عرض مشاركة واحدة

قديم 10-06-09, 09:10 PM

  رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
الباسل
المديــر العـــام

الصورة الرمزية الباسل

إحصائية العضو





الباسل غير متواجد حالياً

رسالتي للجميع

افتراضي



 

مختارات من وثائق المخابرات المركزية الأمريكية (3)




1. تيارات متقاطعة في القيادة السوفييتية :
بينما خلقت الحرب توترات حادة في التحالف السوفييتي العربي ، وإن تكن معتدلة، أنتجت كذلك ضغوطاً في السياسات الداخلية السوفييتية ، وفي مرحلة ما تعرض حتى أداء كبار القادة في الأزمة إلى هجوم سافر ، ويبدو أن ذلك الهجوم يعكس وجهات النظر في عنصر كان ينتقد الحذر الذي اتسمت به تحركات السياسة الرسمية في الأزمة ، وقد ظل مثل وجهة النظر تلك أثناء الأزمة وبعدها خارج الإجماع في القيادة ، بل كانت في الحقيقة مرفوضة من قبلها بثبات ، ولكن ضمن الإجماع الذي كان يعارض التورط المباشر في الأزمة ، ولكنه يحبذ استمرار مساندة العرب، كان يمكن مشاهدة خلافات بشأن مدى مثل ذلك العون في المستقبل، بالإضافة إلى مواقف مرنة إلى هذا الحد أو ذاك، تتعلق بتسوية سلمية للنزاع ، ولم يكن العرب المتشددون وحدهم الذين كانوا يشكلون عامل تعقيد في عملية صنع السياسة السوفييتية، بل يضاف إليهم غياب الإجماع التام ضمن فئة كبار الزعماء السوفييت.

2. حماية ييجوريتشيف :
دعت وجهة النظر المطالبة بالتدخل المباشر، والتي (يوجد حذف هنا) جرت دراستها من قبل بعض القادة ولكنها استبعدت إلى القيام بمجازفة عسكرية محدودة ، وتحدي الولايات المتحدة في الأزمة بحذر ، وسواء تم تقديم مثل وجهة النظر تلك أم لم يتم في المكتب السياسي خلال ذروة الأزمة عندما اجتمعت تلك الهيئة في جلسة عادية ، فإنها ربما تكون قد طرحت من قبل رئيس الحزب في موسكو ييجوريتشيف عندما تحدث إلى اللجنة المركزية التي دعيت إلى الانعقاد برمتها بعد حرب يونيو/ حزيران ؛ لكي تصادق على أعمال المكتب السياسي في الأزمة، وحسب بعض التقارير انتقد القيادة بسبب افتقارها إلى القوة والحزم أثناء الأزمة ، وعلى الرغم من أنه عانى بسبب طيشه، بفقدان منصبه، يبدو من غير المرجح أن يكون قد رفع صوته لو لم يكن هنالك تأييد لآرائه على أعلى المستويات ، وعلى أية حال تم اجتناب اتخاذ سياسة مجازفة محسوبة من قبل الإجماع الذي برز في المكتب السياسي أثناء الأزمة.

وفي حين يحتمل أن تكون وجهة نظر أكثر هجومية قد حظيت ببعض المؤيدين في أوساط المكتب السياسي نفسه، فإنه لا تتوفر أدلة كثيرة تساعد في تحديد أولئك المؤيدين ، وبطبيعة الحال يمكن اعتبار شيلبين الذي يشتبه في أنه منذ ييجوريتشيف قد عبر عن انتقاد القيادة أثناء الأزمة عضواً في الزمرة التي تحيط بهذا الزعيم ، ولكن هنالك علامات على أن وجهة النظر الميالة إلى القتال كان لها مؤيدون بين عناصر يقعون على أطراف القيادة الداخلية، وبخاصة في أوساط الجيش ، وعلى سبيل المثال كانت مجلة "النجم الأحمر" إحدى المجلات السوفييتية القليلة التي دافعت علناً عن إغلاق الجمهورية العربية المتحدة لمضائق تيران (28 يونيو/ حزيران) وكانت تصر بنوع خاص على دعواتها إلى انسحاب القوات "الإسرائيلية" الفوري وغير المشروط من المناطق المحتلة...

وإضافة إلى ذلك مضى ما يقرب من شهر بعد الحرب قبل أن يصادق أي زعيم عسكري سوفييتي صراحة على أسلوب السوفييت في التعامل مع الأزمة ، وفي 5 يوليو/ تموز فقط فعل وزير الدفاع جريتشكو ذلك في اليوم الذي قدم فيه بريجينيف أيضا دفاعاً علنياً شديداً عن سياسة المكتب السياسي أثناء الأزمة.
وقد حمل خطاب بريجينيف في 5 يوليو/ تموز كل سمات الدفاع العام عن السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط في الماضي والحاضر والمستقبل ، وكان ذلك خطابه الأول بعد الحرب، ولعل المقصود منه كان مواجهة النقد الخارجي والعربي بخاصة والنقد الداخلي ، وحاول في البداية أن يجابه الحجج التي تقول : إنه كان ينبغي اتباع سياسة أكثر حسماً أثناء الأزمة ، وأصر على "صحة" التحركات "النشيطة" التي اتخذتها موسكو لوقف "إسرائيل " وحماية المصالح العربية ، ثم مضى بعد ذلك للدفاع عن استمرار الدعم السوفييتي القوي للعرب، وفي حين كان حذراً إزاء القول : إن الصراع كان في هذه المرحلة "سياسياً" انسجاماً مع سياسة المكتب السياسي أكد على المطالبة بانسحاب "إسرائيل " من أراض محتلة ، وأشار إلى العون المادي الذي كان يقدمه الاتحاد السوفييتي إلى العرب.

وبينما ألمح إلى جهود حل الأزمة في الأمم المتحدة أبقى على هدف مهمات بودجورني في الجمهورية العربية المتحدة وسوريا والعراق، وهي بالتحديد، تعزيز العلاقات وتنسيق العمل المشترك دفاعاً عن المصالح العربية ، ولم يتضمن الخطاب سوى تلميح قليل إلى أي مصلحة في التوصل إلى تسوية وسط في المنطقة ، وبوجه عام بدا الخطاب دفاعاً عن سياسة موسكو الموالية للعرب ، ومن منظور السياسات الداخلية السوفييتية بدا الخطاب معبراً عن إدراك بريجينيف لخطر تحالف بين الجيش وبين عناصر الحزب، يتضافرون معاً في معارضة السياسة الرسمية في الشرق الأوسط (1) .

إغراق المدمرة "إيلات" عزز شعور عبد الناصر باستعادة مكانة مصر :
كان الخطر كامناً متضمناً من قبل في ثنايا قضية يجوريتشيف ، وشن يجوريتشيف رئيس الحزب في موسكو، الذي هو بالتالي شخصية مهمة من بين الرؤساء التنفيذيين في المستوى المتوسط في أوساط الحزب، حملة انتقاد للسياسة الرسمية عندما كان اثنان من كبار مروجيه وأقطابه، بودجورني وكوسيجين، بعيدين عن الوطن ، ويتوليان تنفيذ تلك السياسة، إذ كان الأول في القاهرة والثاني في نيويورك، في أروقة الأمم المتحدة ، وترك هذا الوضع بريجينيف، وهو الركن الثالث في هذا الثالوث الحاكم الذي يتولى تنفيذ السياسة المتبناة والمعتمدة في موسكو ليتحمل وطأة هذا الهجوم غير المتوقع على ما يظهر.

(حذف هنا) وتظل فحوى الانتقاد الذي صدر عن يجوريتشيف وماهيته بدقة في دائرة الغموض. (مقاطع محذوفة) (2) .

3 تزايد التوتر
زادت الحوادث الحدودية الكثيرة التي وقعت عند خطوط وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط من حدة التوتر العربي "الإسرائيلي" منذ نهاية الحرب، كما زادت من مخاطر اندلاع حرب على نطاق واسع، وتزايدت كذلك باطراد الغارات "الفدائية" العربية التي تشن داخل "إسرائيل " وبحلول أكتوبر/تشرين الأول من عام 1967 ركّزت "إسرائيل " على التحذير من أنها ربما تضطر لضرب "مراكز الإرهاب"، وهو تهديد صريح ووعيد لسوريا، وربما انسحب هذا على الأردن ، وأفزع التهديد السوريين الذين كانوا يتوقعون "هجوماً وشيكاً".

(حذف هنا)في أكتوبر/تشرين الأول ظهرت علائم تدل على أن ناصر كان هاجسه الأكبر الذي سرعان ما تحول إلى طموح متأصل يتطلع إلى استعادة مكانة مصر من خلال توجيه ضربة ناجحة إلى "إسرائيل "، ولربما عكس غرق المدمرة "الإسرائيلية" "إيلات" هذا التوجه ، وهذا الموقف من جانب ناصر، فإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن رد "إسرائيل " الانتقامي قد أجج غضبه، حين قصفت ودمرت مصافي البترول المصرية ، كما زاد من سخطه الإعلان عن أن الولايات المتحدة سوف تزود "إسرائيل " بطائرات مقاتلة قاذفة.

ونشر العديد من التقارير في ذلك الوقت، وكانت تتحدث عن أن الموقف المصري آخذ بالتشدد، وبدأت الشكوك تتزايد في القاهرة بشأن احتمال إبرام تسوية سلمية.

وفي العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني ، وصف هيكل، وهو يكتب في "الأهرام" أمر مواصلة الحرب بأنه "حتمي"، إلا أنه احتاط للأمر قليلاً، فاستدرك بأن هذا لا يعني بالضرورة أن القتال سوف يستأنف غداً.

وباختصار يتضح أنه وخلال الأزمة ربما تشكل إجماع قلق يقوم على رغبة السوفييت في جعل الخسائر في حدها الأدنى ، وتجنب أي تورط مباشر في الصراع ، ومع إن بعض القادة ربما طالبوا باتخاذ إجراء أقوى مما جرى اتخاذه بالفعل، إلا أن الدعم لمثل هذا الأمر كان على ما يبدو ضئيلاً ، وعلى أي حال فقد جرى تجاوز الخلافات (في أأأوساط القيادة السوفييتية)، ومع ذلك عادت الخلافات حول سياسة الشرق الأوسط تطفو بصورة بالغة التفجر في الهجوم الذي شنه يجوريتشيف على التيار السوفييتي المعتدل.
وهكذا أصبح هناك موقف للمتشددين وآخر للمعتدلين، واستمرت الخلافات حول مدى الالتزام الذي يجب القيام به تجاه العرب ، ومن المرجح أن هذين الاتجاهين المتعارضين في أوساط القيادة مسئولان جزئيا عن المسار المتسم بالانفصام للسلوك السوفييتي منذ بدء الحرب ، ويشيران أيضا إلى إمكانية حدوث تغيير في السياسة السوفييتية المتعلقة بالشرق الأوسط.

وعلى الرغم من الخلافات الداخلية بدأت السياسة السوفييتية تتخذ شكلاً أوضح وتتجلى معالمها في صيف 1967، وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام اكتمل بحق وبصورة واقعية التحول الثاني الذي شهدته السياسة السوفييتية.

فأما التحول الأول، ذاك الذي حدث في منتصف عام 1966 فقد أعقب الانقلاب البعثي الراديكالي في سوريا، عكس جوهر القرار السوفييتي بدعم هذا النظام والدفاع عنه ، ومحاولة تحقيق التقارب السوري المصري ، وانطوى هذا التحول على تبني السوفييت نهجاً أكثر نشاطاً ، وساعد على دفع ناصر لاتخاذ مواقف متشددة أقرب إلى النزعة القتالية ، والتحول الثاني تبع قرار ناصر نفسه بعد الحرب برفض الجنوح إلى "مواصلة القتال" ، وهو الموقف الذي اقترن بالسوريين، كما اشتمل هذا التحول على اتخاذ السوفييت قراراً بدعم ناصر، ولو على حساب تنفير السوريين وإقصائهم.
وبدأت الجمهورية العربية المتحدة في أواخر يوليو/تموز وأغسطس/آب بتبني موقف أميل إلى الروح التصالحية تجاه الغرب، وموقف أكثر وداً وحميمية إزاء البلدان العربية المحافظة، وربما كانت جذور العوامل المحفزة التي قادت إلى هذا التحول الثاني ترجع في الشطر الأعظم منها إلى المحنة الاقتصادية التي عانت منها الجمهورية العربية المتحدة، لأن الدول العربية المحافظة ما لبث حكامها أن أطلقوا وعوداً مباشرة بعد الحرب ببذل مقادير ضخمة من المساعدات والعون لناصر.

وتحول ناصر من معارض إلى داعم لانعقاد قمة عربية مقترحة كانت قد أقرتها الدول المحافظة (السعودية، الكويت، والأردن) وقاطعها السوريون الراديكاليون، ومنح المؤتمر، الذي عقد في الخرطوم في نهاية أغسطس، ناصر والحسين تفويضاً للسعي من أجل التوصل إلى تسوية سياسية، وأسبغ على اقتراح يوغسلافي يلتمس تسوية وصف "متعقل" .

وفي نهاية المطاف اختار السوفييت الذين أرغموا على المفاضلة العلنية ما بين ناصر والسوريين في هذه القضية ناصر ، وتحول السوفييت الذين ظلوا ينتقدون المؤتمر إلى أن صادق عليه ناصر، إلى موقف المؤيد والداعم له، بل وحاولوا حتى في اللحظة الأخيرة (لكن دون إحراز نجاح) إقناع السوريين بالحضور.
وظهر دعم السوفييت لسياسات ناصر بصورة أوضح في ثنايا قرار الاتحاد السوفييتي في أكتوبر/تشرين الأول من عام 1967 الذي تضمن دعم جهود ناصر وحسين من أجل تمرير قرار في الأمم المتحدة.

والشروط والبنود التي اتفق عليها الزعيمان العربيان في سبتمبر/أيلول كانت مشابهة لتلك التي اشتملت عليها الخطة التي وضعت في يوليو/تموز ودعمها السوفييت، وكان السوفييت قد سحبوا هذه الخطة عندما رفضها الراديكاليون العرب ، وهذه المرة بين السوفييت أنهم سيدعمون قراراً بغض النظر عن معارضة سوريا.

واشتملت مسودة قرار التسوية البريطانية التي مررها مجلس الأمن الأممي في نهاية المطاف على بنود وعبارات وشروط كانت الجمهورية العربية المتحدة ترغب بأفضل منها بكثير (على سبيل المثال، لم تحدد تلك البنود أن على "إسرائيل " الانسحاب من كل المناطق التي احتلتها بعد 4 يونيو/حزيران، كما لم تدع لانسحاب "إسرائيلي" فوري ، ومع ذلك، وبعد مساومات ومماحكات كثيرة وافق ناصر على ما يبدو على القبول بها، ولكن قبل تبنيها بذل السوفييت محاولة يتيمة أخيرة لتجنب تنفير العرب الراديكاليين وإقصائهم ، فعشية التصويت في مجلس الأمن تقدموا بمسودتهم البديلة التي تدعوا إلى انسحاب "إسرائيلي" فوري من جميع المناطق التي احتلت خلال الحرب، غير أن تلك لم تكن سوى إيماءة موحية فحسب، القصد منها تسجيل موقف ، وفي اليوم التالي لتقديمها سحب السوفييت المسودة ، وصوتوا موافقين على القرار البريطاني.

وخدمت الإيماءة السوفييتية غرض منح الراديكاليين العرب بعض التطمينات بخصوص الالتزام السوفييتي بقضيتهم ، وأعادت المسودة البديلة التوكيد على الموقف السوفييتي المناصر للعرب، وأناطت بالسوفييت دوراً مؤقتاً أشبه ما يكون بالمعيق أو واضع العقبات في الطريق ، فإذا كانت الغاية هي تهدئة السوريين وتليين تشنجهم فإن المسودة لم تحرز نجاحاً يذكر على هذا الصعيد، لأن ردة فعلهم كانت عنيفة إزاء فقرات القرار، وهاجموا السوفييت بقسوة ومرارة لتصويتهم بالموافقة عليها.

وحسبما أوردت التقارير فإن السوفييت مارسوا ضغوطاً كذلك من أجل اكتساب مرافق وقواعد بحرية في البحر الأبيض المتوسط أو حيازة حقوق باستخدام مثل هذه المنشآت ، ولم يكونوا قد حازوا السيطرة على أي ميناء عربي، وحتى استخدامهم لتلك المرافق كان على أضيق نطاق ممكن، حيث كانت المراكب والقطع البحرية السوفييتية تعتمد أساساً على سفنها المساعدة سواء في الإمدادات أو في الصيانة والإصلاح.

غير أن الأسطول السوفييتي كان دائما يمنح حق الوصول إلى شتى الموانئ العربية، وكانت السفن الحربية السوفييتية تقوم بزيارة هذه الموانئ بين الفينة والفينة بغاية ظاهرها على ما يبدو التبيان بجلاء أن السوفييت يدعمون العرب ويقفون في صفهم، وبهدف الحيلولة بين "إسرائيل " ومهاجمة هذه الموانئ ، ولم تهاجم "إسرائيل " في الحقيقة أياً من هذه الموانئ ، لكن الأمر يظل رهن التكهنات والحدس لحسم مسألة ما إذا كان "إحجام" "إسرائيل " عن ضرب تلك الموانئ له أي صلة بالوجود السوفييتي على الإطلاق.

وازدادت شحنات السوفييت من العتاد العسكري إلى العرب ، وتكثفت في الفترة التي أعقبت الحرب مباشرة وخلال ما تلاها من الشهور ، وعلى ما يبدو وعد السوفييت بأن يعجلوا إلى حد كبير عملية تعويض العتاد الذي فقد في الحرب ، واستبداله بأسلحة وتجهيزات جديدة ، وتم إنجاز هذا على أرض الواقع.
ومنذ صيف عام 1967 انتظم تدفق هذه الشحنات ليستقر عند معدل مطرد بثبات إلى حد ما، واستردت حملات إعادة الإمداد وبرامج التدريب القدرات العربية فرجعت بها إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الحرب على الأقل .

وعلى نحو مشابه اتجه موقف السوفييت تجاه الفدائيين إلى أن يزيد ، لا أن يخفف من التوتر، فعلى الرغم من مخاطر قيام "إسرائيل " بعمليات ثأرية حربية كبرى ، ظل السوفييت وبصورة متزايدة يتحاشون ، بل ولا يقبلون استثارة نفور الفدائيين، ويتجنبون حدوث جفوة بينهم وبين الفدائيين، ونتيجة لذلك كانوا يزودونهم بشكل غير مباشر ببعض العون، الذي كان في معظمه على شكل أسلحة خفيفة ومعدات، وفي النصف الثاني من عام 1969 بدأ الإعلام السوفييتي يسلط الضوء على دعم السوفييت للفدائيين ، وينشر على الملأ تقارير عن نشاطات رجال حرب العصابات.
وفي نهاية عام 1969 أظهرت البيانات التي صدرت عن شخصيات في المكتب السياسي أن تياراً جديداً يحبذ تقديم مساعدة أكبر وأجدى للفدائيين العرب ، قد أخذ ينبثق في صفوف القيادة السوفييتية ، واعتراف السوفييت بالفدائيين بصفتهم قوة يحسب حسابها ، ولا يمكن الإغضاء من شأنها ، يعكس الواقع السياسي وحقيقة الوضع آنذاك، فمنذ حرب يونيو تحول الفدائيون إلى عامل بالغ الأهمية في الشرق الأوسط.

وتزايد الوجود السوفييتي العسكري الفعلي في الشرق الأوسط بشكل كبير منذ الحرب ، وجرى تعزيز الأسطول البحري السوفييتي في البحر المتوسط وتقويته بشكل كبير خلال عام 1967، إلا أن هذا المستوى استقر على حاله من بعدها.
وبعد الحرب نشر السوفييت أعداداً كبيرة من الخبراء والتقنيين والمستشارين ليرابطوا في كافة الأفرع والمجالات العسكرية داخل القوات المسلحة لكل من الجمهورية العربية المتحدة وسوريا بهدف رفع المستوى المعياري القتالي ، وتعزيز القدرات العسكرية في هذه المؤسسات العسكرية ، وثمة عنصر من الحذر والتوقي كامن في هذه السياسة ، إذ إن هذه الأطقم البشرية انيطت بها غاية إضافية تتمثل في ممارسة لون من ألوان السيطرة على الاستخدامات التي من أجلها أمد السوفييت العرب بهذه الأعتدة والأسلحة. ..

إلا أنه وعلى الرغم من أن المستشارين السوفييت قد منحوا على ما يبدو درجة عالية من السلطة والهيمنة، لا سيما في عمليات التدريب، الأمر الذي أدى إلى حزازات كبيرة وخلافات مع العرب، ليس ثمة دليل سواء في الجمهورية العربية المتحدة أو سوريا على تمتع السوفييت بسلطة مهيمنة وقيادة وسيطرة مباشرة ، ومن المشكوك فيه أنه كان لهؤلاء العسكريين السوفييت من الخبراء والمستشارين والتقنيين مشاركة مباشرة في القتال ، وحتى لو حدث ذلك فإن من المشكوك فيه الاعتراف بهذا الأمر (3) .

ومع ذلك فإن الوجود السوفييتي الإضافي والمعزز في الشرق الأوسط يزيد من احتمالات تورط السوفييت في صراع مستقبلي ، وعلاوة على ذلك فإن هيمنة الاتحاد السوفييتي، رغم وجود مستشاريه على التصرفات والتحركات العربية لم تتعزز إلا بمقدار طفيف جداً عما كانت عليه في مايو/أيار من عام 1967، وناصر كالعهد به دائماً، لا يمكن أبداً التكهن بسياساته ولا توقع تحركاته، وهو مصمم على الحفاظ على الضغط العسكري على "إسرائيل " على طول قناة السويس ، وليس ثمة إلا النزر اليسير جداً عن المعلومات التي توحي بأن السوفييت بذلوا أي جهد جاد لكبح ناصر ، وحمله على ضبط النفس..

وهكذا نجد أن السوفييت كانوا مرة أخرى في موقف الالتزام شبه الكامل بالإمداد بالمال والسلاح والرجال والمكانة لحلفائهم العرب دون أن يحصلوا مقابل ذلك على ما يوازي هذا الدعم من مشاركة في صياغة السياسة وصنع القرار.

ومن هنا فإن سياسة الاتحاد السوفييتي في الشرق الأوسط تشبه محاولة الطبخ بطنجرة ضغط من دون وجود صمام أمان يعتمد عليه ، فهي من ناحية تسعى لكبح الضغوط التي تؤدي لانفجار الوضع في منطقة الشرق الأوسط ، ومن جهة أخرى فإنها تغذي الأسباب المؤدية لهذه الضغوط.

ولكن الموقف الذي يميل لسياسة الاعتدال التي ظهرت بعد حرب يونيو/حزيران كان في الآونة الأخيرة من التآكل والتراجع، فتفضيل السوفييت لناصر على السوريين باعتباره أقل تعصباً ، وأكثر عقلانية أصبح متناقضاً ومتعارضاً مع تزايد الروح القتالية المناهضة ل "إسرائيل " عند المصريين في ظل قيادة ناصر بعد حرب حزيران ، ولعدم استعدادهم لخسارة المكانة التي تبوؤها كطليعة للحركة العربية، عاد السوفييت للتحرك ثانية مع نزعة التطرف العربي التي سادت آنذاك ، ومخاطر تلك السياسة أمر مؤكد، ولكن الأمر الذي ظل غير مؤكد إلى حد بعيد هو هل استطاع السوفييت أم لم يستطيعوا صياغة وسائل فعالة تقود التيار وتوجهه أو تحرفه عن مساره طبقاً لما تقتضيه المصلحة السوفييتية.

الفدائيون.. وحركات المقاومة :

4. المقدمة :
في العناوين التالية من وثائق المخابرات الأمريكية التي أفرج عنها مؤخراً يتم تناول موضوع الفدائيين وحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث تلقي الأضواء على المراحل الأولى لتأسيس حركة فتح ، وأسباب انطلاقة العمل الفدائي ضد "إسرائيل " والعمليات الفدائية الأولى، واختيار الأردن كقاعدة لانطلاق العمليات، ثم انتقال الفدائيين إلى سوريا، ومواقف الدول العربية من العمل الفدائي.

كل ذلك في إطار تقارير سرية كانت تجمعها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في تلك الآونة ، وتصنفها على أنها "سرية جداً".

5. عبد الناصر تدخل لدى موسكو لاستقبال عرفات :
تأسست فتح التي هي اليوم أهم الجماعات الفدائية، في الخمسينات من قبل الفلسطينيين الميالين للقتال، الذين لم يرضوا عن خمول المنظمات الفلسطينية الأخرى، ويعني اسمها "الغزو والإخضاع" واسمها يتألف من عكس الحروف الثلاثة الأولى في عبارة "حركة التحرير الفلسطيني" (حتف)، وكان زعماء فتح يشعرون أن تردد العرب في المبادرة إلى شن حرب ضد "إسرائيل " ناجم عن الافتقار إلى الإرادة، لا عن الدونية العسكرية، وكانوا يرون أن دور فتح هو دور المحفز، أي رفع درجة التوترات بين العرب و"الإسرائيليين" من أجل إحداث الحرب، وقد تأسس الجناح العسكري لفتح (قوات العاصفة) في يناير/ كانون الثاني ،1964

وفي أوائل سنة 1965 شرع في حملة غارات "تخريبية" ضد "إسرائيل " (4) ، وكانت غالبية مهمات العاصفة تنفذ من قبل فرق تتكون الواحدة منها من أربعة أو خمسة أعضاء من العاصفة، كانوا يتسللون إلى الأردن من سوريا، ثم يعبرون إلى "إسرائيل " لتوجيه ضربات سريعة، وفي أواخر سنة 1966، كانت العاصفة تستخدم كذلك من قبل سوريا لتمويه عمليات على الحدود "الإسرائيلية" تنفذها وحدات الجيش السوري ، وساهمت هذه الزيادة في الغارات عبر الحدود السورية "الإسرائيلية" في رفع درجة التوتر، وأسفرت عن هجوم "إسرائيل " على سوريا في نوفمبر/ تشرين الثاني 1966، وتصعيد التهديدات والتهديدات المضادة، (5) ويطابق هذا السيناريو، السيناريو الذي وضعته حركة فتح.

وذكرت التقارير أن مؤسسي حركة فتح أعضاء في حركة الأخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، وكلاهما من الجماعات المحافظة التي تقيم علاقات قوية مع العربية السعودية والكويت ، وهكذا كانت فتح تنتفع دائماً من الناحية المالية من تبرعات الفلسطينيين الأثرياء في هاتين الدولتين ، ولكن ومما ينطوي على مفارقة إلى حد ما، أن الجهة المنتفعة الرئيسية من فتح في أيامها الأولى، كانت سوريا، إحدى أشد الدول العربية راديكالية، ونشأت هذه المفارقة الظاهرية من أن فتح بينما كانت محافظة سياسياً فيما يتعلق بالقضايا الداخلية في الدول العربية، كانت في الوقت ذاته أكثر الجماعات الفلسطينية من حيث النشاط العسكري المناوئ ل "إسرائيل "، وهذا جعلها جذابة للسوريين.

وخلال أواسط الستينات، وبخاصة منذ استيلاء جماعة بعثية أشد ميلاً للقتال على السلطة في سوريا في فبراير/ شباط 1966، وحتى حرب يونيو/ حزيران 1967، كانت سوريا توفر لفتح التدريب والأسلحة والإعلام، والمساعدة في التخطيط، وبالإضافة إلى ذلك رتبت الحكومة البعثية السورية اتصالات بين فتح والصين، وكوبا، وفيتنام الشمالية ، وأدى ذلك إلى تزويد الصين لفتح ببعض المعدات، والمعونات الطبية والمالية، وحتى بعض التدريب لفتح في هذه الفترة التي سبقت الحرب.

وشهدت حرب يونيو/ حزيران 1967 بداية ابتعاد فتح التدريجي عن الاعتماد على سوريا، وحتى قبل الحرب، كانت فتح تقاوم المحاولات البعثية السورية لفرض السيطرة عليها، وكان من شأن هزيمة سوريا وما رافقها من انحدار في هيبة البعث السوري، بالإضافة إلى تصاعد هيبة فتح ذاتها، أن شجعت فتح على أن تنشد الاستقلال، وأن تبحث عن العون في مكان آخر، وقد وجدت بالفعل بين الدول العربية، ممن يرغب في مساندتها ودعمها، طمعاً في الإفادة من شعبيتها.

وفي هذه الأثناء، وفي الشطر الأخير من سنة 1967 وأوائل 1968، ذكر أن الوحدات العراقية التي تمركزت في الأردن بعد حرب يونيو/حزيران، كانت تساعد في تقديم المعونات إلى العاصفة في الأردن ، وفي توفير المساندة العامة، وكان ذلك في غاية الأهمية قبل أن تبني فتح قاعدة مساندة شعبية...

وفي أعقاب هجوم "إسرائيل " على بلدة الكرامة، ازدادت شعبية فتح، وانحسرت أهمية المساندة العراقية (وقد أكد هاني الحسن، الناطق الرسمي باسم فتح في ديسمبر/كانون الأول 1969 أن عدد مقاتلي فتح بعد معركة الكرامة، ازداد من 720 إلى 3 آلاف) ولعل ما أثار اهتمام العراق بدعم فتح كان إلى حد بعيد فتور علاقات فتح مع النظام البعثي المنافس في سوريا، ورغبة بغداد في بسط نفوذها بين الفدائيين ، وذُكر أن العراق وافق في صيف سنة 1968 على طلب عرفات تدريب أعضاء العاصفة في الدفاع المضاد للطائرات.

وكذلك تلقت فتح كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة من الجزائر في خريف 1968. (يوجد حذف هنا) كان هذا عبارة عن قرار اتخذه بومدين لا طلباً من فتح ، وفي ديسمبر/ كانون الأول (حذف) ال (حذف) كان قد قال : إن الجزائر قد حولت دعمها (بالمال والبعثات الدراسية) من منظمة التحرير الفلسطينية إلى فتح، ولعل هذا التحول كان يعكس تزايد شعبية فتح، إلى جانب تفضيل موقف فتح المستقل على تبعية منظمة التحرير الفلسطينية التي ما تزال تتحكم بها الجمهورية العربية المتحدة.

وفي معرض بحث فتح عن التمويل تحولت كذلك نحو الاتحاد السوفييتي ، وفي 2 يوليو/تموز 1968، قبل مغادرة عبد الناصر في زيارة إلى موسكو، وصل عرفات زعيم فتح إلى القاهرة، وكانت قد تمت تسمية عرفات رسمياً ناطقاً باسم فتح في ربيع سنة 1968، رغم أنه كان أحد زعماء المنظمة منذ بدئها، وكان في السابق الرئيس الإقليمي للعاصفة.

ويبدو أن عرفات قد طلب من عبد الناصر حينها أن يتوسط لدى السوفييت لكي يغيروا موقفهم نحو الفلسطينيين، ويفترض أنه ربما شعر بأن التضامن العربي الذي يقف خلف الفدائيين ويساندهم قد وهن بسبب الافتقار إلى الدعم الشيوعي العربي، مع إنه يبدو من الأرجح أن دافع عرفات الأكبر كان الأمل في الحصول على مساعدة مادية، ونيل قدر أكبر من الاحترام السياسي، من خلال وساطة عبد الناصر وما يجود به من شفاعة. ..

وعلى أية حال وافق عبد الناصر ، وعرفات إما صاحبه أو تبعه إلى موسكو، وكان هناك العديد من التقارير اللاحقة عن وعود سوفييتية بمد يد العون، وتقديم الدعم، لكن الأدلة على أن السوفييت وفوا بوعودهم أو بأي من مثل هذه الوعود شحيحة جداً...
وزعم السوفييت لاحقاً (ثمة حذف هنا) أنهم أرسلوا سفينة محملة بالأسلحة إلى فتح عبر الإسكندرية، لكن عرفات أنكر أنه تلقى شيئاً من هذا القبيل ، ونفى تماماً أنه استلمها.

وفرّخ نأي فتح عن نهج توطيد عرى أواصر حميمة مع دمشق بعد حرب 1967، حشداً من المشكلات الجديدة، وعلى كل الصعد، سواءً في التنظيم أو القيادة أو الأيديولوجية ، وذكرت التقارير أنه كان لدى فتح نحو 3 آلاف رجل تحت السلاح من الأعضاء النشطين في خريف عام 1968 ، وكانت هيئتها التنفيذية العليا بمثابة قيادة عامة تتكون من تسعة أعضاء، وكان القائد الأعلى ياسر عرفات قد انتخب من قبل الأعضاء الآخرين في القيادة (6).

وفي بداية عام 1968 ذكرت التقارير أن فتح نقلت مقر قيادتها العامة من دمشق إلى عمان، وافتتحت في ذلك الصيف عدداً من المكاتب الإقليمية، وكان لدى المكاتب الفرعية للحركة في الجزائر وبغداد والقاهرة ودمشق أقسام لـ "الدعاية والإعلام" لكل منها، وكانت مسئولة عن الصلات مع الصحافة، كما جرى التخطيط لإقامة قسم عسكري لكل مكتب من هذه المكاتب.

وبحلول خريف عام 1968 بات واضحاً أن فتح كانت أقوى جماعات الفدائيين على الإطلاق، وبتفاوت كبير، على صعيد أعداد المقاتلين والمالية والعمليات، والدعم الشعبي في البلدان العربية (7).

وتجلى نجاح فتح في رغبة حشد كبير من الدول العربية في دعمها، وفي قدرتها على اجتذاب المنظمات الأصغر حجماً لتندمج معها (8) .

في صيف وخريف عام 1968 شهدت فتح سلسلة نزاعات وخلافات ضمن صفوفها، واشتمل الجدل المحتدم بشأنها على قضايا عدة، وكان أحد هذه النزاعات يتعلق بمحاولة الجناح الموالي لسوريا في حركة فتح إبقاء الحركة في المعسكر السوري.
واشتمل خلاف آخر على قضية توحيد المنظمات الفلسطينية ، وعلى مسألة ما إذا كان على فتح أن تخاطر بخسران بعض مقومات استقلاليتها من أجل توحيد المنظمات...

ويبدو من الواضح أن قيادة عرفات للحركة كانت عرضة لهجوم شديد، ولربما شكل الجناح الموالي لسوريا رأس الحربة والعمود الفقري في هذه الهجمة ، وتلقى عرفات خلال هذه الفترة عدداً كبيراً من سهام الانتقاد لأسباب شتى: فبعض الأعضاء في فتح هاجموه لصلاته الوثيقة بالحكومات "الرجعية" وبجماعة الإخوان المسلمين، وزعم البعض أنه كان يعمل لخدمة مصالحه الخاصة ، وأنه كان ينتفع مما تتلقاه فتح من مساهمات، واتهمه آخرون بأنه ينزع إلى الدكتاتورية بشكل متزايد ، وبأنه يرفض توضيح غموض ولغز وفاة صبحي ياسين (9) .

ولربما كان مثل هذا الانتقاد الداخلي يعكس بحق النقمة من أن عرفات كان يزداد قوة مع تنامي فتح، إلا أن عرفات برز على أي حال وبصورة متزايدة بصفته الناطق باسم فتح في جميع القضايا المهمة ، وفي مقابلة أجرتها معه مجلة "الصياد" بتاريخ 22 يناير/كانون الثاني من عام 1969 استفاض عرفات في الحديث عن أيديولوجية فتح (أو بالأحرى افتقارها إلى الأيديولوجية) وكان مما قاله: "ما معنى الهوية الأيديولوجية؟ هل تعني أنه ينبغي أن أنهض وأدلي بتصريح أقول فيه :إنني أؤمن بالماركسية؟ وهل هذا هو الوقت المناسب لتعريف المحتوى الاجتماعي لعضو في فتح؟ وإنني لأقسم بالله العظيم على أنه لا يوجد في صفوف كوادر فتح رأسماليون أو احتكاريون، أو بورجوازيون، ونحن جميعا لسنا فقراء فحسب بل قد فقدنا حتى وطننا، فأي معنى لليمين أو اليسار بالنسبة لي وأنا أخوض كفاحي لتحرير وطني؟

وتابع عرفات حديثه فقال: "إن الفلسطينيين هم أكثر شعوب الأرض يسارية، بل هم أشد نزوعا إلى اليسارية من الاتحاد السوفييتي ذاته". وكان مما قاله: "الاتحاد السوفييتي يؤيد تسوية سلمية لأزمة الشرق الأوسط ، ويدعو لهذا ، ويتقدم بمقترحات من أجل هذه التسوية، ونحن نرفض التسوية السلمية وجميع المقترحات الأخرى.. فهل يفترض أن أمتنع عن المال السعودي وأرفضه لمجرد أن المملكة العربية السعودية يمينية؟ وها أنا ذا استخدم المال السعودي لشراء أسلحة من الصين ، فكيف تصف هذا التصرف؟ أهو اتجاه يميني أم يساري؟".

وافتقار فتح إلى الأيديولوجية هذا كان في الوقت ذاته مصدر قوة فتح ونقطة ضعفها وهشاشتها، وبسبب خواء الأيديولوجية هذا حظيت الحركة بمساعدات من حشد كبير ومتنوع من المصادر ، واجتذبت إلى تنظيمها أولئك النفر من الفلسطينيين الذين يكمن دافعهم الأكبر في الانضمام إلى هذه الحركة في رغبتهم الجامحة بتحرير وطنهم واسترداده.

كما جعلت هذه الثغرة فتح عرضة للانتقاد من الجناح الراديكالي لحركة الفدائيين، مع إنه في الحقيقة، وفيما تحولت الحركة في مجملها وبصورة متزايدة لتصبح أكثر تناغماً واصطفافاً إلى جانب الدول العربية الراديكالية والقوى الشيوعية في العالم، دفعت فتح لتبني موقف أشد وضوحاً وصراحة في راديكاليته.

6. "فتح" تسحب البساط من تحت منظمة التحرير الفلسطينية :
أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية في يناير/ كانون الثاني 1964 خلال مؤتمر قمة الدول العربية في القاهرة، وجاء إنشاء المنظمة عقب إعلان "إسرائيل " إكمال مشروع تحويل مياه نهر الأردن الذي ردت عليه سوريا بالدعوة إلى الحرب، واقترحت الجمهورية العربية المتحدة، بدعم من الأردن، إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، أملاً منها بذلك في إرضاء السوريين بتقديم واجهة قتالية، بينما كانت تخفي في الواقع رغبة في الإرجاء.

وفي فبراير/ شباط 1965، تم وضع جيش التحرير الفلسطيني وهو الجناح العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية تحت القيادة العربية الموحدة، وهي هيئة الأركان الجديدة التي أنشأها مؤتمر القمة لتنسيق التخطيط العسكري للدول العربية ضد "إسرائيل " وفي 1967 كان تعداد أفراد جيش التحرير الفلسطيني حوالي 15000 مقاتل، وشكلت قواته وحدات خاصة عملت كأجزاء أساسية في جيوش سوريا والعراق والجمهورية العربية المتحدة ، وهكذا لم يعمل جيش التحرير الفلسطيني على نحو منفصل ، ولم ينفذ عمليات عسكرية ضد "إسرائيل ".

وفي يونيو/ حزيران 1965، انتقد رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري فتح بسبب عملياتها القتالية، وقال : إن جيش التحرير الفلسطيني لن يخوض أعمالاً حربية.
وعموماً، ومع تصاعد التوتر بين "إسرائيل " والدول العربية في أواخر عام 1966 وبداية 1967 زادت هيبة فتح، التي كانت تصعد عملياتها داخل "إسرائيل "، في حين تراجعت هيبة منظمة التحرير الفلسطينية المدعومة من الجمهورية العربية المتحدة ، وبموافقة من عبد الناصر، ولا ريب، قرر الشقيري أن الوقت قد حان لمنظمة التحرير الفلسطينية كي تتصرف ..

وفي 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1966 أعلن الشقيري عبر إذاعة صوت فلسطين من القاهرة أن قوات جيش التحرير الفلسطيني الملحقة بالجمهورية العربية المتحدة والتي سبق أن رفض السماح لها بدخول الأردن ستدخل الأراضي الأردنية الآن ، وستنفذ عمليات داخل "إسرائيل "، ولكن وحتى مايو/ أيار 1967، كان الشقيري لا يزال يحاول من دون أن يصيب نجاحاً يذكر، إقناع الملك حسين بالسماح لقوات جيش التحرير الفلسطيني بدخول الأردن.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الشقيري كان قد صرح في عام 1966 أن تحرير فلسطين ينبغي أن يبدأ بتحرير الأردن ، وفي ديسمبر/ كانون الأول من ذلك العام، أعلن تشكيل مجلس ثوري هدفه الإطاحة بالملك حسين ، وقد رد الملك حسين برفض الاعتراف بالشقيري رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية ، ولكن مصالحة تمت بين العاهل الأردني الراحل والشقيري قبل نشوب حرب يونيو/ حزيران 1967.

ولم يصدر عن منظمة التحرير الفلسطينية عمل ذو طابع فعال خلال النصف الأول من عام 1967، ولكنها شكلت جناحاً فدائياً لجيش التحرير الفلسطيني حمل اسم "قوات التحرير الفلسطينية"، وهي قوة لم تتشكل في تنظيم حقيقي قبل حرب يونيو/ حزيران 1967، وخلال الحرب تفككت وحدات جيش التحرير الفلسطيني الملحقة بالقوات المصرية والسورية ، وتراجعت هيبة منظمة التحرير الفلسطينية أكثر وأكثر.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 1967 حل محل الشقيري في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية يحيى حمودة ، وهو محام وشيوعي سابق، وفي يوليو/ تموز 1968 تعرضت المنظمة لهزة أخرى جراء محاولة لاستبدال ضباط جيش التحرير الفلسطيني ذوي التوجهات السورية، وربما كانت المحاولة مدعومة من عبد الناصر.

وشمل ذلك تعيين رئيس جديد لأركان جيش التحرير الفلسطيني هو عبد الرزاق اليحيى، وهو تعيين أدى إلى تمرد داخل جيش التحرير الفلسطيني قام به ضباط مؤيدون لسوريا، وقد تم وضع اليحيى نفسه رهن الاعتقال المنزلي في دمشق ، وألمح اليحيى إلى أنه سيتخلى عن المنصب إذا توصلت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والضباط المنشقون إلى حل وسط.

وفي سبتمبر/ أيلول قررت اللجنة التنفيذية التوصل إلى حل وسط ، وتم تعيين ضابط محايد هو مصبح بديري في المنصب.
وكان للانقسام داخل منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني تأثيره الهدام في الروح المعنوية داخل جيش التحرير الفلسطيني وجناحه الفدائي "قوات التحرير الفلسطينية" على حد سواء، وقد عملت قوات التحرير الفلسطينية انطلاقاً من قواعد على الضفة الشرقية لنهر الأردن.

ولكن وخلال عامي 1967 و1968 لم تكن تلك القوات فعالة بشكل خاص، وتشير التقديرات إلى أن عدد أفرادها تراوح بين 200 و500 رجل في تلك الفترة ، وتلقت قوات التحرير الفلسطينية دعماً من فرع جيش التحرير الفلسطيني السوري (قوات حطين) الذي زودها بالأسلحة والرواتب والزي العسكري، وتلقت الدعم كذلك من وحدات جيش التحرير الفلسطيني (لواء القادسية) الملحقة بالقوات العراقية المرابطة في الأردن بعد حرب يونيو/ حزيران 1967.

وبحلول أواخر عام 1968، أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية منظمة مضمحلة، ونظراً إلى أنها شكلت أساساً لتمثل واجهة فاعلة، فإنها لم تفعل الكثير الذي يمكن وصفه بأنه ذو طابع عسكري، وحتى قبل نشوب الحرب كانت المنظمة تتراجع أمام فتح التي كانت تسحب البساط من تحتها، وبعد الحرب، وعندما أصبح العمل العسكري مفتاح الشعبية والهيبة، عانت المنظمة أكثر وأكثر.
وعلاوة على ذلك، بدأت المنظمة تفقد دعم الدولة التي أنشأتها وهي مصر، وفي عام 1968، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تحاول إجراء تغييرات فيها لتصبح منظمة مقاتلة ، ولكنها لم تتمكن من التغير بسرعة كافية.

سيطرة فتح على المنظمة :
في فبراير/ شباط 1969 سيطرت فتح فعلياً على منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى الرغم من أن العلاقات بين المنظمتين كانت عدائية في جوانب بعينها، أحس كثير من أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية بأن تفكك المنظمة بعد حرب يونيو/ حزيران، جعل وجود شكل من التعاون ضرورياً ، وكانت فتح بدورها تنظر بشيء من الحسد إلى هيبة منظمة التحرير الفلسطينية كضيفة رسمية للدول العربية.

وخلال أواخر عام 1967 وبداية 1968 قامت كل من منظمة التحرير الفلسطينية وفتح بمحاولات غير ناجحة لتحقيق شكل من أشكال التعاون مع بعضها بعضاً والمجموعات الفدائية الأخرى، ولكن كلتا المنظمتين لم تكن تريد التضحية بأي من استقلالها(10 ).

وتحققت خطوة تجريبية نحو درجة من الوحدة في مارس/ آذار 1968 عندما أصدرت منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح وثالث أكبر منظمة فلسطينية وهي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بياناً دعت فيه إلى "توحيد الكفاح الفلسطيني في المجالات السياسية والعسكرية".

وتقرر تشكيل مجلس وطني فلسطيني جديد(11) يتم توزيع أعضائه المائة بين المجموعات الفدائية والنقابات العمالية الفلسطينية المختلفة ، واتسمت تحضيرات تشكيل المجلس الذي انعقد في يوليو/ تموز 1968 بعداء بين فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ذات التوجهات الأكثر راديكالية ،ولم يحقق الإجماع ذاته شيئاً ، وبسبب الفشل في التوصل لاتفاق تم ببساطة التمديد للجنة التنفيذية السابقة لمنظمة التحرير الفلسطينية لستة أشهر أخرى.

وفي ما يتعلق بالمفاوضات الخاصة بتكوين مجلس وطني فلسطيني جديد فقد هيمنت عليها فتح التي قاطعت منافستها الرئيسة، وهي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الاجتماعات ؛ ولذلك تمتعت فتح بالسيطرة الفعلية على المجلس عندما انعقد في مطلع فبراير/شباط 1969 في القاهرة، ولم يحضر كثير من قادة منظمة التحرير الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني الاجتماعات ، وقاطعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الاجتماعات مقاطعة تامة، ونجحت فتح في وضع ثلاثة من أعضائها في عضوية اللجنة التنفيذية المؤلفة من 11 عضواً علاوة على ياسر عرفات الذي أصبح الرئيس الجديد لمنظمة التحرير الفلسطينية ومدير شؤونها العسكرية (12)..

ومن بين الإجراءات الأولى أمام اللجنة التنفيذية الجديدة نقل مقر منظمة التحرير الفلسطينية من القاهرة إلى عمان، وبذلك تنقطع رمزياً العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والجمهورية العربية المتحدة، وعينت اللجنة أيضا مجموعة ضمت يحيى حمودة (الذي حل محل الشقيري كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية ، ويعمل حالياً رئيساً للمجلس الوطني الفلسطيني) وثلاثة آخرين، للاستمرار في الحوار مع أولئك الذين قاطعوا المجلس الوطني الفلسطيني، وشكلت اللجنة التنفيذية أيضا (في أبريل /نيسان) لجاناً للتنظيم الشعبي والشؤون العسكرية والشؤون التعليمية والضرائب واللجان الثقافية.

في فبراير/شباط، وبعد عدة أيام من انعقاد أول اجتماع للجنة التنفيذية التقى عرفات في عمان بمجموعة من مديري مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية، ليتبين لاحقاً أنها كانت مجابهة غير سارة:

وأفصح المسئولون في هذا اللقاء عن شكوكهم بخصوص مطامح عرفات الشخصية ، والرغبة في جعل فتح تهيمن على منظمة التحرير الفلسطينية، ورغم أن عرفات حاول استرضاء هؤلاء المسئولين إلا أنهم تشبثوا باعتقادهم بأنه كان ينوي استبدالهم.
وكانت هواجسهم تستند إلى أسس متينة، إذ إنه بعدها بعدة أشهر أمرت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بإعادة تنظيم وهيكلة مكاتبها الوطنية، وباستثناء شفيق الحوت، مدير مكتب بيروت، ومدير آخر، كان سيتم استبدال مديري كافة المكاتب الوطنية ، وعلاوة على ذلك، ستشكل في كل مكتب هيئة قيادية سيطلق عليها بعدئذ اسم مجلس شؤون منظمة التحرير الفلسطينية ، كما سيكون من بين أعضائه أي عضو فلسطيني من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني المقيمين في ذلك البلد، وينضم إلى هذا المجلس أيضا رؤساء المنظمات الفلسطينية في ذلك البلد، وسيخدم مدير المكتب بصفته سكرتيراً للجنة، وهذا لتنظيم الجديد ، وترتيب الأمور على هذه الشاكلة ، وزع سلطة منظمة التحرير الفلسطينية الإقليمية على مساحة أوسع، ما منح قوة جديدة للمنظمات الأخرى، ولا سيما لفتح (14 ).

وفيما هيمنت فتح على جهاز منظمة التحرير الفلسطينية السياسي، فإن بيانات وتصريحات سياسة منظمة التحرير الفلسطينية، امتزجت ببيانات فتح، وفي الشهر الذي أعقب اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني اتخذت منظمة التحرير الفلسطينية المواقف العلنية التالية التي تتطابق مع مواقف فتح:

1- رفضت قرار مجلس الأمن الدولي لشهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1967، وغيره من مقترحات السلام، بما فيها خطة السوفييت المجدولة زمنياً.
2- دعت إلى إقامة مجتمع "حر" وديمقراطي، في فلسطين يحتضن كل الفلسطينيين من مسلمين ونصارى ويهود، كي ننقذ فلسطين بذلك من الصهيونية (15 ) .
3- وأن مستقبل الوطن العربي يعتمد على تحرير فلسطين، ودعت كلّ الدول العربية إلى دعم الحركة الفلسطينية.
4- دعوة جميع فصائل المقاومة الفلسطينية إلى التوحد.
5- وجوب ضم جيش التحرير الفلسطيني ودمجه في الثورة مع البدء بصياغة تصور يرمي إلى التخطيط ، ومن ثم بلورة قضية تنظيم حرب تحرير شعبية.
ــــــــــــــــ
الهوامش :
(1) كان الخطاب قد ألقي في تخريج صف دراسي عسكري.
(2) كان من الممكن أن يلحظ المرء انتقاداً مماثلاً، لكنه صادر عن شخصيات ارتبط اسمها بالإصلاح ، ولم يعهد عنها أنها متشددة في مواقفها، حيث ظهر هذا في مقال في "البرافدا" بتاريخ 17 يونيو/ حزيران بقلم رومياتسيف وبيرلاتسكي وبستروجيف ، وفي حين انصب الاهتمام الأكبر بكتاب المقال على بحث الحاجة إلى دراسة أكثر استفاضة وتعمقاً للتيارات السياسية والاجتماعية العريضة، فإنه اشتمل أيضا على دعوة صريحة إلى تكهنات سياسية أفضل استشرافاً للمستقبل "ولا سيما" في ما يتعلق "بآفاق تطوير علاقات دولية" ، والحالة الصارخة التي هي محور الاهتمام والتي يستشهد بها إنما هي الوضع الذي قاد إلى الحرب العربية "الإسرائيلية" وأدى إلى اندلاعها، وهي حالة لا يمكن للقارئ المطلع الفطن إغفالها.
(3) ربما كان الحضور الكبير لأطقم المستشارين السوفييت في سوريا مسئولا بشكل جزئي عن إحجام "إسرائيل " عن شن هجمات انتقامية ضد سوريا ، إلا إنه يمكن إرجاع هذا بصورة أدق إلى حقيقة أن السوريين كانوا حذرين بشأن شن هجمات "إرهابية" ضد "إسرائيل " انطلاقاً من أراضيهم ، ويحرصون كل الحرص على الحيلولة دون ذلك، وهذا الاحتمال الثاني هو الأرجح، إذ إن "الإسرائيليين" شنوا هجمات انتقامية على مصر على الرغم من وجود المستشارين السوفييت هناك.
(4) انتظرت "إسرائيل " حتى مايو/ أيار 1965 قبل أن تقتص للمرة الأولى من العاصفة، وفي ذلك الوقت دمرت قاعدتين للعاصفة في الأردن في محاولة لإجبار الأردن على كبح جماح الفدائيين.
(5) في نوفمبر/ تشرين الثاني 1966 هاجمت "إسرائيل " كذلك قرية السموع في الأردن انتقاماً من غارات فتح عبر الحدود.
(6) المناصب الأخرى في القيادة العامة كانت على الشكل التالي: نائب القائد الأعلى عرفات هاني القدومي، الذي تحددت مهامه في سبتمبر/أيلول من عام 1967 بصفته مسئولا عن المالية في الكويت، ورئيس اللجنة العسكرية - فاروق نسيبة، ورئيس اللجنة المالية، ومحمد قطان، قائد الفرع اللبناني من فتح، ومدير فرع بيروت من البنك الإفريقي العربي، ورئيس التنسيق - خالد الحسن، قائد فرع فتح في الكويت، ورئيس التنظيم وليد الخالدي، بروفيسور الفلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت، ومنظر فتح الأيديولوجي، ورئيس الشؤون الإعلامية - عمر إسماعيل الخطيب، قائد فرع فتح في الأردن، ورئيس شؤون الأفراد - زهدي الخطيب، وقائد فرع فتح في العراق، ورئيس لجنة الاستخبارات عبد الرحمن بركات.
(7) في فبراير/شباط من عام 1969 كان لفتح حينها 75 قاعدة في الأردن، وفي كل منها نحو 30 فدائياً في المتوسط، وكان لها قاعدتان في سوريا، في كل منهما نحو 150 فدائياً وثلاث قواعد في لبنان، في كل منها 200 فدائي.
(8) ضمت هذه "جبهة فلسطين الثورية" و"طلائع الفداء" والأرض، وهي داخل "إسرائيل " ومسئولة عن كثير من العمليات داخل "إسرائيل ".
وبرزت أوجه ضعفها في حقيقة أنها كانت جماعة مشرذمة ليس لها برنامج راسخ الأركان ، وتفتقر إلى الانسجام والتماسك، ناهيك عن أن الشقاق الحزبي نخرها ومزقتها الانقسامات.
(9) كان ياسين قائد "طلائع الفداء"، وهي جماعة فدائية ناصرية ، وجرى اغتياله في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1968. (يوجد حذف هنا). وكانت فتح هي من اغتاله، لأن لجنة الاستخبارات علمت أن جماعة ياسين لم تنضم إلى فتح إلا لغرض واحد، وهو إخضاع فتح للهيمنة الناصرية.
(10) عقدت كل واحدة من المنظمتين اجتماعات قاطعتها الأخرى ، ونسبت كل واحدة منهما لنفسها بعدها قيادتها لحركة موحدة ، وتعرضت هيبة الشقيري لهزة أخرى جراء تلك المحاولات الفاشلة، وربما كان ذلك أحد العوامل التي أدت لإقصائه في ديسمبر/ كانون الأول 1967).
(11) كان المجلس الوطني الفلسطيني يمثل في الأساس الهيئة العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية حسب تأسيسها، وكان يتألف من 450 عضواً ، وقد تفرق أعضاء المجلس نتيجة لحرب يونيو/ حزيران 1967، إضافة إلى ذلك كانت لمنظمة التحرير الفلسطينية لجنة تنفيذية مكلفة بتسيير الشؤون اليومية .
(12) كان الأعضاء الآخرون في اللجنة التنفيذية الجديدة هم: فتح: فاروق قدومي - مدير التنظيم الشعبي ، وقد تم تعريفه أيضا كعضو في الصاعقة ، خالد الحسن - مدير الشؤون السياسية ، محمد النجار ، الصاعقة: يوسف برزي ، أحمد شهابي ، مستقلون: إبراهيم بكر - نائب الرئيس ، كمال ناصر - مسئول المعلومات الإرشادية ، ياسر عمرو..
منظمة التحرير الفلسطينية : حامد أبوستة: مدير شؤون الوطن ، عبد المجيد شومان - الصندوق الوطني الفلسطيني .
(13) كان النشاط الوظيفي لهذه المكاتب الإقليمية مماثلاً على الأرجح للوظيفة المنوطة بمكتب بيروت، مع إن مكتب بيروت كان أهمها على الإطلاق ، واشتملت واجباتها على مهام الاتصال بالحكومة اللبنانية، وإصدار التقارير الصحافية باسم منظمة التحرير الفلسطينية ، وتقديم العون القانوني للفلسطينيين في لبنان ، وتجنيد متطوعين وجمع الأموال، وتعزيز الترابط والتواصل مع المنظمات الفلسطينية الأخرى ، وأخيراً، وكما رأينا من قبل، الاتصال بالسوفييت والتواصل معهم .
(14) على سبيل المثال، في أواخر أبريل /نيسان، جرى إبلاغ مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت أن مجلسه سيضم شفيق الحوت وخالد اليشرطي من فتح، ويحيى عاشور، ممثل فتح في بيروت، وصلاح الدباغ (مستقل)، وقال الحوت : إنه على الرغم من الترتيب الجديد، فإنه شخصياً ظل يلتجئ مباشرة إلى خالد الحسن، رئيس قسم الشؤون السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية ملتمساً منه العون .
(15) بسط مقال نشر في جريدة الحزب الشيوعي الإيطالي "ليونيتا" بتاريخ 25 مارس/ آذار 1970 ونسب إلى حركة فتح وجهات نظرها بشأن دولة فلسطينية في المستقبل ، ونادى المقال بقيام فلسطين العلمانية والديمقراطية التي تتكون من المسلمين والنصارى واليهود، وطالب بإنهاء مشاعر الانتقام ووضع حد لمسألة اعتبار جميع اليهود في العالم صهاينة ...
وقال المقال: "إن جميع اليهود الذين يعيشون في فلسطين، إضافة إلى أولئك المنفيين عنها سيكون لهم حق أن يصبحوا مواطنين فلسطينيين، رافضين بذلك أطروحة أن الذين كانوا هناك قبل عام 1948 أو 1918 هم فقط من سوف يتم قبولهم" وذكر المقال أن فلسطين ما قبل 1948 ينبغي أن تشكل أراضي الدولة الجديدة، وأن هياكل وصروح "إسرائيل " المصطنعة، وربما صروح وهياكل الأردن أيضا (بالشكل الذي أنشئت عليه بعد 1948) سوف تختفي.
المصدر : مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات – بيروت متابعات الزيتونة نقلا عن موقع "قانون حرية المعلومات" على الانترنت ، إعداد: قسم الترجمة في صحيفة الخليج الإماراتية (من 29/6/2007 حتى 20/7/2007)

 

 


الباسل





يتولى القادة العسكريون مهمة الدفاع عن الوطن ، ففي أوقات الحرب تقع على عاتقهم مسؤولية إحراز النصر المؤزر أو التسبب في الهزيمة ، وفي أوقات السلم يتحمّلون عبء إنجاز المهام العسكرية المختلفة ، ولذا يتعيّن على هؤلاء القادة تطوير الجوانب القيادية لديهم من خلال الانضباط والدراسة والتزوّد بالمعارف المختلفة بشكل منتظم ، واستغلال كافة الفرص المتاحة ، ولاسيما أن الحياة العسكرية اليومية حبلى بالفرص أمام القادة الذين يسعون لتطوير أنفسهم وتنمية مهاراتهم القيادية والفكرية

   

رد مع اقتباس