..[ البســـالة ]..

..[ البســـالة ].. (https://www.albasalh.com/vb/index.php)
-   قســــــم الدراســـــات والتـقـاريــر (https://www.albasalh.com/vb/forumdisplay.php?f=21)
-   -   إيران بعد اغتيال المرشد: لماذا لم يسقط النظام فورا؟! (https://www.albasalh.com/vb/showthread.php?t=15603)

الباسل 16-03-26 09:45 AM

إيران بعد اغتيال المرشد: لماذا لم يسقط النظام فورا؟!
 
إيران بعد اغتيال المرشد: لماذا لم يسقط النظام فورا؟!

https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80
المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (الجزيرة)


عبدالله النفيسي
16/3/2026


ليس صحيحا أن مقتل المرشد الأعلى في إيران يعني بالضرورة السقوط الفوري للنظام.
هذه قراءة متعجلة، فيها شيء من الرغبة أكثر مما فيها من التحليل، نعم، نحن أمام ضربة زلزالية هي الأخطر التي تصيب إيران منذ قيامها عام 1979، لكن السؤال السياسي الأهم ليس: هل الضربة كبيرة؟ بل: هل بُني النظام أصلا على نحو يسمح له بامتصاص ضربة بهذا الحجم؟
المعطيات المتاحة حتى الآن تقول: نعم، إلى حد ما؛ ليس لأن النظام قوي على إطلاقه، بل لأنه صُمم منذ البداية كي لا يكون مجرد ظل لرجل واحد، مهما عظُم موقعه.
النظام الإيراني ليس نظاما شخصيا بالمعنى العربي المألوف، حيث ينهار البناء كله إذا غاب رأسه، هو أقرب إلى نظام عقائدي-أمني مركب، فيه رأس ديني، نعم، لكن تحته شبكة مؤسسات صلبة، بعضها دستوري، وبعضها أمني، وبعضها بيروقراطي اقتصادي، وكلها تشتغل على حفظ الكيان، لا على خدمة الفرد فقط.
ولهذا فإن مقتل المرشد لا يلغي الدولة تلقائيا، ولا يسقط النظام بمجرد الحدث، بل ينقل الأزمة من سؤال "بقاء الرأس" إلى سؤال "تماسك الأعصاب الداخلية"، هنا مكمن الخطر الحقيقي.
الدستور الإيراني نفسه وُضع وفي ذهن واضعيه هاجس الفراغ، فالمادة (111) تنص على أن مجلسا مؤقتا يتولى صلاحيات القيادة عند شغور المنصب، إلى أن يختار مجلس الخبراء مرشدا جديدا في أقرب وقت.
وبعد الإعلان عن مقتل المرشد، انتقلت الصلاحيات مؤقتا إلى مجلس ثلاثي يضم كلا من: رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وعضو مجلس صيانة الدستور علي رضا الأعرافي.
بينما يبقى اختيار المرشد الجديد بيد مجلس الخبراء المؤلف من 88 عضوا.
نستطيع أن نسمي هذا الوضوح في كيفية التعامل مع فراغ منصب المرشد أن "بروتوكول نجاة" صُمم لمنح النظام قدرة على الاستمرار حتى في لحظة صدمة قصوى.

لكن الخطأ الأكبر هو أن ننخدع بالشكل الدستوري وحده، نعم النص مهم، لكن موازين القوة أهم، وهنا ينبغي التمييز بين ثلاث طبقات يتغذى منها النظام.


- الأولى: طبقة الشرعية الدينية، المتمثلة في منصب المرشد، ومجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور.
هذه الطبقة تمنح النظام شرعيته العقائدية، وتحدد من يملك "ختم الشرعية"، ولذلك فإن معركة الخلافة ليست إدارية بل لاهوتية-سياسية في آن واحد.
- الثانية: الطبقة الأمنية العسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، وهو في الحقيقة العمود الفقري للنظام، لا مجرد مؤسسة من مؤسساته.- أما الثالثة؛ فهي الطبقة البيروقراطية السياسية، أي الحكومة والرئاسة والقضاء والأجهزة الإدارية والاقتصادية التي تحافظ على دوران الدولة اليومي، ومنع مشهد الانهيار العام.

ومن بين هذه الطبقات كلها، تبقى الطبقة الحاسمة فعليا هي الحرس الثوري.
التقارير الأخيرة تشير إلى أن السؤال بعد مقتل خامنئي لم يعد: هل توجد آلية دستورية؟ بل: هل يبقى الحرس الثوري متماسكا؟ لأن هذا الجهاز ليس تابعا لرئيس الجمهورية، ولا هو مجرد جيش نظامي كلاسيكي، بل هو الحارس الفعلي للثورة، وصاحب اليد الطولى في الأمن الداخلي، وفي القرار الإقليمي، وفي شبكات الاقتصاد والنفوذ.
وبسبب الحرب شدد الحرس الثوري قبضته على القرار في البلاد، رغم مقتل قادة كبار، وأصبح يعتمد قدرا من اللامركزية العملياتية يسمح للقيادات الوسطى بمواصلة العمل سريعا، وهذا يعني أن الضربة قد تربك الرأس، لكنها لا تعطل الأطراف فورا.
من هنا أقول: وفق المعطيات الحالية، من الصعب الجزم بأن النظام الإيراني سيسقط بفعل هذه الحرب وحدها، بل إن بعض المؤشرات تذهب إلى العكس: الأنظمة العقائدية حين تتعرض لتهديد وجودي خارجي قد تتصلب بدل أن تنهار، وأن استهداف المرشد قد يؤدي في المدى القصير، إلى مزيد من التشدد والتماسك الدفاعي، لا إلى التفكك السريع.
حتى بعض أطراف المعارضة الإيرانية في الخارج قالت صراحة إن القصف وحده لا يسقط النظام، وإن التغيير إن وقع يحتاج إلى دينامية داخلية أوسع من مجرد الضربات العسكرية.
غير أن عدم السقوط الفوري لا يعني السلامة، فالنظام قد لا يسقط، لكنه قد يخرج من هذه الحرب منهكا، متوجسا، وأكثر انغلاقا على نفسه -خصوصا بعد اختيار مجتبى خامنئي- وهذا في تقديري هو السيناريو الأرجح حتى الآن: بقاء النظام، لكن في صورة أشد خشونة وأقل ثقة.
فالحرب لا تختبر فقط القدرة على الردع، بل تكشف مقدار الوهن الداخلي، وتعيد ترتيب مراكز القوى، وعندما يخرج نظام من حرب كهذه مثخنا بالخسائر ومهددا في رأسه، فإنه يميل غالبا إلى الخيار الأمني: يلتفت إلى الداخل، يوسع الاشتباه، يضيق المجال السياسي، ويعامل الخصوم والمعارضين بوصفهم "ثغرات محتملة" في جدار البقاء.
وهذا الميل بدأ يلوح بالفعل. رويترز تحدثت عن شقوق داخلية ظهرت تحت ضغط الحرب، بين متشددين قريبين من الحرس الثوري، وبين تيار أقل تشددا ارتبط بمواقف الرئيس بزشكيان، خصوصا بعد الجدل الذي أعقب حديثه عن وقف استهداف دول الخليج.
كما أن بعض رجال الدين المتشددين داخل النظام كانوا يدفعون نحو التعجيل باختيار مرشد جديد، بما يوحي بعدم الارتياح لبقاء السلطة الفعلية موزعة مؤقتا بين مجلس ثلاثي في ظرف حرب مفتوحة. هذه ليست بعدُ علامات انهيار، لكنها علامات قلق داخل البنية نفسها.



المعضلة، إذن، ليست في غياب الآلية، بل في البيئة التي تختبر فيها الآلية: حرب، اغتيال، ضغط خارجي، خسائر عسكرية، تباينات داخل النخبة، وخوف من الانشقاق.
الخلاصة أن النظام الإيراني، حتى هذه اللحظة، لا يبدو متجها إلى سقوط سريع، لكن لا يبدو أيضا قادرا على الخروج سالما من هذه الحرب كما كان قبلها، الأغلب أنه سيبقى، ولكن بكلفة عالية: أكثر اعتمادا على الحرس الثوري، وأقل سعة للسياسة، وأشد حساسية تجاه المعارضة، وأكثر ميلا إلى الانكماش الأمني الداخلي.
وبعبارة أوضح: قد لا تنهي الحرب النظام، لكنها قد تنهي ما تبقى من مرونته، وحين تفقد الأنظمة المرونة، فإنها قد تطيل عمرها بالقوة، لكنها في الوقت نفسه تبدأ استنزافها البطيء من الداخل، تلك هي المفارقة الإيرانية الآن: نظام لم يسقط.. لكنه يدخل طورا جديدا من الصلابة القلقة، وهي صلابة قد تحميه اليوم، وتضعفه غدا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


المصدر: الجزيرة نت

عبدالله النفيسي
مفكر كويتي في الشؤون السياسية والإستراتيجية


الساعة الآن 10:03 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir