إستراتيجيات الرسول العسكرية
استخدم الرسول طبقا للدراسة كل ما كان متاحا من وسائل من أجل تحقيق أهدافه السياسية، واستخدم في هذا الإطار وسائل عسكرية وغير عسكرية (مثل بناء تحالفات، والاغتيالات السياسية، وتقديم الرشوة، والعفو، والإغراء الديني، إضافة إلى ما وصفته بالمجازر butchery)، وضحى الرسول أحيانا بأهداف قصيرة المدى من أجل تحقيق أهداف طويلة المدى.
وتشيد الدراسة ب "أجهزة المخابرات" التي أنشأها وأدارها الرسول، والتي تفوقت على نظيراتها عند الفرس والروم أقوى إمبراطوريتين آنذاك. وترى الدراسة أن استراتيجيات الرسول يمكن وصفها بأنها جمع بين نظريات "كارل فون كلاوزفيتس Carl von Clausewitz ونيقولا ميكيافيلليNiccolò Machiavelli "وهما من أهم المنظرين العسكريين في التاريخ، حيث استخدم الرسول دائما القوة من أجل تحقيق مكاسب سياسية.
وتعزي الدراسة نجاح الرسول في إحداث تغيير ثوري في العقيدة العسكرية لما كان معروفا وسائدا في جزيرة العرب، لإيمانه بأنه مرسل من عند الله، وتشير إلى أنه وبفضل ذلك نجح في إيجاد أول جيش نظامي عربي قائم على الإيمان بنظام متكامل للعقيدة الإيديولوجية "الدين الإسلامي". مفاهيم مثل “الحرب المقدسة" و"الجهاد" و"الشهادة" من أجل الدين قدمها أولا وأستخدمها الرسول محمد قبل أي شخص أخر، ومن المسلمين اقتبس العالم المسيحي "السلبي" مفهوم الحرب المقدسة، وباسمها شن الحروب الصليبية فيما بعد ضد المسلمين أنفسهم.
وتري الدراسة أن الرسول شكل القوات العربية المسلحة المتحدة التي بدأت غزواتها بعد عامين من وفاته، وكانت تلك القوات العربية المسلحة تجربة جديدة للجزيرة العربية ليس للعرب سابق عهد بها. وقدم الرسول طبقا للدراسة ثمانية مناهج إصلاحية عسكرية على الأقل كان لها أثر كبير في تغيير نوعي وشكلي في منظومة القوات المسلحة العربية.
وتدعي الدراسة أن الرسول كان أول ثوري في التاريخ، وقائد عظيم لحروب العصابات، قاد بنجاح أول تمرد عسكري حقيقي. وهي حقيقة حاضرة وبقوة اليوم في فكر الحركات الإسلامية الراديكالية التي تري الدراسة أن اقتباساتها من تراث الرسول محمد هو أحد مصادر قوة هذه الحركات، إضافة إلى كونها نوعا من الشرعية الدينية التي تحتاجها هذا الحركات.
وعلى العكس من القادة العسكريين التقليديين، لم يسع الرسول محمد لهزيمة جيوش أعدائه، بل سعى بنجاح لتشكيل جيش عربي موحد تحت إمرته هو شخصيا من هذه الجيوش جميعها. ورغم أن الدراسة تدعي أن الرسول محمد بدأ حركه تمرده العسكرية بعدد قليل من المقاتلين تستخدم فقط “الكر والفر أو أسلوب اضرب وأجري hit and run “ إلا أن هذه الأعداد القليلة وصلت لما يقرب من 10 الآلاف من المقاتلين بعد عقد من الزمان عندما تم غزو مكة كما تذكر الدراسة.
تكتيكات القيادة العسكرية للرسول
تدعي الدراسة أن القراء سيكون لديهم فضول لمعرفة تاريخ الرسول محمد كقائد لقوات حرب عصابات guerrilla warfare أو حركة تمرد insurgency ، إلا أن الكاتب يرى أن الرسول كان نموذجا ناجحا لما تقوم عليه إستراتيجيات قادة حركات التمرد في العصر الحديث. وتوفرت لتلك الإستراتيجيات ظروف مكنت من نجاح الرسول في نشر الإسلام في الجزيرة العربية. ومن أهم هذه الظروف:
- وجود زعيم يراه أتباعه كشخص "غير عادي person special " ويستحق أن يستمع إليه، ويستجاب لطلباته، وفي حالة الرسول، تدعي الدراسة أن إيمان الرسول أنه رسول الله، وإيمان أتباع الرسول بهذا جعل من طاعة الرسول مرادفا لطاعة الله نفسه.
- تطلب النجاح وجود أيديولوجية متكاملة تحل محل ما هو موجود من نظم اقتصادية وسياسية واجتماعية قديمة، ويفضل في المنظومة الجديدة أن تكون أفضل، وأكثر عدلا، ومن عند الله. وترى الدراسة في الدين الإسلامي نظاما متكاملا حل بنجاح محل ما كان موجودا من نظم اجتماعية وسياسية واقتصادية متخلفة في جزيرة العرب.
- أوجد الرسول كما ترى الدراسة مفهوم الأمة، "الأمة المؤمنة God’s Community of Believers “ لتحل محل الولاءات القبلية والعائلية الصغيرة. ووفر مفهوم الأمة غطاء اجتماعيا للمجتمع العربي الجديد. وترى الدراسة أن هذا هو أهم إنجازات الرسول.
- ترى الدراسة أن من متطلبات النجاح الأساسية وجود "النظام discipline" بين الأتباع. وتكون أتباع الرسول من مجموعات صغيرة من المؤمنين، وكان أفراد هذه المجموعات من ذوي المهارات الخاصة مثل خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح، كنماذج لقادة عسكريين ماهرين. وقدم هؤلاء المقربون للرسول النصح الإستراتيجي. وترى الدراسة أن المقربين من الرسول حصلوا على مناصب قيادية في حياته، وتصارعوا على النفوذ بعد وفاته.
- ترى الدراسة أن الرسول محمد أدرك أن حركة التمرد تتطلب لنجاحها قوات مسلحة قوية، وشعبا يدعم جيشه. وكان الرسول هو أول قائد في التاريخ يتبنى عقيدة سياسة خلاصتها "حرب الشعب. جيش الشعب People’s War, People’s Army " وذلك قبل تبني نفس العقيدة من قبل الجنرال الفيتنامي "فونجوان جياب" خلال حرب فيتنام. وترى الدراسة أن الرسول نجح في أن يقنع أتباعه أن الله طالب كل المسلمين بتسخير كل مواردهم من أجل العقيدة ومن أجل ما يطلبه الرسول نفسه.
-يجب أن يتمتع زعيم حركة التمرد بحب وشعبية بين أتباعه، وتدعي الدراسة أن الرسول نجح بإقتدار في الحصول على الحب والشعبية، إذ تذكر الدراسة أن الرسول قام بخطوات دعمت من شعبيته مثل مخالفة ما كان معروفا وسائدا لدى العرب من حصول زعيم القبيلة على ربع غنائم المعارك لنفسه، إلا أن الرسول أخذ فقط خمس الغنائم. كذلك لم يسمح الرسول للمقاتلين المسلمين بأخذ ما يحصلون عليه من غنائم، بل تم تجميع هذه الغنائم وتوزيعها على أفراد الأمة، مع مراعاة خاصة لليتامى والأرامل ممن قتل عائلهم في المعارك.
ثورية الرسول محمد
تمتدح الدراسة كثيرا قدرة الرسول ونجاحه في إحداث تغيير ثوري في الطريقة التي حارب بها العرب، فبدلا من مجموعات قتالية صغيرة ذات ولاءات قبلية محدودة، تقوم بهجمات صغيرة من "كر وفر"، استطاع الرسول بدرجة عالية من الحنكة خلق أول جيش عربي موحد جمع جنوده من مختلف القبائل العربية، وكان الجيش ذا طبيعة تنظيمية واضحة وصارمة. وبدون هذا النجاح، ترى الدراسة أن الإسلام كدين ما كان لينجح في الصمود والانتشار داخل الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول. وتأخذ الدراسة حالة ردة بعض القبائل عن الدين الإسلامي بعد وفاة الرسول كنموذج لعبقرية جنرالات الجيش الذي أنشأه الرسول، إذ استطاعوا أن يهزموا المرتدين ويحافظوا على الدين الإسلامي بعد غياب الرسول.
وترى الدراسة أن الرسول نجح في دمج التشكيلات العربية المقاتلة التي انقسمت إلى فئتين، فئة جنود المشاة المكونة من رجال فقراء من سكان القرى الصغيرة والواحات والتجمعات خارج المدن الرئيسية. وفئة الفرسان المكونة من رجال القبائل ممن لهم مهارات قتالية عالية يتوارثونها عبر الآباء، وكان بين الفريقين شكوك وحقد كبيران، إلا أن الرسول أكسب الجيش الجديد هوية جديدة ونظاما عسكريا صارما.
وترى الدراسة أن المقاتلين العرب قبل الإسلام كانوا فقط يهتمون بمصالحهم المباشرة والمحدودة، فقد كان الهدف من القتال الحصول على غنائم مادية، لذا غاب عن العرب مفهوم الجيوش النظامية. وكانت الحروب في الجزيرة العربية صغيرة محدودة متكررة. ولم يكن هناك ضابط أو رابط لتوقيت المعارك، أو موعد تجمع المقاتلين، فقد كان ينضم المقاتل وقد يغادر أرض المعركة قبل أن تنتهي إذا حظي بغنائم ترضيه. ومن أجل إصلاح هذه المعضلات، ترى الدراسة أن الرسول نجح في بناء منظومة عسكرية للقيادة والسيطرة للمرة الأولى في التاريخ العربي.
كذلك تدعي الدراسة أن الرسول أوجد للمرة الأولى في التاريخ مفهوم "الحرب النفسية"، وان الرسول استخدم الإرهاب والمذابح من اجل إضعاف إرادة أعدائه عند الحاجة على حد تعبير الدراسة.