منتديات البسالة
المبادئ العامة للحروب التقليدية - نسخة للطباعة

+- منتديات البسالة (https://www.albasalh.com)
+-- المنتدى: جناح المواضــــيع العســـــــــكرية العامة (https://www.albasalh.com/forumdisplay.php?fid=3)
+--- المنتدى: قــســــــم الـمـواضيـع العســـــــكــريــة العامة (https://www.albasalh.com/forumdisplay.php?fid=15)
+--- الموضوع: المبادئ العامة للحروب التقليدية (/showthread.php?tid=1532)

الصفحات: 1 2


المبادئ العامة للحروب التقليدية - ????? - 09-15-2009

التقدم العلمي

وقد أضحى التقدم العلمي عنصرا من عناصر الحرب لا يمكن إغفاله، أو التهوين من شأنه، فحينما تتمكن الدولة من اختراع سلاح جديد، فإن ذلك يعطيها ميزة واضحة على أعدائها. ولهذا، فقديما عد اختراع القوس بعيد المدى والبارود في القرن الرابع عشر الميلادي أمرين لهما أهميتهما وأما الآن، فها نحن نلحظ الجديد الذي تحظى به الأسلحة كل يوم، من مدفعية وقطع بحرية، إلى دبابات وطائرات، وما يتبع كلا من هذه الأسلحة من قنابل وصواريخ ومقذوفات وألغام تتطور بدورها كل يوم.

وبالإضافة إلى ذلك، فهناك اللاسلكي، والرادار، والتليفزيون، ووسائل الاستطلاع والمراقبة. والرؤية. سواء منها اليدوية أو الالكترونية، وسواء منها ما كان في باطن الأرض، أو على سطحها، أو تشق طريقها في عنان السماء محمولة على متن الطائرات، أو تقطع الليل والنهار في جوف الفضاء الخارجي محمولة ببطن الأقمار الصناعية.

وهذه الاختراعات ولاشك قد صارت ملموسة آثارها على المعارك والحروب، وصارت معروفة أهميتها في تجاوز الموانع المكانية والزمانية (المسافات - الوقت). وهذا يؤكد ما قلناه من أهمية التقدم العلمي كعنصر من عناصر الحرب.

ونحب أن نؤكد أن التقدم العلمي لا يقاس في أي دولة إلا بمقدار قدرتها على تنمية واستثمار العقول العلمية فلا يكفي الاعتراف بالتقدم العلمي لدولة ما، أن تكون قادرة على استيعاب ما أنتجته الدول الأخرى من وسائط علمية، فالعبرة في مجال التقدم العلمي رهينة بتوافر المناخ الملائم لتنمية العقول تنمية علمية، ثم استثمار هذه العقول - فيما بعد - بما يحقق أقصى استفادة منها.

وليست هناك حدود للمجالات العلمية العسكرية، فكل الظواهر المختلفة يمكن الاستفادة منها عسكريا، سواء أكانت هذه الظواهر طبيعية، أم كميائية، أم بيولوجية، وسواء أكانت المادة الوسيطة في الموضوع صلبة أم غازات، أم سوائل.

وفي حرب أكتوبر سنة 1973 أكدت الأقمار الصناعية وطائرات التجسس والاستطلاع، والقنابل، التلفزيونية، والدبابات المجهزة للرؤية الليلية، ووسائل الاستطلاع الإلكترونية، أهمية التقدم العلمي كعنصر حاسم في الحروب. ولهذا تحرص الدول حديثا على الحصول على التفوق العلمي النسبي على عدوها قبل الدخول معه في حرب وذلك حتى تضمن لنفسها حسماً ملموسا في هذه الحرب.


المبادئ العامة للحروب التقليدية - ????? - 09-15-2009

الخطة

وبديهي أن العناصر الثلاثة السابقة للحرب لا قيمة لها ما لم تتوظف في النهاية في خطة عسكرية مناسبة زمانا ومكانا.
وحين يضع القائد خطته، فإنه يبدأ أولا بالإجابة على الأسئلة التالية:
- ما هو الهدف المطلوب بالضبط؟
- أفي طاقة قواتي أن تحقق هذا الهدف؟
- ما هو الأسلوب المناسب لتحقيق هذا الهدف؟

- ماهي أبعاد معركة المفاوضات ومتطلباتها بعد أن تننهي المعركة العسكرية وإلى أن تنتهي الحرب؟
والإجابة على هذه الأسئلة هي المفتاح الصحيح لأي خطة عسكرية، وأما التفصيلات التقليدية من مثل: طريق التقدم والمناورة، والهيئات الحاكمة المطلوب الإستيلاء عليها فليست إلا تقليدا ينشغل به القادة النمطيون لا المبدعون، فالأخيرون يهتمون فقط بالتصور لهم للخطة، وأما مثل هذه التفصيلات الفنية، فإنهم يتركونها للأركان العامة التي أحسنوا اختيارها من قبل.
وتخضع الإجابة على هذه الأسئلة السابقة لأسس دقيقة، نشير فيما يلي إلى طرف منها:

أولا - الهدف:
وهدف الحرب تضعه الحكومات الآن، ويشترك في وضعه كل أو جل أعضائها، وسواء منهم من كان مدنيا أو عسكريا. ولا غرابة في ذلك، وقد استقر منذ زمن أن الحرب ليست إلا سياسة كلماتها الطلقات، ومفاوضاتها العمليات.

وتعمد الحكومات قبل وضع الهدف المرجو من الحرب إلى تقييم الوضع السياسي بشكل دقيق، مقدرة فيه جوانب القوة والضعف لديها ولدى عدوها، قاصدة بذلك أن تتجاوز مثالب سياستها نسبيا في مواجهة هذا العدو، وذلك حتى تضمن لنفسها وضعا سياسيا قويا، فبضمانة هذا الوضع السياسي القوي، ومع بديهية التأثير المتبادل بين الوسائل السياسية والوسائل العسكرية، سوف تضمن الحكومات لنفسها وضعا حربيا قويا بالتالي.

وكلما كان الهدف العسكري متلائما مع النوايا السياسية، كان هدفا مثاليا، يعبر اختياره عن فطنة تبشر بالنجاح على أرض العمليات.
وكلما زاد اعتماد العدو على الوسائل العسكرية لخدمة معركته السياسية ضدنا، زاد بالتالي حجم الجهد العسكري المطلوب تحقيقه، والعكس صحيح تماما، ولهذا ليس أمامنا إذا كانت سياسة العدو عسكرية في أسسها وتوسيعة عدوانية في أهدافها، إلا أن ننزع منه وسيلته العسكرية باعتبارها مركز الثقل في وسائله السياسية.

وأما كيف يتحقق حرمان العدو من سلاح القوة العسكرية؟ فدون ذلك طرق متعددة:
أولاها: تدمير قوات العدو بإنزال درجة مناسبة من الخسائر بها، ثم تشتيت البقية الباقية منها إلى حيث تصبح عديمة الفاعلية والقيمة.
وثانيهما: إقناع العدو بعدم فاعلية قواته في المحافظة على أهدافه السياسية، فإذا كان العدو يعتقد –مثلا - أن حصونه العسكرية تحقق له الأمن والاستقرار، فإن الاستيلاء على بعض من هذه الحصون يعد هدفا مثاليا في هذه الحالة، ولمن شاء يتدبر مثلا تطبيقيا لذلك فأمامه معركة أكتوبر سنة 1973.

وغني عن الذكر أن بين الطريقتين الأولى والثانية مساحة هامشية مغطاة - ولاشك –ببدائل عدة، يتوقف الالتقاء منها على الظروف الواقعية لكل حالة.

وأما ثالثة هذه الطرق، فتتحقق بالاكتفاء بإحراج قوات العدو، واستغلال هذا الإحراج في تليين موقفه السياسي. وتلجأ الحكومات في سبيل تحقيق ذلك إلى وسائل عدة قد يكتفي فيها بالمظاهرات العسكرية، أو المضايقات البحرية، وقد يزاد على ذلك قليلا بالاستيلاء على شريط من الأرض لا أهمية له.

والحق أن هذه الأعمال وإن كانت عسكرية، وتدخل في زمرة أعمال الحرب، إلا أن الأساس الوحيد لإقحامها في الدراسة الفلسفية لاستراتيجية الحسم هو التحمل والاستطراد، إذ أنها في الأصل داخلة في وسائل استراتيجية الردع لا الحسم، تلك الاستراتيجية التي تستهدف إرهاب العدو لمنعه من التفكير في الحرب، وهي تخرج عن نطاق دراستنا هنا، لأننا نتحدث عن خطة الحرب بافتراض أننا مضطرون للقتال بالفعل.


المبادئ العامة للحروب التقليدية - ????? - 09-15-2009

ثانيا - الطاقة
وقد يتبادر الذهن وقد تدنينا - ولو بالتعسف- في الأهداف العسكرية للحرب إلى حد المضايقات البحرية، أننا سوف ننحي باللائمة على أي قائد يتعلل بطاقة قواته، لكن ذلك غير صحيح تماما. فالقائد حين يدرس طاقة قواته ليس عليه أن يدرس طاقتها على استيعاب الهدف المزمع فقط، وإنما عليه كذلك، أن يدرس قدرتها على استيعاب رد الفعل المحتمل للعدو، بل إنه سوف يلقى تقديرنا أكثر إذا درس إلى جوار القدر المحتمل من رد الفعل تلك النسبة الثابتة للقدر غير المتوقع من العدو. وقديما قيل إننا نضع ثلاثة احتمالات ليأتي منها العدو إلا أنه يأتينا دائما من الاحتمال الرابع.

ويحدد لنا فيلسوف الحرب كارل فون كلاوز فيتز[1] الضمانات التي إذا توافرت اطمأننا إلى طاقة قواتنا في ثلاثة ضمانات هي :

1 - أن تكون القوات العسكرية كافية لتحقيق نصر حاسم على قوات العدو.

2 - أن تستطيع هذه القوات تقديم الخسائر اللازمة من القوات إذا تم تتبع النصر حتى النقطة التي تصبح معها عملية استعادة التوازن غير محتملة.

3 - التأكد من أن الوضع السياسي - مع تحقيق الهدف العسكري.. سيكون متينا بشكل لا يجعل هذه النتيجة طريقا لإثارة أعداء جدد يجبروننا على التراجع حتى عن العدو الأول.
ويؤكد كلاوزفيتز على ضرورة توافر هذه الشروط الثلاثة، حتى لا يضطرنا تخلف أحدها - وخصوصا الأخيرة - إلى إضاعة ما ربحناه بالشرطين الأخريين، بحيث لا نستفيد في النهاية إلا دفع تكاليف الثلاثة معا.

ثالثا - الأسلوب:
فبعد أن يعرف القائد هدفه، ويطمئن إلى أنه داخل في استطاعة قواته، فانه يبدأ بعد ذلك في تحديد الأسلوب المناسب لتحقيق أقصى المواءمة بين الهدف والطاقة.

ويتدخل في تحديد هذا الأسلوب ثلاثة عوا مل هي: الوقت، والقدرة، وطبيعة مسرح العمليات.
ونشير فيما يلي إلى أثر كل من هذه العوامل على الأسلوب المختار:

1- بالنسبة للوقت:

ولا يقصد بالوقت هنا الفترة الزمنية اللازمة لتنفيذ العملية العسكرية، فهذه الفترة - مع اعترافنا بأهميتها القصوى في ظل الظروف الدولية السائدة الآن - لها أهميتها بصفة أساسية في المجال التكتيكي لا في المجال الاستراتيجي الذي نتحدث عنه ونحن نتحدث عن الخطة وإن كان لا يخفى بالطبع أن هناك درجة من التأثير المتبادل بين المجالين.

وأما الوقت المقصود هنا، فهو وقت الترقب والانتظار الذي يسبق بدء تنفيذ العملية، فهذا الوقت هو صاحب الأثر في المجال الذي نتحدث عنه الآن.

ومع التسليم بأن التبسيط النظري يخل دائما بجوهر الواقع المتشابك، إلا أنه يمكن - مع ذلك - ملاحظة أثر الوقت على الأسلوب المختار من خلال معادلة بسيطة مؤداها، أنه كلما كان الوقت يجري لصالح دولة معينة، كان عليها أن تركن إلى الانتظار أي أسلوب الدفاع، وعكس ذلك صحيح تماما، فإن على الدولة التي يجري الوقت ضدها أن تبادر فورا إلى الهجوم حتى ولو كانت أقل قدرة من الدولة الخصم، باعتبار أن الانتظار لن يكسبها إلا مزيدا من السوء، ما دمنا نفترض أن الوقت يجري ضدها. وأما إذا كان تطور الوقت ذا أثر واحد على الطرفين أولا أثر له على الإطلاق، فإن على الطرف المهاجم سياسيا أن يستمر في الاحتفاظ بالمبادأة متخذا من الهجوم العسكري وسيلة لتنويع وسائله السياسية.

2 - بالنسبة للقدرة:
وكما كان للقدرة أثر على تحديد الهدف، فإن لها أثرا كذلك في تحديد أسلوب تحقيق هذا الهدف.

فحينما نكون أقوياء بدرجة كافية سياسيا وعسكريا فعلينا أن نبادر فورا إلى الهجوم، وأما إذا لم تكن قوتنا بهذه الدرجة، فليس أمامنا إلا أسلوب الدفاع لنستفيد من مميزاته فيما بعد في هجوم مضاد ناجح وقوي.

وحتى في داخل أسلوب الهجوم والدفاع فإن القدرة تلعب دورا حاسما في جزئيات الاستراتيجية المنتهجة.
فمثلا في إطار الهجوم، إذا لم تكن لدينا قدرة كافية للوصول إلى مركز الثقل المعادي الذي قد يكون العاصمة السياسية أو القوات الرئيسية للعدو، فليس أمامنا - في هذه الحالة - إلا أسلوب الهجوم غير المباشر.

ونظير ذلك في التاريخ العسكري ما فعلته بريطانيا في السنين الأولى من الحرب العالمية الثانية، إذ كانت تعتبر أن معركتها مع الألمان تجري في الشرق الأوسط وإيران والعراق، وأما حين دخلت الولايات المتحدة الحرب - وهي دولة غنية بالإمكانيات والموارد - فإن سيمفونية الاستراتيجية البريطانية الأمريكية في اتجاهها إلى مركز الثقل بألمانيا ذاتها.

وأما أثر القدرة على أسلوب التنفيذ المتبع لتحقيق الاستراتيجية الهجومية، فيمكن أن نلحظه إذا تذكرنا أن هناك أساليب متعددة للهجوم، من مثل: الاختراق الخاطف، والاستراتيجية الجوية، واستراتيجية القوة الدافعة (أي الكتلة مضروبة في سرعة التحرك). ويتوقف انتقاء أي من هذه الأساليب على عاملين متساوين في الأهمية والتأثير، أولهما: القدرة، والتقاليد الاستراتيجية المستقرة للدولة المحاربة.

وأما في إطار الدفاع، فالمعروف أن الطرف المدافع ينتظر دائما للإيقاع بعدوه في إحدى لحظتين:
- لحظة تجاوز العدو لنقطة الذروة في هجومه.
- لحظة اضطرار العدو المهاجم لوقفات دفاعية.

ففي أي من هاتين اللحظتين لا يتردد المدافع - على فرض سلامة العوامل الأخرى من العوارض -في التحول من الدفاع إلى الهجوم العام المضاد. وأما أي اللحظتين ننتهزهما لشن الهجوم العام المضاد، فهذا بدوره يتوقف على عاملين كذلك:

- القدرة - وهنا تظهر أهميتها كما قلنا.
- العمق المسموح بتوغل العدو فيه، إذ أنه كلما كان عمقنا الدفاعي قادرا على الاحتفاظ بالتوازن رغم توغل العدو، كان من الأفضل إرجاء الهجوم العام المضاد إلى لحظة تجاوز المهاجم لنقطة ذروة هجومه، وتكون المرحلة الأولى من استراتيجيتنا المنتهجة معتمدة على المقاومة مضروبة في العمق والمسافة. وأما إذا كان الاتزان الدفاعي عندنا هشا، لا يسمح بتوغل العدو لما بعد الحد الأمامي للدفاعات فليس أمامنا، إلا أن نقاوم عدونا بعناد وإصرار عند الخط الأول للقتال، ثم نبادر فورا إلى الهجوم العام المضاد عند أول وقفة دفاعية للعدو المهاجم.

3 - بالنسبة لطبيعة مسرح العمليات :
ويقصد بمسرح العمليات، ذلك الجزء من مسرح الحرب الذي يتمتع باستقلال محدود، وينتظر جريان العمليات العسكرية عليه.
وبأدنى تأمل، فإن طبيعة مسرح العمليات تفرض نفسها على أسلوب التحرك المتاح. ذلك أنه إذا كان العدو يحتل ذلك الجزء المحمي من مسرح العمليات، فليس أمام الطرف الآخر إلا أن يغريه ليخرج من مكمنه ثم يلاقيه في مقتله بعد ذلك، وأما إذا كان الطرف الآخر هو الذي يحتل الجزء المحمي من مسرح العمليات، فعليه، والحال كذلك، أن يوازن بكل دقة، بين الانتظار في محلاته المختارة، وبين الاتجاه إلى عدوه في موضعه الهش.

ومما لاشك فيه، أن هذه الاختيارات الدقيقة تتم في إطار من المعطيات الموضوعية الأخرى، وأهمها الوقت والقدرة كما سبق.

[1] - كارل فون كلاوز فيتز - في الحرب - الجزء الثالث - ص 102- طبع الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر سنة 1969.


المبادئ العامة للحروب التقليدية - ????? - 09-15-2009

رابعا - وضع القوات في معركة المفاوضات.
حين سئل المشير أحمد إسماعيل علي، بعد حرب أكتوبر سنة 1973، عن دواعي البطء الذي صاحب العمليات المصرية في هذه الحرب، وخصوصا في فترة الوقفة التعبوية في المدة من 10 -13 أكتوبر، قال: « لا علي إن كنت بطيئا بعض الشيء، فقد تركت بضعة كيلومترات على الأرض ولكني خرجت بقواتي سليمة من المعركة ».

وما قاله المشير أحمد إسماعيل، صوابا، يتفق مع مبدأ هام من مبادئ التخطيط للحرب. فالحرب لا تنتهي بمجرد توقف العمليات العسكرية في المعارك، وإنما الحرب تنتهي بعد فاصل المفاوضات الذي يعقب- حتما - هذه العمليات.

وتتأثر هذه المفاوضات تماما بالأوضاع العسكرية التي تنتهي إليها المعارك، بل لا نبالغ إن قلنا، أن هذه المفاوضات تتم لتقنين هذه الأوضاع العسكرية في صورة وثائقية، ولهذا يحرص عباقرة القواد على الاحتياط لهذه المرحلة بانتهاج الخطة التي تكفل لقواتهم الخروج في المعارك بصورة متوازنة، فهذا التوازن، هو الضمانة الحقيقية لكسب مرحلة المفاوضات التي تنتهي بها الحرب.

وليست هناك صورة مطلقة للتوازن الذي نرجوه لقواتنا بعد انتهاء المعارك، فالتوازن المستهدف غالبا ما يكون نسبيا، يقوم القادة بالتخطيط له في إطار من تخيلهم للتوازن المتوقع للقوات المعادية، لأن من البداهة، أن عدونا يحاول بدوره أن يخرج بقواته متوازنة من المعركة، إذ أن كلنا ولاشك، يعلم أن معركة التوازن هذه هي المرآة الصادقة التي سنرى فيها معركة المفاوضات حتى قبل أن تبدأ الأخيرة.

ويمكن التدليل على تأثير معركة التوازن على معركة المفاوضات -حتى في مراحلها العسكرية البحتة - بما جرى في الاجتماعات الستة للجنة العسكرية المصرية الإسرائيلية المشتركة، والتي تمت في المدة من 26/12/1973 وحتى 9/1/1974 تحت إشراف الأمم المتحدة في مقرها بجنيف. ففي هذه المفاوضات حاول الجانب الإسرائيلي إقناع الوفد المصري إما بقبول فكرة الانسحاب المتبادل، وإما بقبول فكرة الفاصل المحدود بين القوات بحيث لا يزيد هذا الفاصل عن ( 3- 4 كيلومترات)، وقد سبب الجانب الإسرائيلي محاولته هذه بمحاولة إيهام الجانب المصري بأن انسحاب إسرائيل إلى شرق القناة يعد تضحية استراتيجية كبيرة.

وقد كسب الوفد المصري معركة هذه الجزئية، حين رفض أن يبتلع الطعم الإسرائيلي، موضحا للجانب الإسرائيلي - بغير مواربة - أن وضعه العسكري غرب القناة يعد وضعا استراتيجيا سيئا، ولا أثر فيه للتوازن العسكري على الإطلاق بل إنه لا يمثل - إن مثل –إلا عبئا عسكريا واقتصاديا وسياسيا على إسرائيل، وبالطبع فقد انتهت المفاوضات -فيما بعد - إلى قبول رأي الوفد المصري في هذه الجزئية، وانسحبت إسرائيل وحدها إلى الشرق، بل وبمسافة كافية سمحت بمنطقة عازلة مناسبة بين القوات.


المبادئ العامة للحروب التقليدية - ????? - 09-15-2009

الإعداد للحرب التقليدية

تمهيد:

يعتبر الإعداد للحرب التقليدية أمرا معقدا بالمقارنة للإعداد لحرب العصابات مثلا، صحيح أن الإعداد لحرب العصابات يعتبر أمرا شاقا وخطرا إلا أن هناك فرقا كبيرا بين التعقيد والخطورة.
ويرجع التعقيد الذي يصاحب الإعداد للحرب التقليدية إلى تعدد الجوانب التي لابد من تهيئة إيقاعها لينضبط مع إيقاع الحرب التي نخطط لها. فهناك الجبهة الداخلية، والجبهة السياسية، والجبهة الإعلامية، والجبهة الاقتصادية، ولابد من إعداد كل هذه الجبهات باعتبار أنها في مجموعها تشكل الجبهة العامة للحرب التقليدية.
وسنتناول فيما يلي إعداد كل جبهة من هذه الجبهات في مبحث مستقل.

إعداد الجبهة الداخلية

والجبهة الداخلية هي ذلك الشق المدني من الدولة وينتظم في هذا الشق كافة الأفراد المدنيين الذين يعملون في الأعمال غير العسكرية. وقديما لم يكن لإعداد هؤلاء الأفراد أهمية تذكر، إذ لم يكن لهم في الحرب ناقة ولا جمل رغم أن الملوك في ذلك الوقت كانوا يمثلون السلطتين المدنية والعسكرية معا.

وقد تطور الأمر إلى النقيض من ذلك بعد انفصال السلطتين المدنية والعسكرية، خصوصا وأن السيطرة في أغلب الأحوال كانت للأولى ( المدنية ) لا للثانية (العسكرية ).
فحينما كان الملك يتولى وحده السلطتين معا، وكانت الحرب لا تقوم - في حقيقة أمرها- إلا من أجل المليك المفدى، لم يكن مهما إلا إعداد النبلاء المقربين وأتباعهم المحاربين الذين كان حشدهم يتم على أسس شخصية. وعوامل محلية قلما تجاوزتها أهداف الحرب نفسها.

وأما حين انفصلت السلطتان، وبدأت الأماني الشعبية تفرض نفسها على أهداف الحرب، فلم يعد من الممكن خوض الحروب إلا بعد إعداد الشعب لها إعدادا يؤهله لأن يكون أمينا على ظهر الطلائع العسكرية المحاربة في الميدان لتكون هذه الطلائع بدورها أمينة على أمانيه الشعبية المستهدفة من الحرب. ولهذا صار من الواجب إعداد الجبهة الداخلية وهو الأمر الذي يتحقق بثلاثة أمور هي:
1 - بلورة الأماني الشعبية.
2 - إعداد الغرف اللازمة لإدارة العمليات المدنية.
3 - تكوين فصائل المقاومة الشعبية والدفاع المدني.
ونشير فيما يلي إلى معنى كل أمر من هذه الأمور.

أولا : بلورة الأماني الشعبية
ويقصد بذلك، تحديد هذه الأماني، وتبويبها تبويبا زمنيا يتناسب والإمكانيات القائمة والمنتظرة ثم ضبط انفراج هذه الأماني ليتوازى انفراجها مع الإمكانيات المتاحة بالفعل وذلك تجنبا لإضاعة الممكن في طلب المستحيل.

فالملاحظ دوما أن الأماني الشعبية تتجاوز في حدودها العليا القدرات الواقعية للخطة التي تستلهم فيها الأماني الشعبية، ولا غرو فالأماني الشعبية تتغذى من العوامل العاطفية أكثر مما تتغذى من العوامل الواقعية، ولا ضير، فهذا أساس الأمل واستمراره لدى الشعوب. إلا أن الضير كل الضير أن نخلط بين الواقع والمأمول إذ يؤدي بنا ذلك لا إلى أن نفقد واقعنا فقط بل وإلى أن نفقد آمالنا كذلك. ولهذا يعمد القادة الملهمون إلى المكافأة بين الأماني الشعبية والقدرات الواقعية لدولتهم تجنبا للخلط بين الواقع والمأمول، أو الحقيقة وأشباه الخيال.

ثانيا: إعداد غرف العمليات المدنية
وتنقسم هذه الغرف نوعيا إلى قسمين: غرفة رئيسية ترتبط ارتباطا مباشرا بكل من قيادة القوات المسلحة والقيادة السياسية العليا. ومجموعة أخرى من الغرف بكل وزارة ومرفق، ومحافظة ومدينة، وتخضع هذه الغرف جميعا للغرفة الرئيسية الأولى بالأسلوب التدريجي المعروف.

وبالطبع يوجد لكل غرفة من هذه الغرف غرفة أخرى تبادلية تستخدم عند اللزوم.
وتقوم هذه الغرف كل في مكانها بالسيطرة على فصائل المقاومة الشعبية، وتوجيه الدفاع المدني ليستطيع حماية المنشآت الحيوية، مثل منشآت الري والصرف والمياه والمجاري والكهرباء والسكك الحديدية، فضلا عن المعاونة على استمرار هذه المنشآت فيما لو تعطلت بفعل فاعل.

ثالثا: تكوين فصائل المقاومة الشعبية والدفاع المدني
وتتكون فصائل المقاومة الشعبية ممن فاتهم أو لم يصبهم الدور الالتحاق بالقوات النظامية، حيث يلحق هؤلاء الأفراد بتنظيمات شبه عسكرية تتولى تدريبهم على أعمال المقاومة الشعبية مثل: مقاومة الهابطين بالمظلات، والكشف عن الجواسيس والعملاء، وتقدم المعاونة للقوات النظامية .

وأما فصائل الدفاع المدني فتتكون من كل القادرين على أعمال الدفاع المدني المتعلقة بإنشاء المخابئ، وإطفاء الحرائق، وإسعاف الجرحى، وقيادة المواطنين عند الغارات، بل وحتى حياكة الملابس العسكرية المطلوبة للمحاربين.


المبادئ العامة للحروب التقليدية - ????? - 09-15-2009

إعداد الجبهة السياسية

فالحرب الناجحة محصلة أمرين: إعداد سياسي جيد، وخطة عسكرية متقنة. ويعتمد الإعداد السياسي أول ما يعتمد على تهذيب أهداف الحرب لتكون متوافقة مع القانون الدولي العام، فهذا التوافق بين أهداف الحرب وبين القانون الدولي العام هو الأساس الذي تستند إليه الدول المحاربة حين تنادي بحقها في الحرب، كما أنه طريقها الواسع للحصول على تأييد الغالبية العظمى من دول العالم، فكما أنه لا قيمة لحق لا تحميه القوة، فإنه لا قيمة لقوة تتجه إلى غير حق، ولا يغرنا في هذا تقلب بعض الغاشمين في بعض البلاد فمثل هذا مصيره إلى زوال، إذ لا يصح إلا الصحيح ولو بعد حين.

وبعد أن تثق الدول في مشروعية أهدافها، فإنها تتجه إلى المحافل الدولية حيث تقوم بعرض قضيتها هناك، قاصدة بذلك إظهار مالها من حق، وما عليه عدوها من باطل، إذ بذلك تزداد قوتها بازدياد المؤيدين، وتنقص قوة عدوها بانصراف المشايعين.

وتعتبر هذه المرحلة من أهم مراحل الإعداد السياسي للحرب، فيها تحفز الدولة المحاربة كل الهمم الدولية حتى تمارس الضغط المطلوب على العدو قبل وبعد المعركة معه. وبقدر ما تنجح الدولة في عرض قضيتها، وفي كسب المؤيدين لها، بقدر ما ستجني - فيما بعد - ثمارا طيبة للحرب التي ستخوضها.

ولا تكتفي- الدول في مجال الإعداد السياسي للحرب -بتلقي البركات من غالبية الدول، بل إنها تقوم بعد ذلك بتصنيف هذه الدول لتخرج من بينها الدول التي تتعدى مرحلة التأييد الرسمي إلى مرحلة التحالف. فلكل دولة حلفاؤها، سواء تدنى هؤلاء الحلفاء إلى مرحلة التأييد الشعبي والرسمي، أم ارتفعوا إلى مرحلة الاشتراك في العمليات العسكرية.

والدول الماهرة هي التي تعد هؤلاء الحلفاء بأسلوب مدروس ليكونوا سندها وعمقها حين يبدأ القتال.

وليست هناك وسيلة واحدة لإعداد كل هؤلاء المتحالفين فدول التأييد الرسمي والشعبي لابد لها من عدد كاف من الديبلوماسيين والإعلاميين المهرة الذين يعرفون طريقهم لتنمية واستثمار هذا التأييد، وأما دول العمق المكاني والتسليحي والاقتصادي، فلابد لها من لجان متخصصة تعرف كيف تسيل الماء في القنوات الجافة، وأما الحلفاء المقاتلون فيتم التنسيق معهم على أعلى مستويات التنسيق حتى نضمن لأنفسنا إيقاعا موافقا في العمليات العسكرية يخدم في نهاية الأمر هدفنا الاستراتيجي العام .

إعداد الجبهة الاقتصادية

وقد تعاظمت أهمية هذه الجبهة بظهور الدول التدخلية واضطرار - حتى الدول اللاتدخلية - إلى التدخل في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك لضمان حل المشكلة الاقتصادية (نسبة الكثافة السكانية إلى نسبة الموارد الاستراتيجية) والمشكلة الاجتماعية (نسبة التكافل الاجتماعي المطلوب إلى نسبة العمالة المنتجة).

ويعبر عن إعداد الجبهة الاقتصادية بتحويل الاقتصاد من مدني إلى حربي، ويتم ذلك بوسائل عدة منها توجيه معظم الموارد للمجهود الحربي بما يعينه ذلك من تعطيل جزئي لبعض الخطط الاقتصادية المدنية. وكذلك توجيه السياسات المالية والسعرية والنقدية والادخارية لتخدم من الإنتاج إلى الإنتاج الحربي المباشر، وكذا الحد من الاستهلاك وبناء المخزون الاستراتيجي اللازم.

وبالإضافة إلى هذا يتم وضع الوسائل الاقتصادية اللازمة لتجاوز أثر الحرب على الميزان التجاري نظرا لما سيصاحب الحرب من انخفاض في الصادرات وزيادة في الواردات. وأثرها على النفوس العاملة، نظرا لما سيصاحب الحرب من امتصاص جانب كبير من العمالة والخبرات والمهارات لصالح الأغراض العسكرية، وأثرها على الدخل العام، لما سيصاحب الحرب من تأثير عل قطاع الخدمات من نقل ومواصلات وسياحة.. إلخ ..


المبادئ العامة للحروب التقليدية - ????? - 09-15-2009

إعداد الجبهة الإعلامية

والتأكيد على أهمية هذه الجبهة وأنها أحد ركائز الحرب الناجحة، قد صار من نافلة القول الآن.

وأول الطريق لإعداد هذه الجبهة هو إعداد الكوادر الإعلامية الحرفية، فهذه الكوادر المؤهلة والواعية هي العنصر الحي الذي يحيل الأجهزة والسياسات الإعلامية إلى واقع حي مثر.
ثم يأتي بعد ذلك دور الأجهزة الإعلامية، وهي على نوعين رئيسيين: أجهزة الكلمة المقروءة، وأجهزة الكلمة المسموعة.
ويتم التعبير عن الكلمة المقروءة بوسائل عدة تنقلب من البسيط إلى المركب حين ننتقل من حيز النشرات والكتيبات إلى حيز الكتب والصحف والمجلات المحلية والعالمية.

وأما التعبير عن الكلمة المسموعة فيتم بطرق عدة من مثل: الإذاعة، مرئية وغير مرئية، والأفلام التسجيلية التي تبثها قوافل الاستعلامات مصحوبة بشرح سياسي واف، والندوات والمحاضرات واللقاءات السياسية التي تنظمها وسائل الثقافة الجماهيرية والتثقيف السياسي، وأخيرا فهناك المسرح السياسي أو الوطني الذي يتعاظم دوره في زمن الحرب خصوصا إذا كان مرتكزا على أصول دينية كالمسرح الإسلامي في مصر وبعض البلاد الإسلامية.

وتعتبر هذه الأجهزة المختلفة وسيلة مماثلة للأجهزة الديبلوماسية ولكن في المجال الإعلامي، فإنه إذا كان مجال الديبلوماسية هو الأشخاص الرسميون وأصحاب القرار فإن مجال الأجهزة الإعلامية هو قطاعات الرأي العام والمراكز المؤثرة على صناع القرار، فالمعنى واحد وإن اختلف المجال.

ولا قيمة لهذه الأجهزة ما لم تتبع سياسة إعلامية ناجحة، لا تلتزم، إن التزمت، إلا بالواقعية، وعرض الحقائق، فلم يعد ممكنا إخفاء الحقيقة الآن كما أن الناس لم يعودوا يقبلون التلون بأذواق النفعيين الذين يجيدون فن الإعلان لا الإعلام.

وحين تقوم الدولة على استكفاء الكوادر الإعلامية، والأجهزة التعبيرية، والسياسات السليمة، فإنها تضمن لمقاتليها، إذ يحاربون، ظهرا محميا من الإشاعات الفتاكة والآراء الهدامة التي تبثها أجهزة الحرب النفسية المعادية طوال فترة الحرب.

في الحرب النووية

تمهيد

يرى بعض المحللين أن الحرب النووية لا تعد حربا بالمعنى الفلسفي للحرب، ويصدرون في ذلك عن أن الحرب عمل منظم بطبيعته، بينما الحرب النووية ليست إلا نوعا من الفوضى ليس إلا.

ولعل مما يؤيد هذا الرأي، أن الأساس الفكري لاستخدام الأسلحة النووية الشاملة - فيما لو استخدمت - لن يكون إلا الجنون في حالة الهجوم، أو التشفي والانتقام في حالة الرد بالهجوم المضاد. إذ لا يعقل أن يكون استخدام مثل هذه الأسلحة نوعا من السياسة بوسائل أخرى!!..

ولا يخل بهذا الرأي ظهور الأسلحة النووية التكتيكية، إذ ما زلنا ننظر بعين الشك والريبة إلى إمكانية استخدام هذه الأسلحة بأسلوب العمليات التقليدية (هجوم ويلحق به المعارك التصادمية والمطاردة والتعزيز، ودفاع ويلحق به القتال داخل الحصار والقتال بقصد التخلص والارتداد لإعادة التجميع)، وقنبلتا هيروشيما ونجازاكي أصدق شاهد على ما نقول.

كما لا يثنينا عن تأييد هذا الرأي، ما تعارفت عليه الجيوش الحديثة من تدريب قواتها على أساليب الوقاية من الأسلحة النووية، إذ غاية ما نسلم به مع هذه الأدلة المناهضة هو اعتبار الحرب النووية - خصوصا في صورتها الشاملة - نوعا من الحرب التهديدية ليس إلا.

ولعل تأييدنا لمن ينكرون على الصدام النووي صفة الحرب، هو الذي دفعنا إلى دراسة هذه الحرب - إذا جاز تسميتها حربا- في فصل خاص نكتفي فيه بالإشارة إلى المبدأين اللذين يحكمان هذه الحرب، ألا وهما الصدقية، والقدرة على توجيه الضربة الثانية.
ونتناول فيما يلي كلا من هذين المبدأين:

أولا : مبدأ القابلية للتصديق
وأساس هذا المبدأ ما ذكرناه من أن الحرب النووية ليست إلا حربا تهديدية تخاض بالتهديد الجدي لا بالتنفيذ الفعلي. ولهذا فلا يتصور أن تحسم هذه الحرب إلا بأسلوب واحد هو إقناع العدو- ليس فقط بامتلاكنا للمتفجرات النووية - وإنما كذلك بامتلاكنا للوسائط اللازمة لنقل هذه المتفجرات إلى الأهداف المختارة، ولن يتحقق هذا الاقتناع لدى العدو إلا إذا كانت الشواهد كلها تدل على صدق ما نهدد به. فعند هذا القدر من التصديق تحسم الحرب، وتؤتي ثمارها المرجوة، بالرغم من أنها ستبقى في إطارها المرجو لها ألا وهو إطار اللاتنفيذ.

ثانيا: مبدأ القدرة على الضربة التالية
وإذا اعتبرنا أن المبدأ الأول « القابلية للتصديق » هو أساس الهجوم في الحرب النووية، فإن هذا المبدأ « اعتقاد العدو بقدرتنا على توجيه الضربة التالية » هو أساس الدفاع في هذه الحرب.
فالمبدأ المكافئ للمبدأ الأول، يتحقق بإحساس العدو بقدرتنا على رد ضربته بضربة مماثلة في القوة ومضادة في الاتجاه. فعند هذا القدر من القناعة يتحقق التوازن المطلوب للرعب النووي لدى الطرفين، وتخرج بالتالي الوسائل النووية من حلبة التأثير في الصراع السياسي بينهما.

خاتمة

وبعد.. فقد كانت تلك رسالتنا عن المبادئ العامة للحوب التقليدية، وقد توخينا فيها التأصيل مادام مفيدا، والإيجاز مادام كافيا. كما كان حسبنا من هذه الرسالة أن نحيط إحاطة ثقافية بالقواعد الأصولية للحروب وكيفية الإعداد لها، ولهذا فقد راعينا في هذه الإحاطة الثقافية اجتناب التفصيلات الفنية إلا بالقدر الذي نحتاجه لشرح قاعدة أصولية، بل لقد استبعدنا - أحيانا - بعض النظريات الأساسية ما دامت ستجرنا إلى تفصيلات تزيد عن حاجة هذه الدراسة كثيرا، وكان من هذا الذي استبعدناه ما يلي:

1 - نظريات الأمن، وقد استبعدناها عند الحديث عن الحرب التقليدية، نظرا لتعدد هذه النظريات واحتياجها لدراسة خاصة مستقلة توضح النظريات المختلفة للأمن من مثل: نظرية الضمانات الدولية، نظرية الاعتماد على الحلفاء الأقوياء، نظرية الحدود الآمنة، نظرية القوة الرادعة.

2 - الاستراتيجيات المختلفة للعمليات الفعلية من مثل: إستراتيجية المناورة المباشرة، والتي تعتمد على البدء بالتمهيد النيراني المدمر، ثم التقدم لاكتساح الدفاعات مع التوقف بعد إقامة رؤوس الكبارى، وبعد كل استيلاء على خط دفاعي لتأمين الأوضاع، وصد وتدمير الضربات المضادة في مناطق قتل محددة سلفا، ثم تطوير الهجوم لمرحلة تالية، وهكذا.

ويقابل هذه الاستراتيجية استراتيجية الاقتراب غير المباشر التي تعتمد على اختراق قطاعات محدودة بثلاثي (الطائرة - الدبابة - المشاة الميكانيكية)، وتطوير هذا الخرق في العمق التعبوي بقطع خطوط المواصلات، وبث الاضطراب في القيادات الخلفية، ومراكز الشئون الإدارية.

وإلى جوار هاتين الاستراتيجيتين هناك استراتيجية السلاح الحاسم، والتي تعتمد على سلاح معين بصفة أساسية في حسم المعركة، وقد كان هذا السلاح الحاسم في أول الأمر هو السلاح البحري، ثم حل محله فيما بعد السلاح الجوي، وبالاعتماد على هذا السلاح يتم دفع الخطوط الجوية دائما للأمام، ثم تتولى هذه الخطوط بدورها التمهيد لاستيلاء القوات الأخرى على الخطوط التالية، ثم تبدأ عملية دفع جديدة للخط الجوي، وهكذا.

3 - ومن ناحية أخرى فقد استبعدنا بعض التفريعات الفنية، من مثل عناصر الصدم والسيطرة والشئون الفنية في التكتيك، ومن مثل كيفية التجهيز الفني لمسرح العمليات سواء في جانبه الإيجابي المتمثل في تجهيز المسرح لخدمة قواتنا، أو في جانبه السلبي المتمثل في إعداد الوسائل الكفيلة بالحيلولة دون استفادة العدو من تجهيزاته لمسرح العمليات، ومن مثل أنواع الأسلحة النووية وأنواع الوسائط الحاملة لها سواء في الهجوم أو في الشبكات المضادة.

وقد كان أساس استبعادنا لهذه التفريعات الفنية هو احتياجها لدراسة تفصيلية تجاوز الغرض المنشود، فضلا عن أنها تفوق طاقتنا في الوقت الحاضر، وإن كان أملنا كبيرا في العودة لهذه التفريعات بدراسة تفصيلية إن لم يكفنا غيرنا مشقة الكتابة فيها بالطبع.

وبقيت كلمة أخيرة.. أننا مطالبون بالأخذ بكل أسباب القوة، ولكننا مطالبون كذلك بأن نستيقن بأن النصر من عند الله.
أقول ذلك مهما ظن الدهريون أنهم قادرون على ما يريدون.
{وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}
صدق الله العظيم