..[ البســـالة ]..

..[ البســـالة ].. (https://www.albasalh.com/vb/index.php)
-   قســــــم الجغرافيا السياســـــية والعســــــــكرية (https://www.albasalh.com/vb/forumdisplay.php?f=70)
-   -   إسقاط مركاتور.. الخريطة التي شكّلت وعينا بالعالم وشوّهت حجمه الحقيقي (https://www.albasalh.com/vb/showthread.php?t=15408)

الباسل 18-01-26 03:19 PM

إسقاط مركاتور.. الخريطة التي شكّلت وعينا بالعالم وشوّهت حجمه الحقيقي
 
إسقاط مركاتور.. الخريطة التي شكّلت وعينا بالعالم وشوّهت حجمه الحقيقي

https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80
الخريطة المتعارف عليها والمعتمدة دوليا هي من إنشاء العالم جيراردوس مركاتور (شترستوك)


تسنيم حسناوي
16/1/2026


يُعَد إسقاط مركاتور، الذي وضعه الجغرافي الفلمنكي (بلجيكا لاحقا) جيراردوس مركاتور عام 1569، أحد أكثر النماذج الخرائطية تأثيرا في التاريخ الحديث، فقد جمع بين عبقرية رياضية وضرورة ملاحية ملحّة، لكنه في الوقت ذاته أسهم في إنتاج تصور بصري "مشوَّه" عن العالم.
فالخرائط، خلافا لما يبدو، ليست نسخا محايدة للواقع، بل نماذج معرفية تُبنى لخدمة أهداف محددة، فمركاتور صمم خريطته أساسا لخدمة الملاحة البحرية، وفي هذا السياق، يشير منظّرو علم الخرائط إلى أن أي خريطة تفترض قدرا من "التشويه الوظيفي" الذي يُبرز عناصر نحتاج إليها ويخفي أخرى مقابل ذلك.


الأساس العلمي للإسقاط

يستحيل رياضيا تحويل سطح كروي إلى سطح مستو دون فقدان إحدى الخصائص الهندسية الأساسية أو حصول تشويه أو تمزق أو شد.
وقد أكدت مبرهنة كارل فريدريك غاوس عام 1828 هذه الحقيقة، مما وضع رسامي الخرائط أمام معادلة اختيار: أي الخصائص يجب الحفاظ عليها؟ وأيها يمكن التضحية به؟
اعتمد مركاتور على إسقاط أسطواني تُلامس فيه الأسطوانة خط الاستواء، ثم تُسقَط عليها تفاصيل سطح الأرض.
ونتيجة لهذا الخيار، حافظ الإسقاط على الزوايا والأشكال المحلية بدقة، لكنه ضحّى في المقابل بالمساحات التي تتضخم كلما اتجهنا نحو القطبين شمالا وجنوبا، وتشوّهت المسافات الطويلة.
https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80

رياضيا يستحيل تحويل سطح كروي إلى مستو دون فقدان إحدى الخصائص الهندسية الأساسية أو حصول تشويه أو تمزق أو شد (شترستوك)

الوظيفة الملاحية وهيمنة الإسقاط

لم تُصمَّم خريطة مركاتور لأغراض تعليمية أو جمالية، بل لتلبية احتياجات الملاحة في عصر الاكتشافات الجغرافية.
ومكّنت خريطة مركاتور البحارة من تتبُّع مسارات ذات اتجاه ثابت، إذ تظهر مسارات البوصلة في خطوط مستقيمة عند جعل سطح الأرض الكروي خريطة مسطحة، وهو ما سهّل الإبحار مسافات طويلة دون تعقيدات حسابية، ودون الحاجة إلى تصحيح المسار يدويا باستمرار.
هذه الميزة جعلت الإسقاط أداة ملاحية مهيمنة لقرون، ولا تزال خصائصه حاضرة في التطبيقات الرقمية الحديثة، خصوصا في خرائط المدن والملاحة اليومية.
ومن تطبيقاته الحديثة استعماله في خرائط غوغل التي تعتمد عليه في مستويات التكبير العالية، ولا سيما عند عرض الشوارع والمدن، إذ تمثل دقة زوايا التقاطعات وأشكال المباني أولوية قصوى للمستخدم في الملاحة اليومية.
ومع الانتقال إلى نطاقات عرض أوسع على خرائط غوغل، تتحول الخريطة تدريجيا إلى النموذج الكروي، بما يراعي تمثيلا أشمل لسطح الأرض.
https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80

العالم الفلمنكي جيراردوس مركاتور واضع إسقاطات الخريطة المعتمدة عالميا (غيتي)

إشكالية التشويه البصري

أدى الانتشار الواسع لإسقاط مركاتور إلى ترسيخ تصورات غير دقيقة عن أحجام القارات والدول، فتبدو المناطق القريبة من القطبين أكبر بكثير من حجمها الحقيقي، في حين تظهر مناطق الاستواء وعلى رأسها أفريقيا أصغر مما هي عليه فعليا.
وتكشف المقارنات العددية أن أفريقيا تفوق مساحة غرينلاند بأكثر من 14 ضعفا، وأنها أكبر من روسيا بنحو الضعف، فضلا عن قدرتها على استيعاب مساحات الصين والهند والولايات المتحدة مجتمعة.
هذا الخلل البصري لم يكن تقنيا فحسب، بل انعكس على الوعي الجمعي وربط الحجم الجغرافي بالقوة والنفوذ.
https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80

الإدريسي وضع الجنوب في الأعلى بدافع التوجه نحو القبلة (غيتي)

الخرائط والسلطة الرمزية

وأكدت دراسات نقدية أن الخرائط أدوات سيادية بقدر ما هي علمية، فاختيار وضع الشمال في الأعلى، أو تمركز أوروبا في قلب الخريطة، يعكس اتفاقات ثقافية وتاريخية أكثر مما يعكس حقائق طبيعية.
وقد أُشير إلى أن هذا الترتيب يعزز مركزية أوروبية ويغذّي تصورات نفسية تربط "الأعلى" بالقوة والثراء، و"الأسفل" بالتهميش والفقر والشد.
في المقابل، تُظهر خرائط تاريخية، مثل خريطة الإدريسي في القرن الثاني عشر، نماذج مغايرة قلبت هذا الترتيب، إذ وضع الإدريسي الجنوب في الأعلى بدافع التوجه نحو القبلة، مما يؤكد نسبية التمثيل الخرائطي.
https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80

اللون الأزرق الفاتح يُظهر حجم الخريطة المتعارف عليها وفق إسقاط مركاتور، في حين يُظهر اللون الأزرق الغامق حجمها الحقيقي (فجيوال كابيتاليتس)

البحث عن توازن

مع تطور الوعي النقدي، ظهرت دعوات لاعتماد إسقاطات بديلة تقلل من انحياز المساحة.
ومن أبرز هذه النماذج إسقاط جال-بيترز الذي يحافظ على المساحات مع تشويه الأشكال، وإسقاط وينكل الثلاثي الذي يسعى إلى حل وسط بين مختلف أنواع التشويه.
كما برز في السنوات الأخيرة إسقاط "الأرض المتساوية" الذي يعرض القارات بأحجامها الحقيقية، واعتمدته مؤسسات دولية بارزة. وتؤكد هذه النقاشات أن اختيار الخريطة في التعليم والإعلام قرار معرفي وسياسي في آن واحد.
https://www.aljazeera.net/wp-content...513&quality=80

إسقاط مركاتور الكروي (غيتي)

نظام مركاتور المستعرض العالمي

يُعَد نظام مركاتور المستعرض العالمي "يو تي إم" أحد التطبيقات العملية المتقدمة لإسقاط مركاتور، إذ يعتمد على تدوير الأسطوانة لتلامس الأرض عند خطوط الطول بدل خط الاستواء.
قُسِّمت الكرة الأرضية بموجبه إلى 60 منطقة طولية، عرض كل منها 6 درجات، تُستخدم فيها إحداثيات مترية دقيقة تسهّل العمل في نظم المعلومات الجغرافية والخرائط الطبوغرافية.
اعتُمد النظام رسميا بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصا في الأوساط العسكرية، قبل أن ينتشر في الاستخدامات المدنية.
ويحافظ إسقاط "يو تي إم" على الزوايا المحلية بدقة عالية داخل كل منطقة، مع تقليل التشوه عبر عامل مقياس ثابت، مما يجعله مناسبا للأعمال الهندسية والمساحية، وإن كان أقل كفاءة في تمثيل المساحات الواسعة أو المناطق القطبية، التي خُصص لها نظام مستقل.

المصدر: مواقع إلكترونية + الجزيرة نت





الساعة الآن 07:31 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir