغير في القياس قد يتراكم مع مرور الوقت. فبما أن الحاسوب يعتمد على جمع التغيرات الصغيرة باستمرار، فإن انحرافا بسيطا في قراءة الجيروسكوب أو مقياس التسارع قد يؤدي بعد مدة إلى فرق ملحوظ بين الموقع المحسوب والموقع الحقيقي. ولهذا السبب غالبا ما يدمج نظام الملاحة بالقصور الذاتي مع نظام توجيه عبر خدمات تحديد الموقع العالمي. https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80استخدمت إيران هذا الأسلوب في بعض صواريخها الحديثة، مثل "فاتح 313″، الذي يعتقد أنه جمع بين الملاحة بالقصور الذاتي والتوجيه عبر الأقمار الصناعية. والفكرة هنا أن الصاروخ لا يعتمد على مصدر واحد للملاحة، بل على نظامين يعملان معا، الأول داخلي مستقل، والثاني يوفر تصحيحا خارجيا للمسار. ولكن هذا النوع من التوجيه لا يخلو من التحديات، فإشارات "جي بي إس" (GPS) يمكن التشويش عليها أو قطعها، خصوصا في بيئات الحرب الإلكترونية. ولهذا لا يستخدم النظام الفضائي عادة بوصفه وسيلة التوجيه الوحيدة، بل بوصفه أداة تصحيح تساعد على تقليل الخطأ الذي قد يتراكم في نظام القصور الذاتي أثناء الطيران. "فاتح-313" صاروخ يعتمد على نظامين يعملان معا: الأول داخلي مستقل، والثاني يوفر تصحيحا خارجيا للمسار (الفرنسية) زعانف صغيرة.. خطيرة مع بداية التسعينيات، بدأت إيران تنشئ خطوط إنتاج محلية للصواريخ مستفيدة من هذه المعرفة والتقنيات المستوردة. وأثمر تعاونها مع كوريا الشمالية عن تطوير سلسلة صواريخ "شهاب"، بمدى أكبر ولكن بالتقنيات ذاتها (توجيه بالقصور الذاتي محدود الدقة). أما النقلة التالية فجاءت مع تطوير "شهاب 3" في أواخر التسعينيات، والمستند إلى تصميم صاروخ "نودونغ" الكوري الشمالي، بمدى يصل إلى 1300 كيلومتر في نسخته الأولى، واعتمد الصاروخ على نظام ملاحة بالقصور الذاتي تقليدي، ما أعطاه دقة متواضعة نسبيا، إذ بلغ معدل الخطأ نحو 3 كيلومترات تقريبا. خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، واصلت إيران تحسين أنظمة توجيه صواريخها بشكل تدريجي، وظهرت نسخ مطورة من صاروخ "شهاب 3" بأسماء مثل "قدر" و"سجيل". وكان "سجيل" خطوة مهمة بشكل خاص، لأنه اعتمد على الوقود الصلب بدلا من الوقود السائل، ما جعله أسرع في التجهيز والإطلاق، وحسن أداءه العام، ويعتقد أيضا أن إيران بدأت في تلك الفترة استخدام وسائل توجيه أكثر دقة، مع إدخال تقنيات جديدة مثل الاستفادة من توجيه الأقمار الصناعية، ولو بشكل محدود أو تجريبي في البداية. ومن أبرز الأمثلة على هذا التطور صاروخ "عماد"، الذي كشف عنه عام 2015، وقدمته إيران بوصفه أول صاروخ بعيد المدى لديه قدرة توجيه دقيقة. ويبلغ مدى الصاروخ نحو 1700 كيلومتر، وتم تزويده برأس حربي قابل للمناورة وموجه بشكل أفضل، ما ساعد على تقليل هامش الخطأ عند إصابة الهدف مقارنة بصاروخ "شهاب 3″، ليصل إلى عدة مئات من الأمتار (500 متر بحسب تقديرات). ويشير تقرير من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن "عماد" امتلك نظام توجيه أكثر تقدما، يتيح له التحكم في مساره حتى خلال مرحلة العودة عبر الغلاف الجوي، عبر وجود أجزاء صغيرة تشبه الزعانف أو الأجنحة الصغيرة تكون مثبتة على جسم الرأس الحربي الساقط، وتتحرك قليلا يمينا أو يسارا أو لأعلى أو لأسفل لتغيير اتجاهه أثناء الطيران. وتساعد تلك الزعانف في تصحيح مسار الصاروخ، بدلا من أن يظل منطلقا في خط ثابت. وقد رفع هذا التطور دقة الصاروخ بصورة ملحوظة، وجعل قدرته على إصابة الأهداف أفضل من الصواريخ الإيرانية الأقدم.
لذا، مثل صاروخ "عماد" نقطة تحول مهمة في البرنامج الصاروخي الإيراني. فبعد أن كانت الصواريخ الإيرانية تستخدم أساسا وسيلة ردع عامة، حتى لو كانت دقتها محدودة، بدأت إيران تنتقل إلى مرحلة الصواريخ الموجهة بدرجة أعلى، القادرة على استهداف مواقع محددة مثل القواعد العسكرية ومراكز القيادة بدقة أفضل. عصر الحساساتويسمح امتلاك صواريخ دقيقة بعيدة المدى لأي قوة عسكرية أو سياسية بتبني عقيدة الضربة الانتقامية الدقيقة بدلا من الاكتفاء بحرب غير متماثلة أو تهديدات عامة. فعلى سبيل المثال، في العقود الماضية كان رد إيران على الاستفزازات محدودا خوفا من الانزلاق لحرب شاملة تخسر فيها أمام تكنولوجيا الغرب المتفوقة. أما الآن، فإيران تبدو أكثر جرأة في الرد، لأنها تعلم أن بوسعها إيلام العدو مباشرة. https://www.aljazeera.net/wp-content...165&quality=80 يمكن القول إن العقد الأخير يمثل ذروة ما وصل إليه البرنامج الصاروخي الإيراني في مجال التوجيه، فقد أصبحت غالبية الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى موجهة بدقة عالية (مثل "قيام" و"فاتح 313″ و"ذو الفقار")، كما باتت الصواريخ بعيدة المدى مثل "عماد" و"خرمشهر" تحمل رؤوسا حربية موجهة أو أنظمة تحكم متقدمة تقلل الخطأ بشكل كبير. وتعد السمة المميزة لهذه الحقبة إدماج مفهوم "التوجيه المركب"، الذي يشير إلى استخدام أكثر من مصدر للملاحة، مثل جمع البيانات من منظومة القصور الذاتي، مع تصحيحات واردة من أقمار صناعية ملاحية، وإضافة مستشعرات أو باحثات مستقلة في رأس الصاروخ للبحث عن الهدف في المرحلة النهائية. هذه الباحثات المستقلة هي بمثابة عين الصاروخ في مرحلته الأخيرة، فبدلا من أن يكتفي الصاروخ باتباع مسار مبرمج سلفا مع تصحيحات اعتمادا على الملاحة بالقصور الذاتي أو تصحيح الأقمار الصناعية، فإنه يبدأ عند الاقتراب من الهدف في استخدام مستشعر موجود في مقدمته ليبحث عن الهدف بنفسه ويقود الصاروخ نحوه مباشرة. إذا كان الباحث راداريا فإنه يرسل موجات رادار ثم يلتقط انعكاسها عن الهدف ليحدد مكانه ويتتبعه، وهو أمر مفيد خصوصا ضد السفن أو الأهداف الكبيرة وفي الظروف الجوية الصعبة. وفي هذه الحالة يكون التوجيه الراداري إيجابيا، أما في حالة التوجيه الراداري السلبي، فإن الصاروخ لا يبث أي شيء، بل يحمل مستقبلا يلتقط إشارات الرادار الصادرة عن الهدف (الرادارات الأرضية للدفاع الجوي أو رادار سفينة حربية) ويتجه نحوها.
أما إذا كان الباحث حراريا (أنظمة التوجيه بالأشعة تحت الحمراء)، فإنه يعمل عبر مستشعرات توضع في مقدمة الصاروخ وتمكنه من تعقب الهدف اعتمادا على حرارته. فكل جسم يعمل بمحرك أو ينتج طاقة حرارية يطلق إشعاعا في نطاق الأشعة تحت الحمراء، ويمكن للحساسات المتقدمة التقاط هذا الإشعاع وتحويله إلى صورة حرارية للهدف. ولهذا السبب تستخدم هذه التقنية منذ زمن طويل في صواريخ "جو-جو" والصواريخ المضادة للطائرات التي تتبع حرارة محركات الطائرات. https://www.aljazeera.net/wp-content...399&quality=80في السنوات الأخيرة، بدأ استخدام الفكرة نفسها في بعض الصواريخ البالستية قصيرة المدى، خصوصا تلك المصممة لضرب أهداف متحركة مثل السفن. فعند اقتراب الرأس الحربي من منطقة الهدف، يبدأ الباحث الحراري في مسح المنطقة بحثا عن البصمة الحرارية للسفينة، مثل حرارة المحركات، وعندما يحدد المستشعر هذا المصدر الحراري، يقوم نظام التوجيه بتعديل مسار الرأس الحربي ليصيب الهدف مباشرة. "خليج فارس" يعد من أوائل الصواريخ البالستية المصممة خصيصا لاستهداف السفن (الفرنسية) أحد الأمثلة التي يشار إليها كثيرا في هذا النطاق هو الصاروخ الإيراني "خليج فارس" المضاد للسفن، حيث يعتقد أنه يستخدم باحثا حراريا (IR/EO) في مرحلته النهائية، ما يسمح له بتعقب سفينة متحركة وإصابتها بدقة من مسافات قد تصل إلى مئات الكيلومترات. ويعتقد أن هذا الصاروخ دخل الخدمة منذ عام 2014، وهو من أوائل الصواريخ الباليستية الإيرانية المصممة خصيصا لاستهداف السفن. والميزة الرئيسية لهذه الباحثات أنها تجعل الصاروخ قادرا على "رؤية" الهدف فعليا بدلا من الاعتماد فقط على الإحداثيات المسبقة، وهذا يزيد من دقة الإصابة، خاصة عند استهداف أهداف عالية القيمة أو متحركة. أما الباحثات البصرية (الكهروضوئية)، فهي أنظمة توجيه تستخدم كاميرا أو حساس تصوير لالتقاط صورة لما أمام الصاروخ، ثم يقارنها بما يبحث عنه، فيصحح مساره حتى يصيب الهدف بدقة أعلى، ويمكن أن تعمل هذه الباحثات بالصورة العادية، أو بالصورة الحرارية بالأشعة تحت الحمراء، ولهذا توصف أحيانا بأنها باحثات بصرية/حرارية. وقد برز هذا النوع في إيران مع الصاروخ "قاسم بصير"، الذي كشفت عنه طهران في مايو/أيار 2025. ووفق ما نقلته أسوشيتد برس عن التلفزيون الرسمي الإيراني، فإن الصاروخ يستطيع إصابة هدف محدد من مسافة لا تقل عن 1200 كيلومتر مع تحسينات في التوجيه والمناورة لتجاوز الدفاعات. وقد أوحت اللقطات المعروضة للصاروخ بوجود باحث بصري/حراري في المرحلة النهائية.
هذه التوليفة الثلاثية (القصور الذاتي، والتوجيه عبر الأقمار الصناعية، والباحثات) رفعت دقة الإصابة لبعض الصواريخ الإيرانية بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، في ضربة إيران الصاروخية على قاعدة عين الأسد في العراق في يناير/كانون الثاني 2020، استطاعت صواريخ إيرانية من طراز "قيام" و"ذو الفقار" كما هو مرجح، ضرب عدة أهداف "نقطوية" داخل القاعدة بدقة، إذ أظهرت صور الأقمار الصناعية أن كل صاروخ أصاب موقعه المقصود تقريبا. وقد وجد تحليل مفصل استند إلى صور الأقمار الصناعية وبقايا الصواريخ التي سقطت قرب القاعدة أن بعض الصواريخ التي استخدمت كانت في الأصل مشتقات مطورة من عائلة سكود، لكنها أصبحت أدق بكثير من النسخ السوفيتية القديمة، فقد تمكنت من تحقيق دقة تتراوح بين 10 و100 متر عند مدى يقارب 700 كيلومتر. توجيه ذكي لصاروخ "فتاح" ولعل أبرز إنجاز حديث هو إدخال الصاروخ الفرط صوتي "فتاح" إلى الخدمة رسميا، والذي و صف بأنه صاروخ باليستي فرط صوتي. وقد أُميط اللثام عن "فتاح 1" عام 2023 وتلاه "فتاح 2" أواخر عام 2024. وتكمن أهمية هذا الصاروخ في سرعته العالية، التي تبلغ أكثر من 5 ماخ، أي خمسة أضعاف سرعة الصوت (ما يصل إلى 6170 كيلومترا/ساعة)، ثم سرعة الرأس الحربي التي يحتمل أن تصل إلى ضعف هذه السرعة. يعد "فتاح" صاروخا باليستيا متوسط المدى (1400-1500 كيلومتر) ذا مرحلتين، الأولى تعمل بالوقود الصلب لإطلاق الصاروخ إلى الفضاء القريب، والثانية مرحلة انزلاقية تحمل الرأس الحربي وتناور بهندسة خاصة. ويمكن للرأس الحربي الفرط صوتي تغيير مساره في الغلاف الجوي على ارتفاعات عالية وبسرعات هائلة، ما يجعل مساره غير قابل للتنبؤ بشكل كبير من قبل الرادارات، ويعقد اعتراضه عبر صواريخ الدفاع. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن "فتاح" مزود بنظام ملاحة بالقصور الذاتي مدمج مع استقبال منظومات توجيه بالأقمار الصناعية لتحديث موقعه، وبذلك يحصل على أفضل دقة ممكنة خلال مرحلته الانزلاقية.
عند الاقتراب من الهدف، يحتمل أن يعتمد الصاروخ على برمجيات تشكيل المسار بدلا من باحث تقليدي راداري أو حراري أو بصري، نظرا للصعوبة التقنية في وضع باحث يعمل ضمن الحرارة الشديدة التي تولدها السرعات الفرط صوتية. ولكن لا يُستبعد أيضا أن إيران جربت وضع باحث راداري أو حراري متطور يمكنه تحمل الظروف الصعبة. وبرمجيات تشكيل المسار هي خوارزميات داخل نظام توجيه الصاروخ لا تكتفي بإيصاله إلى الهدف فقط، بل تختار كيف يصل إليه، فبدلا من أن يسلك الصاروخ أقصر طريق مباشر، يمكن لهذه البرمجيات أن تجعله يقترب من الهدف من زاوية معينة أو يطير على ارتفاع أو مسار أقل توقعا أو يناور في لحظات محددة أو يؤخر أو يسرع بعض مراحل الرحلة أو يوزع طاقته وسرعته بطريقة تحسن الدقة أو تصعب الاعتراض. بمعنى أبسط، هي ليست عقلا يقرر فقط أين الهدف، بل عقلا ينظم شكل الرحلة نفسها، ويمكن تشبيهها بسائق، لا يريد فقط الوصول إلى عنوان ما، بل ويختار طريقا يتجنب الزحام والحواجز، ويصل من الجهة الأنسب. وحتى الآن، تروج إيران لقدرة "فتاح" على إصابة الأهداف بدقة شديدة، وقد أشار تقرير صادر عن "تحالف الدفاع الصاروخي"، مركز أبحاث مقره ولاية فرجينيا الأمريكية، إلى أن دقته النظرية تتراوح بين 10 – 25 مترا، مما يضعه في مصاف أفضل الصواريخ التكتيكية في العالم. مناورة الدفاعات الأرضية جدير بالذكر أن توجيه الصواريخ لا يتعلق فقط بإصابة الهدف، بل أيضا بتفادي العقبات والتهديدات أثناء الرحلة، فالصاروخ الموجه قادر على المناورة وتصحيح مساره إذا حاول العدو التشويش عليه أو اعتراضه. هذه الميزة بالغة الأهمية عسكريا، إذ تزيد فرص تجاوز الدفاعات الجوية للخصم. وفي معظم فترات الحرب الباردة، صممت أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي على أساس أن الصواريخ البالستية تتبع مسارا باليستيا ثابتا نسبيا بعد انتهاء مرحلة الدفع. فعندما تكتشف الرادارات الصاروخ، يمكن للحواسيب العسكرية حساب مساره المتوقع بسرعة وتحديد نقطة اعتراض مناسبة. ولهذا طورت أنظمة مثل "باتريوت" الأمريكية و"آرو" الإسرائيلية لاعتراض الصواريخ في مسارها المتوقع قبل وصولها إلى الهدف. وتعتمد هذه المنظومات على القدرة على التنبؤ بمسار الصاروخ بدقة بعد اكتشافه مبكرا.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير مع ظهور أنظمة التوجيه المتقدمة والرؤوس الحربية القابلة للمناورة، فبدلا من أن يسقط الرأس الحربي في خط شبه ثابت، يمكن للصواريخ الحديثة إجراء تصحيحات في المرحلة النهائية من الطيران تسمح بتعديل زاوية السقوط أو الاتجاه في دخول الغلاف الجوي. وقد تكون هذه المناورات محدودة نسبيا، لكنها كافية لخلق انحراف صغير عن المسار المتوقع، وهو ما قد يربك صاروخ الاعتراض الذي يعتمد على توقع نقطة التصادم مسبقا. في حالة الصواريخ الإيرانية الأحدث، فإن دقة توجيهها تجعل نقطة سقوطها أقل قابلية للتنبؤ مقارنة بالصواريخ البالستية التقليدية، وتزداد هذه المشكلة تعقيدا مع ظهور الصواريخ الفرط صوتية التي تجمع بين السرعة العالية والمناورة. وتشير تقارير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى أن الجمع بين السرعة والمناورة والارتفاعات غير التقليدية يجعل اكتشاف هذه الصواريخ واعتراضها أصعب مقارنة بالصواريخ البالستية التقليدية. إلى جانب المناورة، تستخدم بعض الصواريخ الحديثة تكتيكات إضافية لتعقيد مهمة الدفاع الجوي. ومن بين هذه التكتيكات إطلاق أهداف خداعية أو شظايا معدنية صغيرة لتضليل الرادارات، أو فصل الرأس الحربي عن جسم الصاروخ في مرحلة مبكرة بحيث يصبح من الصعب تحديد أي جزء هو الهدف الحقيقي. كما قد يبرمج الصاروخ لإجراء انحرافات حادة أو تغييرات مفاجئة في الارتفاع عند اقتراب الصاروخ الاعتراضي منه. وفي بعض الهجمات، لا تراهن إيران على صاروخ واحد أو هدف واحد، بل على كثافة النيران نفسها، فقد تطلق عشرات، وأحيانا مئات من الصواريخ والمسيرات في وقت متقارب، ضمن أسلوب عسكري يعرف باسم "الإغراق"، والهدف من هذا التكتيك هو إرهاق منظومات الدفاع الجوي، لأن هذه المنظومات، مهما بلغت كفاءتها، تظل محدودة بعدد ونوعية الأهداف التي تستطيع رصدها وتتبعها واعتراضها في اللحظة نفسها. وعندما تتدفق الأهداف بكثافة وفي اتجاهات متزامنة، تزداد احتمالات مرور بعضها واختراقه للدفاعات، ليس بالضرورة لأن كل صاروخ متفوق وحده، بل لأن كثرة الأهداف نفسها تتحول إلى سلاح.
لا يعني ذلك أن الصواريخ لا يمكن اعتراضها، أو أن الصواريخ الإيرانية استثنائية، لكن التطورات في أنظمة التوجيه والمناورة جعلت عملية الاعتراض أكثر تعقيدا وتكلفة. فمثلا، أظهر مقطع فيديو متداول خلال الحرب الحالية (لم نتحقق من دقته بشكل مستقل) صاروخا إيرانيا يتجاوز أكثر من عشرة صواريخ اعتراض إسرائيلية قبل أن يصيب هدفه. يظهر الفيديو الصاروخ وهو يواصل طريقه رغم إطلاق عدد كبير من الصواريخ الاعتراضية من أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية. وتعكس هذه الحادثة نقطة ضعف محتملة في شبكة الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات لدى إسرائيل، فحتى مع إطلاق عدد كبير من الصواريخ الاعتراضية، لا يوجد نظام قادر على ضمان اعتراض كل صاروخ مهاجم بنسبة 100%. هذا النمط من الهجمات يفرض معادلة مكلفة على الطرف المدافع، فكل صاروخ إيراني قد يدفع الدفاعات الجوية إلى إطلاق عدة صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، وهو ما يستهلك المخزون الدفاعي بسرعة ويزيد الضغط على إسرائيل. ولكن في المقابل، تتصاعد الضربات التي تستهدف مخازن الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها، ما يقلل تدريجيا من عدد الصواريخ التي تستطيع إيران إطلاقها يوميا. من هذه الزاوية، تبدو الحرب وكأنها سباق مخازن أكثر من كونها مجرد مواجهة نارية، ففي أحد الطرفين يقف المخزون الباليستي الإيراني، وفي الطرف الآخر تقف مخازن الصواريخ الاعتراضية لدى منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، وبين الطرفين تدور معركة موازية لا تقل أهمية، وهي معركة الاستخبارات والاستطلاع، التي تحاول كشف مواقع منصات الإطلاق والوحدات الصاروخية داخل إيران واستهدافها قبل أن تطلق حمولتها. ومن ينتهي مخزونه أولا ربما يخسر الحرب، أو "يضطر إلى الجلوس على طاولة المفاوضات" ويقبل اتفاقا بشروط لم يكن مستعدا لها في البداية. المصدر: الجزيرة نت + مواقع إلكترونية |
| الساعة الآن 11:01 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir